وهذا أكرمك الله فقد وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه، والبحث لها فيه، عند ما دعتنا إليه؛ من دعاء الخلق إلى طاعتنا، والمناداة إلى إجابتنا(1)، وضرب أعناق المحاربين لنا، وأخذ أموالهم، واستباحة ديارهم.
فسألناها فقلنا: ما الذي وجب لكِ به ذلك؟
فكان من جوابها لنا، عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها، أَنْ قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي، من لدن القاسم بن إبراهيم عليه السلام، ومن تقدمه من الأئمة القائمين؛ الذين كانوا حججاً لله على العالمين، سواء سواء.
فقلنا لها: فَبِمَ أوجبتِ(2) لأولئك صلوات الله عليهم الطاعة على الخلق؟
فقالت: بوجوب الإمامة التي عقدها الله لهم بأحق الحق، وأصح القول والصدق.
فقلنا لها: وَبِمَ عقد الله سبحانه الإمامة لأولئك؟ وبأي معنى كانوا صلوات الله عليهم عند الله عزَّ وجل كذلك؟
فقالت: بولادة الرسول صلى الله عليه وآله(3)، وبمعرفتهم بذي الجلال والإكرام، وبالورع الذي جعله قواماً للإسلام، وبالمعرفة بالحلال عند الله والحرام، وبما يحتاج إليه في الدين جميع الأنام، وبأخذ الحق وإعطائه، وبِقِلَّة الرغبة في الدنيا، والزهد في دار الفنى، والرغبة والمحبة لدار البقاء(4)، وبكشف الرؤوس، وتجريد السُيوف، ورفع الرايات لله وفي الله عزَّ وجل، والمنابذة لأعداء الله، وبإظهار الدعاء إلى الله، والغضب لله والرضى، وإقامة الدار، والدعاء إلى الله الواحد القهار، وإحياء الكتاب والسنة، وإقامة الحق والعدل في الرعيّة، والإطلاع على غامض كتاب الله ووحيه، الذي لا يطلع عليه إلاَّ من قلده الله السياسة، وحكم له بالإمامة دون غيره، فآتاه الحكمة، وخصه بالفضيلة، وأكمل له النعمة، وجعله له على الخلق حجة، وبالشجاعة عند اللقاء، والصبر في البأسآء والضرآء، والجود والسخاء، مع النصفة للأولياء.
__________
(1) في (ب): والمبادر.
(2) في (ب): وجبت.
(3) يعني بكونهم من أولاد الرسول.
(4) في (ب): والرغبة في دار.(3/16)


فصدقناها فيما احتجب به من الأمر الذي تجب به من الله سبحانه الإمامة لأهلها، ويتأكد لهم به من الله عزَّ وجل فرض الطاعة على خلقه.
فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما ذكرنا في كل حال، فقد وجبت له بحُكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض الله على الخلق الطاعة، أوجبنا على أنفسنا المحنة؛ فامتحناها فيما أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت بها لأهلها على الخلق الطاعة. فلم نَجِدها ولله الحمد عن ذلك منصرفة، ولا منه مُعوِزَة، بل وجدناها به قائمة، وبالتسمية(1) به مستحقة؛ فأجبناها إلى ما دعتنا إليه، وأعنَّاها بكليتنا عليه، فصدقناها ولله المنُّ بعد المحنة به.
ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة، والسؤال والمحنة؛ مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا، بمثل ما نظرنا نحن مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا، وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت، وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيّرات.
وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط الأئمة الهادين، المفترضة طاعتهم، والمحرّمة معصيتهم، كنت على بينة من أمرك، ورخصة من فرضك(2)، وراحة من تعبك.
واعلم هداك اللّه أن الإمتحان والنظر لا يكون إلاَّ بالنصفة من المتناظِرَيْن، وطلب الحق في ذلك من المتسائلَين،وقبول الحق عند ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله. ونحن أكرمك الله لكل ذلك باذلون، وإليه لك مسرعون، وله منك مُحِبُّون.
فهذا الباب الذي وجبت به إمامة كل إمام(3)، على جميع من تقدم من أهل الإسلام، وبه تجب إمامة من بقي من أئمة الهدى، إلى آخر أيام الدنيا، ولن تجب إمامة إمام أبداً بغير ما ذكرنا، ولن يوجد سَببٌ يثبت لأحد سوى ما شرحنا.
__________
(1) في (أ، ج): وللشهرة.
(2) في (ب): من فضلك.
(3) في (ب): الإمامة لكل إمام.(3/17)


