أو صبروا فهلكوا وماتوا جمعياً معاً، ضراً وحرناً وجوعاً،، فهلك بهلكتهم الإسلام، واجتيح(1) بعدهم الأنام، وكان في ذلك كله آثماً، وللمجاهدين في الله وعلى دينه ظالماً.
فافهم هداك الله ما به قلنا، وفي ذلك احتججنا؛ فإن الحجج في ذلك تكثر لو بها نطقنا(2)، ويسير ذلك يغني عند أهل العقل عن كثيره، ويُجتزى عن الكثير فيه بيسيره.
[العشر: هل يجوز لآل رسول الله؟]
وسالت عن العشر (فقلت)(3): هل يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه وعلىآله؟
والقول في ذلك: أنَّه لا يجوز لهم أكله، ولا استحلاله، ولا الإنتفاع بشيء منه، إلاَّ أن يشترى بأغلى الثمن وأوفاه، فيكون حاله كحال غيره من أموال المسلمين التي يحرم على المسلمين استحلالها وأكلها، وتحل لهم إذا اشتروها بالأثمان.
وكذلك يجوز للأئمة أن يشتروا الأعشار من جُبَاتِها وعُمالها بأغلى ما تباع في أسواقهم، وتحتاط في ذلك على أنفسها لهم. وكذلك في الأعلافِ من التبنان والقصبان(4)، لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ بثمن فوق ما يباع في السوق، يحاسِبون على ذلك العمال، ويوفونهم الأثمان في كلّ حال.
فعلى هذا تجوز الأعشار للأئمة ولجميع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتروها شراءً قاطعاً، كما يجوز لهم أكل مال اليتيم إذا اشتروه بشراءٍ منقطع.
فأما أن يأكله أحد من أهل بيت رسول الله لا يؤدي له ثمناً، ويعتقده حلالاً؛ فمن فعل ذلك فهو على غير دين الإسلام، وعلى غير شرائع دين محمد عليه السلام.
__________
(1) في (أ، ج): وأجيح.
(2) في (ب): يكثر كونها ويسير ذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) يعني التبن والقصب.(3/6)


بل قولنا إنَّا نتبرأ(1) إلى الله ممن استحل العشر من آل رسول الله، وقال: إنَّه حلال له من غير آل رسول الله. بل لو أن رجلاً من آل رسول الله ألجئ إلى أكل العشور استحلالاً أو إلى أكل الميتة إذا كان مضطراً؛ لرأينا له أن يأكل الميتة قبل أن يستحل ويستبيح شيئاً من العشور(2).
ثم أقول: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده لو اضطررت إلى أن آكل جفنة مملؤة خبزاً ولحماً من العشر وأنا له مستحل مستبيح، لم أشتره بثمني، أو أدفع فيه نقدي؛ أو أن آكل من الميتة ما يمسك نفسي، ويدفع عن هلكتي؛ لأكلت من الميتة قبل أن آكل من لحم العُشُر وخبزه؛ لأن الله سبحانه قد أطلق لي أكل الميتة عند الضرورة وخوف الهلكة، ولم يطلق لي استباحة العشر ولا استحلاله في حالةٍ مَّا. فأما إذا اشتريت العُشُر شراءً صحيحاً ثابتاً، ودفعت فيه مالي ونقدي، حل لي، وطاب أكله بشرائي له، كما يحل لي مال اليتيم إذا اشتريته، ومال المسلم إذا ابتعته.
فافهم هذه الخلة التي يجوز فيها الأعشار لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحالة التي لا يجوز لهم أكلها، ولا الانتفاع بشيء منها.
وقد يجوز له بحالة أخرى، وهو أن يأخذ منها بعضُ أهلها المستحقين لها من سائر المسلمين شيئاً فيهدون بعضه إلى آل رسول الله صلى الله عليه وآله، ويدعونهم إلى طعام من أعشار الصدقة فيجيبونهم، فيجوز لهم أكله، إذا أجازه لهم أهله، فيكون أخذ المسلمين له باستحقاق ووجوب، ويكون قبول آل رسول الله صلى الله عليه له منهم ـ أن أهدوه(3) إليهم ـ قبولاً لهدية إخوانهم المسلمين، مما أطعمهم إياه وأجازه لهم رب العالمين.
فقد حل لهم بهذا المعنى وفي هذا الوجه، حين خرج من معنى الصدقة، وصار من أخيهم المسلم ـ الذي قد ملكه ـ إليهم هدية.
__________
(1) في (ب): تبرأنا.
(2) في (أ، ج): من العشر.
(3) في (ب): أن أخذوه.(3/7)


