وذلك أن بني تغلب عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأنفوا حين أخذ رسول الله صلى الله عليه الجزية من جميع أهل الذمة؛ فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه أن يأخذ منهم ـ كما يأخذ من العرب ـ العشر، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن العشر لا يكون إلاَّ صدقة، وأن الصدقة لا تؤخذ إلاَّ من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ منهم ضعفي ما يؤخذ من المسلمين على طريق الصلح؛ لسلامة أنفسهم، ونجاة رقابهم، لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون أولادهم من بعدهم مسلمين، فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة شاتين، وفي كل ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل خمس(1) شاتين، وفيما يكال (ويوزن)(2) الخمس مما يسقى سيحاً أو بماء السماء، أو العشر فيما سقي من السواني والدوالي والخطَّارات، وفي النقد من الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقال، وفي (الدراهم في)(3) مأتي درهم من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة، وأضعف(4) عليهم ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة، وشرط عليهم أن لا يدخلوا أولادهم في شيء من اليهودية والنصرانية، وعلى ذلك أعطوا العهد.
__________
(1) في (ج): في خمس.
(2) ليس في (أ) و (ج).
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): أضعف، والمعنى أخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين.(2/491)


فواجب علىأهل الحق إذا أعلى الله كلمتهم، أن تُسبى نساؤهم، وتقتل رجالهم وتؤخذ أموالهم، إلاَّ أن يدخلوا في الإسلام كلهم فيرى رأيه(1)؛ لان القوم(2) الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنامن الحكم عليهم. غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر، وعطلت الأحكام، ودَرَس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله في ذلك المفزع والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الأعلى.
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] فغيرهم أولى بهذه الآية منهم، من هو أقرب إلى الإسلام، وأَضّرَّ على دين محمد عليه السلام، من أولئك الكفرة الطغام.
__________
(1) أي الإمام.
(2) في (أ): لأن العرب.(2/492)


و{الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} فهم: الذين بينكم ومعكم ممن يدعي الإسلام، وهو كافر بالله ذي الجلال والإكرم، كاذب فيما يدعيه، ثابت من الكفر فيما هو عليه،(1) من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين، الذين قتلوا الدين، وخالفوا رب العالمين وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وانتهكوا محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا(2)عن نهيه، وحاربوه في آناء الليل وأطراف النهار، فراعِنَة ملاعين، جوَرَةٌ متكبرون(3) لا يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين الله، قد قتلوا الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين، واستأثروا عليهم بأموالهم، فمات الخلق(4) هَزَلاً في دولتهم، لا في أمور المسلمين ينظرون، ولا إلى الله يرغبون(5)، ولا عذابه يخافون، ولا ثوابه يرجون، معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف والطنابير(6)، هممهم(7) هِمَمُ بهائمهم ما واروه في بطونهم، أو باشروه بفروجهم، أو لبسوه(8) على ظهورهم؛ بغيتهم إذلال الحق والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة(9) رب العالمين، فهؤلاء يرحمك الله ومثلهم، وأعوانهم وخدمهم، وأصحابهم وشكلهم؛ أولى بالمجاهدة والقتال؛ من نصارى بني تغلب الأنذال؛ لأن هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى، ومن كان كذلك من العباد؛ فهو أولى بالجهاد لضرره على المسلمين والعباد.
فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.
[المعراج في اليقظة أو المنام]
وسالت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه إلى السماء.
فقلت: أكان نائماً، أو يقظاناً؟
__________
(1) في (ب): في الكفر مما هو عليه.
(2) في (أ): ولم يأمروا.. ولم ينهوا.
(3) في (ب): متكبرين.
(4) في (أ): فمات الحق.
(5) في (أ): يرتجون.
(6) الطنبور: من آلات اللهو، معرب.
(7) في (ج): همتهم.
(8) في (أ): ولبسوه.
(9) في (أ): مكابرة.(2/493)


