وسالته عن قول الله سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 102]، فقال: هؤلاء أهل التوبة إلى الله من بعد المعصية، فذكر الله عنهم أنهم عملوا عملاً سيئاً، ثم خلطوا أعمالهم بالصالحات؛ فعملوا بها من بعد التوبة وبعد العمل الردي. ومعنى {عَسَى اللَّهُ}؛ هو: إيجاب القبول(1) للتوبة من التائبين من بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس كما يقول الجهال: إنهم يعملون قبيحاً وحسناً في حالة واحدة، ويتقبل منهم الحسن، هذا ما لا يكون؛ لان الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27]، ومن كان في معصية الله فليس بمتق، ومن لم يكن بمتق فليس يقبل عمله منه.
[معنى قول الله: {فلا وربك..} الآية]
وسالته عن قول الله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[النساء: 56]. يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله، مخبراً له عن أصحابه، مقسماً بنفسه؛ أن أصحابه لا يؤمنون على حقيقة الإيمان؛ حتى يردوا إليه عليه السلام ما تشاجروا فيه ـ وهو مااختلفوا فيه ـ ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً فيه، ولا غضباً منه، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، أي ينفذوا حكمه ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه
****
ومن مسائل علي بن محمد العلوي (2)
مما سأل عنها الهادي إلى الحق صلوات الله عليه.
m
[أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟]
وسالته عن أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟
__________
(1) في (أ،ج): إيجاب لقبول التوبة عن.
(2) هو مصنف سيرة الإمام الهادي، له مواقف شجاعة مع الإمام عليه السلام.(3/21)


فقال: نعم. قلت: ومن أين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: (( كل مولود(1) يولد فإنما يولد على فطرة الإسلام، حتى يكون أبواه اللذان يهودانه أو ينصّرِانه ))؟
فقال: إنما هذا في الأطفال الذين يولدون في دار الإسلام، فأما من يولد في دار الكفر فقد حكم الله عليه بالسبي، وحكم على ما فيها من مال أو نفس وأبانها، وأحل ما فيها، وصيَّرها ملكاً وغنيمة للمؤمنين، فما جاز من سبي الكبير جاز في سبي الصغير؛ لأن الدار دار كفر، فافهم الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام.
[الجزية على النساء ودعوتهن]
وسالته عن نساء اليهود والنصارى، هل تجب عليهن الجزية؟
فقال: لا. قلت: ومن(2) أين لم تجب عليهنَّ الجزية؟ فقال: لأن الله تبارك وتعالى حكم على الرجال بالقتل، وأوجب عليهم الجزية فداءً من القتل، فمن وجب عليه القتل من الرجال وجبت عليه الجزية. قلت: فهل تجب دعوة النساء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يفعلن؟ قال: يستخدمن ويُهَنَّ. قلت: وهل تحل خدمتهنَّ؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفيّة ابنة حيي بن أخطب حتى أسلمت، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض علماء أهل البيت: إنهن يدعين؛ فإن لم يُسلمن قتلن.
قلت: فما قولك أنت يا أمير المؤمنين؟
فقال: حتى تبلغ ذلك إن شاء الله، وأعلمتك برأيي فيهن(3).
ومن مسائل محمد بن عبيد الله (3)
[موالاة الظالمين ومداراتهم]
__________
(1) في (أ، ج): طفل.
(2) في (أ، ج): فقلت من.
(3) في (أ): ثم أعلمتك. ولعلها: أعلمك.(3/22)


قال محمد بن عبيدالله(1) رحمه الله: سألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن موالاة الظالمين. فقال: لا تجوز موالاة الظالمين لأحد من المؤمنين، وموالاتهم فهي: مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه يقول: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة: 22]. فحرّم الله تعالى موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين الإنطواء على شيء من إضمار المودة لهم. وفي ذلك مايقول اللّه عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ اَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..} الآية[الممتحنة: 1]. فمن انطوى وأضمر محبّة ظالم فقد خرج من دين الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين، والظالمون أعداءٌ لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.
فأما المداراة للظالمين باللسان، والهبة والعطية، ورفع المجلس، والإقبال بالوجه عليهم؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الله قد فعل في أمرهم ـ وهم أعداؤه ـ ما فعل؛ من جعله لهم جُزءاً في الصدقات؛ يتألفهم به على الحق، ويكسر به بعض بلائهم وظلمهم عن الإسلام، وذلك قوله عزَّ وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية [التوبة: 60] فجعل للمؤلفة جزءاً، وهم أعداء الله وأعداء الإسلام؛ يكسر حدَّهم عن المؤمنين، ويصليهم به نار جهنم وبئس المصير، ويجعله عليهم وبالاً في الآخرة ولهم عذاب أليم.
__________
(1) في (ب): عبدالله. وهو: محمد بن عبيدالله العلوي العباسي والد مؤلف السيرة، أحد أبرز أصحاب الإمام، وفد عليه للجهاد بين يديه، تولى للإمام وسحة، ثم صعدة، ثم نجران في سنة (287 هـ)، خالف عليه بنو الحارث بنجران وقتلوه ظلماً وعدواناً في وقعة رهيبة تشبه وقعة الإمام الحسين عليه السلام في شهر ذي الحجة سنة (295 هـ).(3/23)


