وكذلك هو عندنا أنَّه يلهمه الملك الأعلى إلهاماً، فيكون ذلك الالهام من الله إليه وحياً، كما ألهم تبارك وتعالى النحل ما تحتاج إليه، وعرَّفها سبلها حين كان منها في ذلك من بناء شهودها(1)، وتسوية ما تسوي لأولادها، وما تجتنيه(2) من الأشجار مما تعلم أن فيه الشراب الذي ذكر الله أنَّه شفاء، سماه الله سبحانه شفاء للناس، من العسل الذي يخرج من أجوافها، فقال تبارك وتعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتاً وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيْهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}[النحل: 68 ـ 69].
فكما جاز أن يُلهم النحلَ ما تحتاج إليه فتفهمه، حين فهمت الأشجار؛ وميزت الثمار فعرفت ما يخرج منه العسل فقصدته، وعرفت ما لا عسل فيه فتركته، مع عجائب كثيرة من أمرها، ودلائل على أثر الصنع في فعلها، يستدل به من جعل له لبٌ، ويعرف أثر صنع الله فيه من كان له قلبٌ.
فكذلك فعل الله في المَلَكِ يُلهمه ما أراد الهاماً، ويلقيه في فهمه إلقاءً، فيكون فعل الله في ذلك منيراً ساطعاً، عند كل من كان ذا عقل نافع، لا يمتنع من قبوله عقل عاقل، ولا يكون عندكل ذي تمييز بحائل.
فإذا ألهمه الله ما أراد سبحانه، ثبت في قلبه بغاية الثبات، كلما(3) وقع من ربه في الحالات، أثبت وأوضح في قلبه من كلام لوسمعه من غيره؛ لأن هذا الإلهام من الله فعل مفعول في الملهَم، وما كان من فعل الله وإلقائه إلى عبده، فهو أثبت وأوضح من إلقاء مخلوق إلى مخلوق مثله.
__________
(1) كذا في (ج). وفي هامشه: بيوتها.
(2) في (ب) و (ج): وما تحتاج .
(3) كذا في النسخ، والمعنى أن الكلام الملهم أثبت وأوضح من الكلام المسموع.(2/446)
فهذا معنى ما ماعنه سألت من وصول حكم الله ووحيه، إلى المؤدِّي عنه من ملائكته، ما أراد وشاء من فرضه.
فاعمل فكرك في تدبيره، يوصلك ذلك إن شاء الله إلى فهمه، ويوردك إلى ما أردت من علمه.
[كيف يحاسب الله عباده وما معنى الحساب]
وسألت: كيف يحاسب الله العباد يوم القيامة؟ وما معنى الحساب في يوم المعاد؟
والقول في ذلك: أن الله ذا الجلال والإحسان، قد جعل مع كل إنسان؛ ملكين في كل حال، عن اليمين وعن الشمال، يحفظان عليه فعله، ويحصيان عمله، و يكونان شاهدين عليه بكسبه، محصيين مايكون من صنعه، فإذا كان يوم القيامة، ويوم الحسرة(1) والندامة؛ أتى به ملكاه إلى من أمره الله من الملائكة بمحاسبة العباد ـ ومحاسبتهم فتوقيفهم على أفعالهم، وتعريفهم ما كان من أعمالهم ـ ثم شهد(2) حافظاه عليه، ووقَفَّاه على ما كان من أمره، وبكَّتاه بمعاصيه لربه، ووقفَّاه على جرأته على خالقه، فلم يَذَرَا مما تقدم منه شيئاً؛ إلاَّ أو قفاه عليه حرفاً حرفاً.
فهذا معنى محاسبة الرب لعباده.
قال قلت: فما معنى ذلك؛ إذ كان العقاب لا زماً على المعاقبين، والثواب واجباً للمثابين؟!
قيل لك: لأن في تعريف المعاقب ما تقدم من عمله(3) وتوقيفه على ما أتى به من عمله؛ حسرة عليه في يوم الدين أيما حسرة، وفي تحسره جزء عظيم من عذابه. فكان توقيفه سبباً لتحسره وغمه، وكان تحسره وغمه زيادة في عذابه وخزيه.
وكذلك معنى توقيف الله للصالحين على فعلهم، وإعلام حفظتهم لهم بما حفظوا عليهم من عملهم. فكان ذلك سروراً للمؤمنين، وإيقاناً من المتقين بنجاح فعلهم، وحسن موقعه عند ربهم، وبشارة سابقة إليهم من الرحمن، بما أعد لهم من الجزاء والخير والإحسان، وكان ذلك زيادة من الله في ثوابهم، وبشارة سيقت إليهم في يوم معادهم.
فهذا معنى ما عنه سألت من الحساب ومعناه، وما أراد الله بذلك وشاءه.
__________
(1) في (ب): ويوم الحشر.
(2) في (ج): ويشهد.
(3) في (ب): من ذنبه.(2/447)
[ما هو يوم القيامة وما معنى القيامة]
وسألت فقلت: ما يوم القيامة؟ وأي شيء معنى القيامة؟
القول في ذلك: أن يوم القيامة يوم جعله الله تبارك وتعلى وقتاً لحشره، وحينا لبعثه ونشره، أبان فيه وعيده ووعده، وأبان فيه ما حتم به من حكمه، أنصف فيه المظلوم، وأظهر فيه الحق المعلوم، فأوصل وعده إلى أوليائه، ووعيده إلى أعدائه، وأقر كلاً في داره، ليعلم كل (1) صدق قوله، ويرى إنفاذ إرادته {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَونَ إِلاَّ مَاكُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النمل: 89 ـ 90].