وإذا صح ذلك وثبت فلا يكون نائماً أبداً، ولا يكون إلاَّ يقظاناً فهماً؛ لأنَّه إن كان كذلك فإنما أراد الله بإرقائه إلى السماء التعبير له والكرامة، وليُريه من عجائب خلقه، وعظيم فعله، ما حجبه عن غيره، ولم يكرم به سواه.
فإذا كان نائماً في ذلك كله؛ فلم ينتفع بشيء مما صعد إلى السماء له، ولم ير شيئاً مما ينتفع به؛ فلذلك استحال أن يكون نائماً كما قال من جهل.
[معنى: فكان قاب قوسين]
وسالت عن قول الله سبحانه: {فَكَانَ قَابَ قَوْسَينِ أَوْ أَدْنَى} [النجم: 9].
الجواب: أن الذي صار قاب قوسين أو أدنى هو جبريل صلى الله عليه، فكان في هذا الموقف قد دنى من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في صورته التي هو عليها مع الملائكة المقربين، حتى كان من الرسول قاب قوسين أو أدنى.
ومعنى {قَابَ قَوْسَينِ} فهو: مقياس رميتين بالقوس في الهواء، فدنى منه صلى الله عليهما حتى كان في الموضع الذي ذكره الله تبارك وتعالى فيه؛ {فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى}[النجم: 10] مما أرسله الله به من الأشياء.
فهذا تفسير ما عنه سألت من قوله: {قَابَ قَوسَينِ أَوْ أَدْنَى}.
[ما يجزي الأعجمي من المعرفة]
وسالت عن عجمي لا يحسن إلاَّ سورة أو سورتين من القرآن (فقلت)(1): هل يجزيه(2) إذا عرف أصل التوحيد؟
فلعمري إن ذلك مجزِ كاف؛ إذا أقام بالسورتين أو الثلاث ما أمره الله به من الصلاة بحدودها، وأدَّى ما أوجب الله من ركوعها وسجودها، وكان في ذلك موحداً لربه، عارفاً مع ذلك لعدله، مصدقاً لوعده ووعيده، عارفاً بالحق وأهله، تاركاً لمعاصي ربه، مؤدياً لفرائض إلهه؛ فإذا كان(3) كذلك فهو من المسلمين، وعند الله إن شاء الله من الناجين، ولم يضره عجمة لسانه، إذا أقام له قلبُه دعائم أديانه.
[ما يجزي المرأة من المعرفة]
__________
(1) في (أ): من عجمي.
(2) في (أ): هل يجوز.
(3) في (ب): كان ذلك كذلك.(2/494)


وسالت عن النساء إذا عرفن الله وأدين الفرض؛ فقلت: هل يجزيهن ذلك عن تعليم(1) القرآن، وفرائض الله الرحمن؟
الجواب في ذلك أنَّه لا بد للنساء والرجال؛ من معرفة ما أوجب الله فرضه من الأعمال، وأوجب على الخلق القيام به من الأفعال، إلاَّ ما طرحه الله عن النساء من الجهاد، والسعي إلى الجمعة، وما أشبه ذلك من الأشياء، وأنه لا يجوز لهن التقصير عن معرفة ما أوجب الله عليهن معرفته، والعمل بما أوجب الله عليهن العمل به.
وعليهن أن يتعلمن ويتفهمن، ولا يجوز لهن أن يتعلقن بالجهل المنهي عنه، ولا يتمادين في شيء منه. تمت المسائل وجوابها، والحمد لله حمداً كثيراً، وصلواته على سيدنا محمد النبي وعلى آله الذين طهرهم من الرجس تطهيراً.
****
جواب مسائل
الحسين بن عبدالله الطبري(2)
m
__________
(1) في (ج): تعلم.
(2) في (ب): الحسن بن عبدالله، ولم أقف له على ترجمة ولاذكر في سيرة الإمام، والطبريون جماعة من طبرستان هاجروا إلى الإمام ووقفوا معه مواقف الأبطال، وثبتوا ثبوت الجبال، وكانوا يده الطيعة التي يصول بها على أعدائه، وساعده في حروبه على المتمردين عليه، مع بصيرة نافذة وإدراك ثاقب.(2/495)

199 / 209
ع
En
A+
A-