وكذلك كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يفعل بالمنافقين الظالمين؛ يؤثرهم على من معه من إخوانه المؤمنين، ويكل إخوانه على إيمانهم.
من ذلك ما فعل في غنائم حنين، فرقها كلها على المؤلفة قلوبهم، ولم يعط المؤمنين منها درهماً واحدا، ولا شاة واحدة، ولا بعيراً واحداً يتألفهم بذلك، ويكسر عن المؤمنين شر حدهم.
وكذلك كان يفعل بكبراء المشركين إذا كاتبوه وأتوه؛ يكاتبهم بأحسن المكاتبة، ويفرش لهم ثوبه إذا أتوه يُجلسهم عليه، نظراً منه للإسلام، ومداراة لهؤلاء الطغام، عن غير موالاة ولا محبة.
[الاستعانة بالظالمين]
قال محمد بن عبيد الله(1): وسألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه هل تجوز الإستعانة بالظالمين؟ وقلتُ: ما معنى قول الله سبحانه: {وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُداً} [الكهف: 51]. فقال: أما ما سألت عنه من قول الله سبحانه؛ فإنما أراد بالعَضُد: الوُدِّ والْمُشَاوَرَة(2) في المبثوث من جميع الأسرار الظاهرة والباطنة، والمحبوب في السر والعلانية، المعتَقَدة ولا يته، الجائزة عند الله مناكحته، وأكل ذبيحته، وقبول شهادته، والإعتماد على قوله، والركون إلى مصافاته، فهذا العَضُد. فمن لم يكن عند صاحبه على هذه الحال، على حقيقة الفعل والمقال؛ فليس له بعضد ولا كرامة له، ولا ينتظمه هذا الاسم أبداً، ولا يجوز له أصلاً.
__________
(1) في (ب): عبد الله.
(2) في (ج): الوِدَّ الْمُشَاوِر، والود: المحب.(3/24)


فأما ما اسعنت به في مهمّاتك، وتقويت(1) به واستعنت به في ساعات حاجاتك، في إصلاح الإسلام والمسلمين، وهايبت به من كان مثله من الظالمين، واستعنت به على من هو أفجر منه، وأنت له شانئ، ومنه متبرئ، وبه غير واثق، تكتمه أسرارك، وتجمل لديه أخبارك، لا تستحل له مناكحة، ولا تأكل له ذبيحة، ولا تقبل له شهادة، ولا تأتم به في صلاة، فكيف تكون له متخذاً عضداً، وتكون له ولياً مرشداً؟ هذا ما لا يغلط فيه إلاَّ الجهال، وإلا من أعمى الله قلبه من الرجال، فهو يتكمه في عمايات الضلال، يدعو الليل نهاراً والنهار ليلاً، والعدو ولياً والولي عدواً، ينحل كل واحد منهما نحلة ضده، ويدعو كلاَّ بغير اسمه.
وأما ما سألت عنه من استعانة المحقين بالظالمين، في طاعة رب العالمين لمحاربة المحاربين؛ فإنا لانستحل غيره في مذهبنا؛ لأن الاستعانة بالظالمين على من حارب الحق والمحقين؛ واجب على المسلمين، لا يسع أحداً تركه، ولا يجوز رفضه، إذا صار الإسلام إلى ذلك محتاجا، وكان الحق إليه مُضطراً، إذا جرت عليهم(2) أحكام الإمام ومن في عصره من خدم الظالمين وأعوانهم، الذين استعان بهم في وقت حاجته لهم.
ونقول: إن فرض ذلك يجب من وجهين:
فأما أحدهما: فإنه لا يحل للإمام أن يقتل الإسلام ويضيّعه، ويمكن عدوه منه، وهو يجد إلى غيره سبيلاً، وعلى إجابته معيناً، تجري أحكامه عليه؛ لأنَّه إن امتنع من الاستعانة بهم في وقت ضرورته، ظهر من هو شر ممن كره الاستعانة به على الإسلام فأهلكه.
__________
(1) في (ب): وتقربت.
(2) في (ب): عليه.(3/25)

205 / 209
ع
En
A+
A-