قال يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ذكرت حاطك الله وحفظك، ووفقك وسددك، أنَّه بلغكم وتناهى إلى بلدكم اسباب من فعلنا، وأمور من سيرتنا، التبس فيها على كثير من الناس الصواب، ولم يحضرك في كثير منها الجواب، فشنع من لا يفهمها، وأنكر علينا فيها من لا يعرفها، واستعجل بالظن السيء من لا يفقهها، حتى نسب صوابها إلى الخطأ، ونَيِّر حقها إلى العدا، فحشاً من قوله، وظلماً في حكمه، وبغياً في أمره، واستعجالاً بالسيئة قبل الحسنة، وبقول الخطأ قبل المعرفة، كأن لم يسمع الله سبحانه فيما يعيب على من فعل مثل هذا الفعال، وقال بالظن كما قال صاحب هذا المقال: {لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ}[النمل: 46]، فنعوذ بالله لنا ولك ولكل مؤمن من ذلك، ونستجير به من أن نكون كذلك.
وسنفسر لك إن شاء الله ما جهل فيه من جهل فعلنا، ونشرح لك من ذلك ما لم يقف عليه الطاعن في سيرتنا، حتى يصح لك ولهم في ذلك الصدق، ويتبين لك ولهم أن فعلنا هو الحق.(2/496)


فما مثلنا ومثلهم، وخبرنا وخبرهم؛ فيما علمناه وجهلوه، وعرفنا مفاصل صوابه وعميوه، إلاَّ كمثل موسى وصاحبه صلى الله عليهما؛ العالم الذي اتبعه موسى على أن يعلمه مما علمه الله رشداً، فأعلمه أنَّه لا يستطيع معه صبراً؛ إذ ليس يعلم كعلمه، ولا يقف على ما يرى من فعله. فأخبره أنَّه لا يصبر إذا رأى منه شيئاً مما لا يعرفه؛ حتى يسأله ويبحثه، ويدخله الشك في فعله؛ فقال له موسى: {سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أَمْراً}[الكهف: 69]، ثم لم يصبر لما رأى ما ينكره قلبه، حتى عاتبه فيه وسأله عنه. فكان أول ما أنكر عليه موسى عليه السلام خرق السفينة، فعظم ذلك في صدر موسى فقال له ما قال، فقال له العالم: {أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً}، فقال له موسى: {لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً} فغفرها له، و{انْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ}؛ قال له موسى: {أَقَتَلْتَ نَفْساً زَاكِيَةً بِغَيرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيَعَ مَعِي صَبْراً قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْراً فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عَلَيهِ أَجْراً} يريد بهذا منه(1) ـ إذ هو خائف لا يؤمن سُقوطه ـ: تَأَجَّرت (2) في ذلك، فقال العالم لموسى: {هَذَا فِرَاقُ بَينِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيهِ صَبْراً}[الكهف: 72 ـ 78] ثم أخبره بمعاني أفعاله، وصوابه في أعماله، التي كانت عند موسى منكرة
__________
(1) في هامش (ج): انهدامه.
(2) في (أ): فأجرت.(2/497)


عظيمة، فاحشة كبيرة، وهي عند الله وعند العالم صواب، وعند موسى صلى الله عليه خطأ وارتياب، إذ لم يعلم وجه أمرها، ولم يقف على كنه خبرها، فيتضح له نيِّر صوابها، كما وضح لفاعلها؛ فقال فاعلها لموسى: {أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي البَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْباً} إلى قوله: {مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً}[الكهف: 79 ـ 82].
وكذلك حال الإمام فيما شرحت وحال ما ذكرت ممن أنكر فعل الإمام؛ إذ لم يكن علمه كعلمه(1)، ولا حاله في المعرفة بالنازلات كحاله. وكيف يستوي المتفاوتان، أو يأتزن الرطل والرطلان، لا كيف؟! وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لاَ يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ}[الزمر: 9]، ويقول سبحانه: {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ويقول: {وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ العَالِمُونَ} [العنكبوت: 43]، ويقول سبحانه: {أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُوا الأَلْبَابِ}[الرعد: 19] ويقول سبحانه: {وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلاَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاَتَّبَعْتُمُ الشَّيطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً}[النساء: 83].
__________
(1) في (ب): عمله كعمله.(2/498)


ومن لم يعرف ـ يرحمك الله ـ أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء دفعه، ولوحسن يقين من أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه، غير أن وسواس الشيطان، يتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان. والشك والريب فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الواحد الرحمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15]؟ فلم يحكم بحقائق الإيمان؛ إلاَّ لمن بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان. فنسأل الله الثبات على دينه، والتوفيق لما يرضيه برحمته.
[الزيادة على الحد للتأديب]
ذكرت ضَرْبَنَا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه؛ فقلت: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم أكرمك الله أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى مما ترجوا به الصلاح للرعية.
وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين وأربعين وعشرين؛ فهم قوم قد با يعوا على الحق، وأعطونا عقودهم(1) على الصدق، وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله.
فكان أقل(2) ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها باسم ربه؛ أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه؛ أَدَبٌ لما اجترأ به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر والفسق.
__________
(1) في أ: عهودهم.
(2) في ب، ج: أول.(2/499)


فهذا سبب أدبنا لمن نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في دين الله؛ أن يفعله بمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله. ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]؟ أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو ينقض لله عقداً. وما نهى الله عنه، ومنع عباده منه؛ فلا بد لكل من اجترأ عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى، ولا سبب.
فهذا حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك جوابه(1)، ويزول عنك شكه وارتيابه.
وكذلك ما ذكرت، وعنه سألت؛ من خرص النخل وحزرها(2)، وهذا أمر(3) لا ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها ـ إلاَّ أن يكون الشاذ الضعيف العلم منها ـ مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه خرص وحزر ثمار المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة الأنصاري (4) فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم بما حزر فيها.
__________
(1) في أ، ج: صوابه.
(2) الخرص والحزر: التقدير.
(3) في (أ): وهذا الأمر.
(4) هو عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدراً، وكان ثالث الأمراء في غزوة مؤتة، وبها استشهد في جمادى الأولى سنة ثمان.(2/500)

200 / 209
ع
En
A+
A-