والحمد لله(1) كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
****
جواب مسائل لابنه المرتضى (ع)
m
[معنى حديث: ما كان على أهل هذا الجدي.. إلخ]
قال الإمام المرتضى لدين اللّه محمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليهما:
سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنَّه مرَّ بجدي ميّت مطروح على كِبَا (2)، فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذا الجدي لو انتفعوا بجلده )).
قال الهادي إلى الحق أعزه الله: لم يرد النبي عليه السلام الانتفاع بجلده بعد موته، ولكنه صلى الله عليه أراد: ما كان عليهم ـ إذ لم يكن فيه لحم يذبح ويذكى له ومن أجله، لما كان فيه من الهزال(3) والهلاك ـ لو ذبحوه، فحل(4) لهم بذبحه الانتفاع بجلده؛ (فانتفعوا بجلده)(5) إذ لم يكن في لحمه منفعة.
فهذا يا بني معنى قوله صلى الله عليه، لا ما ذهب إليه الجهال، ونسب إليه العماة الضُلاَّل.
واعلم يا بني أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له معان وأبواب؛ تحتاج إلى تفسير عالم فهم(6) باللغة، كما يحتاج القرآن إلى التفسير.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض الحبر السمين]
__________
(1) في (أ): تم والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ب): كناسة، وهي معنى الكبا.
(3) في (ب): الهوان.
(4) في (ب): يحل.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ج): فهيم. وماهنا أثبته في الهامش.(3/18)


من ذلك قوله: (( إن الله يبغض الحبرَ السمين )) فتوهم من لا فهم له أن معناه: البَدِن الشَّحِم؛ فذموا بذلك كل عالم سمين، وكان صلى الله عليه وآله قد بلغ من الشحم والسِّمَن غاية، حتى كان قد جعل في محرابه بالمدينة عوداً هو اليوم في المحراب، وكان إذا نهض بعد السجود أخذ به؛ حتى ينهض من ثقل بدنه(1)، وكان صلى الله عليه يتنفل بعض نوافله قاعداً لثقل بدنه، وهو صلى الله عليه حبر الأحبار(2) وأفضلها.
وإنما أراد بقوله: (( إن الله يبغض الحبر السمين ))؛ يعني الذي قد سمن من أكل الرُّشا والحرام.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض البيت اللحم]
وكذلك رُوي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( إن الله يبغض البيت اللَّحِم ))؛ فتأوّل ذلك من لا فهم له أنَّه: البيت الذي يؤكل فيه اللحم كل يوم دائماً. وهذا باطل من التأويل، كيف يقول ذلك في اللحم؛ وهو يفضله ويقول: (( خير(3) إدامكم اللحم ))، وكان يشتهيه ويأكله إذا وجده؟!
__________
(1) في (ب): بعد السجود يعتمد به حتى ينهض.
(2) في (أ، ج): أحبر الأحبار.
(3) في (أ، ج): أفضل.(3/19)


وإنما أراد بقوله ذلك: البيت الذي يُؤْكَلُ المسلمون فيه، معنى يؤكل فيه: يُوقَع فيهم، ويُطعن عليهم، ويُؤذون فيه. ألاَ تسمع كيف يقول الله سبحانه: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]؟ وقد رُوى عنه صلى الله عليه أنَّه لما رجم ماعز بن مالك الأسلمي حين أقر بالزنا؛ فسمع عند منصرفه الزبير(1) يقول لطلحة(2): انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يستر على نفسه حتى رجم مرجَم الكلب. فسكت عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله حتى مر بجيفة حمار شاغرٍ بِرجْليه؛ فقال لهما: (( انزلا فأصيبا من هذا الحمار ))، فقالا: نعيذك يا رسول الله، أنأكل الميتة؟ فقال لهما: لما أصبتما من أخيكما آنفاً أكبر مما تصيبان من هذا الحمار، إنَّه الآن ليتقمص(3) في أنهار الجنة.
وغير ما ذكرناه عنه في هذا المعنى فكثير غير قليل، ومعروف غير مجهول، ولله الحمد، نجتز(4) بقليله عن التطويل بذكر كثيره والسلام.
[معنى قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا..} الآية]
__________
(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد اللّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهورين، من شجعان الصحابة وأبطالهم، أبلي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلاء حسناً، نكث مع طلحة على الإمام علي عليه السلام بعد البيعة على الأصح، فكانت وقعة الجمل الشهيرة، قتل بعد منصرفه منها سنة (36 هـ).
(2) هو طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، شجاع باسل، أبلى بلاء حسناً مع السرول صلى اللّه عليه وآله، لكنه نكث بيعة الإمام علي، قتل يوم الجمل سنة (36 هـ)، وله (63 سنة).
(3) كذا في النسخ، ولعلها: ليتغمص.
(4) في (أ،ج): يُجْتَزَى.(3/20)

204 / 209
ع
En
A+
A-