فنقول: إن الكرسي قد اشتمل على السموات والأرض حتى أحاط بما فوقهما وتحتهما، وأحاط بأقطارهما، فكانت السموات والأرض داخلتين في الكرسي، فصار مَثَل الكرسي ـ لإحاطته بالسموات والأرض ـ كمثل البيضة المشتملة على الفرخ في جوفها، فالبيضة مشتملة على هذا الفرخ في جوفها، ملتئمة عليه، ليس فيها صدع ولا ثقب، ولا لما في جوفها منها مخرج؛ حتى يأذن الله عزَّ وجل لما في جوفها بالخروج، وهذا الكرسي أيضاً مشتمل على هذه الأرض وهذه السماء كما اشتملت هذه البيضة على هذا الفرخ؛ لأنه محيط بأقطار السماء وأقطار الأرض، وكل شيء مما خلق الله عزَّ وجل في السموات والأرض داخل في هذا الكرسي، فليس لشيء(1) مما خلقه الله سبحانه خروج من هذا الكرسي، وهذا الكرسي فليس وراءه منتهى ولا غاية، فاعرف هذا الكرسي كيف هو؛ فقد ثبت والحمد لله أن هذا الكرسي هو المحيط بكل الأشياء، الواسع لها، فصار هذا الكرسي خارجاً منها، ظاهراً عليها وباطناً فيها، ظاهراً عليها لإحاطته بها وباطناً فيها لدخولها فيه؛ وليست هذه الأشياء الداخلة في هذا الكرسي بممازجة له لأنها أصغر شيء في إحاطته.
__________
(1) في (ب): للشيء.(1/261)
وسأذكر لك في إحاطة الكرسي بالأشياء خبراً مذكوراً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ذكر عن أبي ذر الغفاري(1) رحمة الله عليه، أنَّه قال: يا رسول الله، أي آية أنزلها الله تبارك وتعالى عليك أعظم؟ قال: (( آية الكرسي، ثم قال: يا أبا ذر ما السموات والأرض عند الكرسي إلاَّ كحلقة ملقاة في فلاة من الأرض )) فانظر إلى ما ذهب إليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يريد أن الكرسي اشتمل على السموات والأض كما اشتملت الأرض على الحلقة الملقاة في جوفها، فدخلت السموات والأرض في الكرسي، كما دخلت الحلقة في الأرض، فبطل كل شيء مما خلق الله عزَّ وجل وهلك، وغاب فذهب، من كل عرش وسماء وأرض، وثبت هذاالكرسي لا غيره، وكان هذا الكرسي من وراء كل شيء، واسعاً لكل شيء، فلم يبق عرش ولا مخلوق، ولا سماء ولا أرض، ولا جنة ولا نار، ولا جن ولا إنس ولا ملائكة، ولا هواء، ولا شيء مما خلق الله عزَّ وجل حتى صار داخلاً في هذا الكرسي؛ لقول الله سبحانه: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ} [البقرة: 255]. فكل شيء مما خلق الله سبحانه فقد أحاطت به السموات والأرض ومابينهما، وهذا الكرسي فقد أحاط بالسموات والأرض وجميع ما فيهما.
__________
(1) اسمه: جندب بن جنادة على الأصح، الصحابي المشهور بصدق لهجته، وصراحة وصلابة مواقفه، تقدم إسلامه وتأخرت هجرته، فلم يشهد بدراً، ومناقبه كثيرة جداً، نقم على عثمان ومعاوية مظاهر البذخ والترف واستيثارهما وذويهما بأموال المسلمين؛ فنفاه عثمان إلى الربذة وبها توفي وحيداً سنة (32 هـ).(1/262)
فاعرف هذا الكرسي معرفة جيدة، وتدبره وانظر فيه نظراً مكرراً، فإني قد كررت لك الوصف فيه لتدَّبَّره وتعرفه كيف هو، وقف على ما وصفت لك فيه وتيقنه، فإذا عرفته ووقفت عليه بما وصفت لك سواء؛ فانظر الآن إلى ما ذهبت إليه، وما الذي أريد بذكر هذا الكرسي. اعلم(1) رحمك الله أن هذا الكرسي مثل ضربه الله لعباده، ليستدل به العباد على عظمة الله تبارك وتعالى، وإحاطته بالأشياء واتساعه لها، وهذا الكرسي مَثَلٌ يحكي(2) اللّه سبحانه، وليس ثَمَّ شيء سوى الله عزَّ وجل، وهذه الإحاطة لجميع الأشياء فإنَّما هي إحاطة الله عزَّ وجل، وليس ثم كرسي مخلوق، ولا شيء سوى الخالق، أحاط بجميع ما خلق، فليس شيء مما خلق الله عزَّ وجل إلاَّ والله سبحانه محيط به، وليس شيء مما خلق الله بمحيط(3) به، هو أصغر وأحقر من ذلك؛ إِذَنْ لكان الشيء المحيط بالله ـ جل الله ـ أوسع من الله وأكبر منه.
وسأذكر لك في هذا أخباراً، وأضرب لك فيه أمثالاً؛ حتى تتحقق في قلبك المعرفة بالله عزَّ وجل، وتحذف عن قلبك الشك والإرتياب.
