فلهذا المعنى قسمنا الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون، وحبسناها عند ما يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون؛ نظراً منا للرعية، واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه النصيحة لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من الأموال(1) في بلاده، فصرفناها في إصلاح الدين والمسلمين، ورددناها على الأصناف من المسلمين حيناً (2)؛ اجتهاداً لله في النصيحة، وتأدية منا إليه ما حملنا من الأمانة؛ إذ كُنَّا عن ذلك مسؤلين، وبإحسان النظر للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح البلاد مَنْهِيِّين.
وسأضرب لك ـ إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا ـ قولاً ومثلاً، يبين لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيباً في قوله، ولا كل منتحل للعلم عالماً(3) بكل ما يحتاج إليه، {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثَمُ أثِيمٍ:
__________
(1) في (أ، ج): من أموال بلاده.
(2) في (ب): حيثما كانوا.
(3) في (أ): عالم لكل. كذا(3/11)


ما يقول وما يذهب إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول(1): في رجل متول لأمورِ أَيتامٍ تحت يده، مسكنة صغار؛ من ضَعَفَةٍ لهم أرض بعضها أعنابٌ، وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً؛ ثم حدث في العنب والحرث حدث من سيل؛ فأخرب الحرث، أو نارٍ أحرقت العنب وخشبه، أكان الواجب عندك في دين اللّه وفرضه، وما حكم على ولي اليتامى من حكمه؛ أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمر قبل خراب الحرث والعنب، وينفقه ويرده عليه؛ ولو مدوا أيديهم لطلب الصدقة، وبَدَتْ منهم في تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح عنبهم إذا رد فيه ما احترق من خشبه، وتصلح أرضهم إذا عمرت؛ فتغل(2) أرضهم وعنبهم في كل سنة من بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم إذا رجعت غلتهم، ويكمل حُسن حالهم بصلاح أموالهم؟ أم يترك أرضهم وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدة يباباً(3)، وينفق الغلة التي أنفقها في صلاح ما لهم عليهم؛ فيأكلونها سَنَتَهم، ويهلكون في طول عمرهم؛ إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة وتخرب أموالهم، فقد قلت قولاً شططاً، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً؛ إذ لم تحسن لهؤلاء الأيتام نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه؛ فقد باء عند الله بعبء آثامه(4)، وشهد عليه جميع الرجال؛ بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويُحْيي أموالهم؛ بهذه الغلة اليسيرة؛ ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة، الدائمة الكافية الغزيرة؛ فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يُصَوبك فيه الجهلاء، فضلاً عن أهل العقول من العلماء.
فإذا قلت بذلك من الحق، وتكلمت فيه بقول الصدق؛ فكذلك فقل في فعلنا في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (أ، ج): فيعمل. وظنن في ج بما أثبت من (ب).
(3) الأرض اليباب الأرض الخراب.
(4) في (أ): من الله بعبء آثامه.(3/12)


ألا ترى أنا لو قسمنا هذه الزكاة على أهلها، في وقت الحاجة حاجة الإسلام والمجاهدين إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها، فافترقوا عنا، وانتزحوا من قربنا؛ فوقع الضعف على الإسلام والمسلمين؛ لِمَا وقع من الخصاصة بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال من المضلين؛ ففسد أمر الرعية، واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع عليهم، وكثر الجياع، واختلفت أمورهم، وساءت أحوالهم، وشح بالمعروف أغنياؤهم؛ فهلك لذلك فقراؤهم،، وخافت سُبُلهم، وخربت أموالهم، وظهر عليهم أعداؤهم؟
وإن نحن رددنا زكاة الأمصار؛ على المجاهدين والأنصار؛ دون أهلها من هذه الأصناف المذكورة، ووقت(1) ما تنزل بالمجاهدين الحاجة والضرورة؛ قوي الحق، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سُبلهم، وحسنت حالهم، وزال ضرهم.
فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سِيَّان، في القول والمعنى اثنان، والحمد لله على الحق والإستواء. فأفكر فيما ذكرت لك بِلُبِّك، وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبن لك في ذلك الصواب، ويَزُلْ(2) عنك فيه الشك والارتياب.
[طريق الإمامة وصفات الأئمة]
وسالت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقلت: بم تثبت له؟ أبعقد الناس وإجماعهم عليه؟ أم برواية رويت عن الرسول فيه؟ أم بغير ذلك؟
واعلم هداك اللّه بأن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد بريَّة، ولا برواية مروية. ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه، وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه، من جميع خلقه، وأهل دينه وحقه.
__________
(1) كذا ولعلها وقت.
(2) في (ب، ج): ويزول، وما هنا في هامش ج نخ.(3/13)


وذلك قول الله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] وأولوا(1) الأمر الذين أمروا بالكينونة معهم؛ فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون لها، والمستحقون لفرضها.
وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة؛ من ولادة الرسول، والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، مَنْ كَشَف رأسه، وسَلَّ سيفه، ونشر رايته، ودعى إلى الحق وعمل به، وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، مَعَهُ عَلَمُه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض(2) الكتاب، ولدقائق غيره من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها سواه.
__________
(1) في (ب): وأولي، وهي على الحكاية.
(2) في (أ) لغامض دقائق.(3/14)


فمن كان في الصفة كما ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا؛ فهو الإمام الذي عقد الله له الإمامة، وحكم له على الخلق(1) بالطاعة، فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله فيما أمر به واتَّقَى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه وأساء، واستوجب(2) على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في الهوان المقيم، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيْهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[السجدة: 18 ـ 20].
[المعنى الذي تجب به الإمامة والطاعة ويجوز جهاد المخالف]
وسالت(3) يا أبا عبد الله حفظك الله، ووفر في الخيرات حَظَّك؛ عن المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من أَبْدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة، حتى حكمنا بالهلكة على المتجانفين(4) عن دعوتنا، وبالنجاة للمسلِّمين لأمرنا، الساعين في طاعتنا، حتى سمينا من قتله الظالمون منَّا شهيدا، وحكمنا له بالوعد الذي وعد الله الشهداء، وسمينا من قتلْنا نحن من الظلمة كافراً متعدياً، وحكمنا عليه باستحقاق الوعيد من الله العلي الأعلى.
__________
(1) في (ب): على الحق.
(2) في (ب): واستحق.
(3) في (أ، ج): مسألة أجاب عنها أيضاً عليه السلام في الإمامة، وهي آخر مسائل الحسين بن عبد اللّه الطبري: بسم اللّه الرحمن الرحيم سألت..الخ.
(4) في (ب): المجانفين. وفي (ج): المخالفين.(3/15)

203 / 209
ع
En
A+
A-