وفي ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله: أنه دخل على عائشة، فوجد عندها تمراً، فقال: (( من أين لكم هذا؟ قالت يا رسول الله صدقة تُصُدق بها على برّيرة(1)، فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية، فقدمته بريرة إليه فأكل منه )) .
فعلى هذا الباب قولنا به في هدايا المسلمين، إلى آل رسول رب العالمين، مما جعله الله للمسلمين حلالا من صدقات إخوانهم المؤمنين.
فافهم هديت ما عنه سألت، وقف على هذه الوجوه فقد أكملت لك فيها كل ما طلبت، مما يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه من صدقات المسلمين، وأوساخ أيدي المتصدقين، وأعلمتك بأي سبب يحل لهم، وفسرت لك متى يجوز لهم به أكلها، والمعنى الذي يدخل في ذلك حتى يحل لهم من بعده.
[تصرف الأئمة في قسمة الأعشار وغيرها إعطاء ومنعاً]
وسالت عن المعنى الذي يجوز لهم(2) به قسم الزكاة على أصنافها، وتسليم ربعها إلى الفقراء والمساكين، وقلت: كيف كنت في أول الأمر تقسم ذلك على أهله، وأنت اليوم ربما قسمت، وربما لم تقسم، وربما أعطيت، وربما لم تعط ؟ فقد تكلم بعض من تكلم، ورأيتهم ينكرون عليك في بعض الأوقات إذا لم تقسم.
وقد سألتَ فافهم (3)، وإذا فهمت فاعلم، أن من لم يعرف شيئاً أنكره، ومن لم يعرف حقيقة أمر عَظَّمه.
أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أن أتاه مال من البحرين، يقال: إنَّه ثمانون ألف أوقيّة من أعشار البحرين ومن جزية ذمتها، ومن صواف كثيرة كانت بها؛ فقسم الثمانين ألفاً(4) في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء؟ وذلك أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت، من القسم على السهام الثمانية.
__________
(1) في (أ): برّيرة: مولاة عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد.
(2) في (ب): لايجوز به قسم.
(3) في (أ): وسألت عن ذلك فافهم.
(4) في (أ): الثمانين الف.(3/8)


وكذلك فعل في غنائم حنين(1)، وهب للمؤلفة قلوبهم من خمسين بعيراً إلى مائة بعير إلى مائتين إلى ثلثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في ذلك الوقت؛ حتى تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد بلغك، وذلك فلم يفعله صلى الله عليه إلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى رأيه في الغنائم، ولم يقسمها على أهلها، نظراً منه عليه السلام؛ للمسلمين والإسلام.
وكذلك كان فعلنا في العشر، نقسمه مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك الإصلاح للإسلام إذا رأيناه، وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار، قسمناها على أصنافها، أو من وجدنا منهم. وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها؛ آثرناهم بها على أهلها، نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل الأمور عليهم.
__________
(1) في (أ): خيبر. وما هنا أثبته من نخ.(3/9)


وذلك أن الدار لا تصلح إلاَّ بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال، ولا تقوم ولا تجتمع إلاَّ بالأموال. فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن فيه ليس فيه شيء غير هذه الأعشار، وإن نحن ـ عند حاجة المهاجرين والأنصار إلى القوت، وما به تدفع الهلكة والموت، من دفع هذه الأعشار التافهة إليهم، وردها دون الأصناف عليهم ـ دفعناها إلى المساكين، وغيرهم من الأصناف المذكورين؛ هلكت الجنود المجندة، وتبددت الجماعة المجتمعة، وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت البليَّة، وعظمت المصيبة، وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح أحد من العباد، وعلا الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت البلاد، وشمل البلاء، وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء، وشحَّ الأغنياء، ومات الفقراء، ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا أنا إن آثرنا بها من به قوام الدار، من أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار، استوسقت السبل(1) وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر التجار، وعمرت الديار(2)، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت الرعيّة، وحسن حال البرية، فعاش بينها(3) أهل الصدقة من هؤلاء الأصناف المذكورين، وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء والمساكين؛ في دار الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من فضلهم، وحسنت بصلاح دارهم حالهم(4)، واستقامت لِعِزّ الإمام أمورهم.
__________
(1) في (ب): السبيل.
(2) في (أ): البلاد.
(3) في (ب): منها.
(4) في (أ): لصلاح حالهم، كذا. وما أثبت أولى.(3/10)

202 / 209
ع
En
A+
A-