اعلم رحمك الله: أن هذه الفرقة من المشبهة قوم هم عند الله أكذب الكاذبين، وأخسر الخاسرين، ولأَقسمت يميناً بالله عزَّ وجل صادقاً أن الواحد منهم ممَّن يرى أنَّه على شيء ليصلي ويصوم ويتنفل؛ وإن قلبه ليحكي له بعده من الله تبارك وتعالى، وأنه لا يتقرب من الله أبداً، ولا يزداد بكثرة عمله إلاَّ بعداً، وإن قلبه لنافرٌ من الله سبحانه؛ لأن القلوب إنما تَقِرُّ وتهدأ وتطمئن على تحقيق المعرفة، فإذا عرف اطمأن وهدأ.
ونحن فلا نقول: إنهم جحدوا الله سبحانه، وذلك أن الله فطرهم على معرفته، ولكنا نقول: إنهم جهلوا الله وصغَّروه، فَلَهُمْ أصْغَرُ صغير وأحقر حقير عند الله عزَّ ذكره.
__________
(1) في (ب): واعلم.
(2) في (أ) و(ج): يحكي عن.
(3) في (ب): محيط به. أي بالله عز وجل.(1/263)
فإذا عرفت الله سبحانه، وَوَصَفْتَه(1) بهذه الإحاطة التي ذكرت لك، فقد عرفت الله سبحانه حق المعرفة، ألا تسمع إلى قول الله عزَّ وجل: {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ}[البقرة: 255]؟ يخبر عزَّ وجل أنَّه أعلى وأعظم من أن تحفظه السموات والأرض. ونحن نقول: إن الله سبحانه هو الحافظ للسماء والأرض.
وسأصف لك السموات الأرض كيف هما، وأُصغِّرهما لك على عظمهما؛ حتى تعلم أنَّه لا شيء أعظم من الله سبحانه، ولا شيء أوسع من الله سبحانه، فقف على ما أذهب إليه وتدبره.
يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله أنَّه قال: (( هل تدرون ما هذه التي فوقكم؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم. قال: فإنها أرفع سقف محفوظ، وموج مكفوف، هل تدرون كم بينكم وبينها؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم، قال: فإن بينكم وبينها مسيرة خمسين ومائة عام، وبينها وبين السماء الأخرى مثل ذلك؛ حتى عد سبع سماوات، وغلظ كل سماء مسيرة خمسين ومائة سنة، ثم قال: هل تدرون ما هذه التي تحتكم؟ قالوا: الله ورسُوله أعلم، قال: فإنها الأرض، وبينها وبين الأرض الأخرى مسيرة خمسين ومائة عام، حتى عد سبع أرضين، وغلظ كل أرض مسيرة خمسين ومائة سنة، ثم قال: والذي نفس محمد بيده لو دلَّيتم أحدكم(2) حتى يصير إلى الأرض السابعة السفلى لكان الله عزَّ وجل معه، ثم تلا هذه الآية: {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]. وقد قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه: (لو أن ملكاً من ملائكة الله عزَّ وجل ـ الذين عظم الله خلقهم ـ هبط إلى الأرض لما وسعته)(3)؛ لأن الله جعل السموات أوسع من الأرض، والسماء العليا من السموات السبع أوسع من السماء السفلى؛ لأن السماءالعليا مشتملة عليها.
فانظر إلى هذه السموات والأرضين ما أوسعها وأعظمها، وسأصغرهما لك الآن في عظمته سبحانه حتى تعلم علماً يقيناً أنَّه لا شيء أعظم من الله عزَّ وجل، قال الله في الأرض والسماء: {وَالأَرْضُ جِمْيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ}[الزمر: 67]. فمثل الله صغر الأرض في عظمته وقدرته؛ كالقبضة في الكف، فكان في هذا ما يدل على تعظيم الله سبحانه. وكذلك قال: {وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} فكان هذان مثلين من أمثال الله عزَّ وجل، يحكيان عن عظم الله تبارك وتعالى وصغر الأشياء، أنها في عظم سعته واقتداره أصغر صغير عنده سبحانه وتعالى.
تم والحمد اللّه وحده وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
__________
(1) في (ب): وَصِفَتَه.
(2) في (ب): لود أحدكم، وهو سهو.
(3) الظاهر أن كلام الإمام علي عليه السلام إلى هنا.(1/264)
كتاب العرش والكرسي
m
قال(1) يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الكرسي، والعرش، والقبضة، والبطش(2)، والإتيان، والمجيء والكتاب، والصراط، والميزان، والكشف عن ساق، واليدان، والقبض، والبسط، والوجه، والحجاب؛ أمثال كلها، لا يضاف شيء منها إلى صفات البشر، فمن أضاف شيئاً منها إلى صفات الخلق فقد كفر(3).
وإنما هذه الصفات من أمثال القرآن، وهو قوله: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ}[العنكبوت: 43]. وقد ذكر الله الأمثال في كثير من القرآن.
فنقول: إن المعنى(4) في العرش والكرسي والوجه سواء، ليس بينها فرق، والمعنى فيها واحد(5).
__________
(1) في (أ): الحمدلله وحده وصلواته على محمد النبي وآله وسلامه.
(2) في (ب): والنظر.
(3) يعني ليست معانيها في حقه تعالى كما هي في حق البشر.
(4) في (أ): إن العبارة.
(5) يعني أن مدلولها واحد هو الله، وليس المضاف فيها سوى المضاف إليه؛ فقولنا: كرسي اللّه وعرش اللّه كقولنا: وجه الله. بمعنى أنه لاشيء غيره سبحانه ولاعرش ولاكرسي ولاوجه.(1/265)