فأما معنى تسمية ذلك اليوم (بالقيامة)، فمعنى القيامة هي: قيامة هذه الأشياء التي ذكرنا، وقيامها فهو: ظهورها، وظهورها فهو: كينونتها. من ذلك ما يقول القائل: قد قامت الحرب بينهم، يقول: لقحت وبانت، وظهرت واستقامت(2). ومن ذلك ما تقول العرب(3): قام السوق، تريد استوى وقام أمره، وحظر ما يطلب به فيه ويُبتغى؛ من البيع والشراء.
فهذا معنى ما أحببت علمه من ذكر الحساب والقيامة. وقلت: هل ما ذكر الله من ذلك، وما شرح(4) في يوم المعاد؛ فعل يكون ظاهراً؟ أو هو مثل ضربه الله للعباد؟ (5)؟
ولن يكون ذلك أبداً مثلاً؛ وفيه وعيد الله ووعده، وثوابه لأوليائه، وعقابه لأعدائه، بل أمر لاحقٌ، وبجميع الناس واقع، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلب ينقلبون.
[على من يجب النفير في سبيل الله]
وسألت فقلت: مَن يجب عليه النفير في سبيل الله؟
__________
(1) في (أ) و(ب): كلا.
(2) في (ب): واستفاضت.
(3) في (أ): ما يقول القائل.
(4) في (أ): من يوم.
(5) في (ب): للعبد.(2/448)
واعلم هداك الله أن النفير والهجرة في سبيل الله واجب على كل من عرفه ممن عدم أربعة أشياء، وكان سالماً منها، وهي: العرج والعمى، والمرض والفقر، فمن لم يكن من أهل هذه الأربعة الأشياء فالهجرة عليه والنفير واجبان، والجهاد والقيام لا زمان، لا يفكه عن فرضهما، ولا يزيحه عن واجب أمرهما؛ إلاَّ القيام بهما والأثرة لهما، أو الكفر بمن افترضهما، كما قال الرحمن الرحيم، فيما نزل من الفرقان(1) الكريم؛ حين يقول تبارك وتعالى: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة: 41] ثم قال سبحانه ـ قطعاً منه لحجج المتعللين، واعذاراً وإنذاراً إلى العالمين، وتبييناً لفرضه الأكبر، وإقامة لدينه الأوفر، وحضاً على ما به قوام الإسلام، وصلاح دين محمد عليه السلام ـ : {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ} إلى قوله: {فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ واللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}[التوبة: 24] ، فجعل المتخلفين عن جهاد الظالمين، في الحكم عنده سبحانه من الفاسقين.
وما ذكر به من ذلك أولئك، ومن كان من الخلق كذلك؛ فكثير في القرآن، معلوم عند أهل المعرفة والبيان، يطول شرحه لو شرحناه، ويجزي ما ذكرناه عما تركناه.
__________
(1) في (أ) و (ج): القرآن.(2/449)
وكيف لا يكون من منع الجهاد، وتعلل بالأموال والأولاد(1)، من أشر العباد عند ذي العزة والأياد؛ وقد هتك الدين، وباين رب العالمين، وشرك في دماء المسلمين، وقوى بذلك جميع الفاسقين؟! فكان بخذلانه للدين، وقعوده عن المحقين؛ شريكاً للكافرين، ومعاضداً للفاجرين، إذ كانت ـ بخذلانه ـ نيته وسطوته على المحقين، بتخلف المتخلفين مُظَاهِرَة. فكان محلُّ الخاذل ـ بخذلانه وقعوده عند الله ـ محلَّ المحارب بمحاربته، لا ينفك الخاذل للمؤمنين، من المشاركة للفاسقين، فيما نالوه من المتقين، في حكم أحكم الحاكمين.
فليتق الله ربّه، وليقس بفتره شبره(2)، وليَتْرُك عنه التعلات، وليحذر من الله النقمات، فقد وضح الحق لطالبه، واستنار الرشد لصاحبه. فلا عذر في تخلف المتخلفين، ولا حجة في تأويل المتأولين، ولا بد من النصرة لرب العالمين، أو الكفر بما أنزل على خاتم النبين صلى الله عليه وعلى آله الطيبين وسلم.
[تكليم الله لموسى]
وسألت عن قول الله سبحانه: {وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيماً}[النساء: 164] فقلت: كيف كان الكلام من الله عزَّ وجل لموسى عليه السلام؟ وما معنى قوله: {تَكْلِيماً}؟
واعلم هداك الله أن الله تبارك وتعالى لم يوح إلى أحد من الأنبياء إلاَّ على لسان الملك الكريم جبريل عليه السلام، وكذلك إلى موسى صلى الله عليه، فقد كان منه الإيحاء إليه على لسان جبريل حتى كان في هذا الوقت الذي ذكره الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله، فكان من الله إليه(3) ما ذكره الله سبحانه من الكلام له عليه السلام.
__________
(1) يعني جعلهم له علة وعذراً.
(2) الفِتر: ما بين طرف السبابة والإبهام إذا فتحهما.
(3) في (أ): بما ذكره الله، والمعنى، فكان الإيحاء بما ذكره الله.(2/450)