واعلم أنَّه إنَّما يستخرج ما حسن(1) في القلب من الصدق والكذب عند الإمتحان، وعند فضائح ضمائر الأنفس، فزن ذلك بالعلم والتيقظ في مواطن الإمتحان، وعليك بدوام الإستعانة بالله، وإياه فاسأل العفو عن الذنوب، وبه فتعوذ من الخذلان.
قال في الام المنقول عنها ما لفظه:
تم ما وجد من ذلك والحمدلله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليماً وكان الفراغ من ذلك بعد صلاة العصر يوم الأحد السابع والعشرين من شهر جمادى الأخرى من شهور سنة ثمان وأربعين وستمائه سنة هجريه، وصاحبه وكاتبه يسألان الله المغفرة والرضوان لهما ولمن قرأ فيه وتدبر معانيه وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلامه.
رسائل وكتب
في
مواضيع متفرقة
جواب مسائل أبي القاسم الرازي (2)
m
قال الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم:
[الفرق بين عقل النبي (ص) وعقل أبي جهل]
سألت يا أبا القاسم أكرمك الله بكرامته، وأتم مابك من نعمته، وجعلك ممن اهتدى؛ فزاده نوراً وهدى، فجمع لك بذلك خير الآخرة والدنيا، فقلت: أخبرني عن عقل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله، هل كان مثل عقل أبي جهل؟
الجواب في ذلك: إن كنت تريد بقولك: هل هو مثله، أي هل يعمل عقله إذا استعمله، كعمل غيره فيما جعل له، وركب عليه؟ أو هل يستدرك به، أداء فرض الله الذي افترضه عليه، وينال به بلوغ ما أوجب الله عليه؛ من تمييز الأمور، وفهم واجب الفرائض؟ وهل يستدرك به معرفة الخالق بما يرى من أثر صنعه، وينال به التمييز بين طاعته ومعصيته، فيكون بذلك بالغاً ـ من آداء حجج الله، واستدراك الدليل على الله ـ كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستدرك بأصل حجة عقله، من أداء فرضه؟
__________
(1) كذا، ولعلها ما اجتن في القلب.
(2) لم أقف له على ترجمة ولاذكره في سيرة الإمام الهادي عليه السلام.(2/436)


فكذلك نقول: إن أبا جهل قد كان يستدرك وينال بأقل قليل عقله؛ أكثر مما افترض عليه من دينه، وفوق ما يحتاج إليه من الدلائل(1) على معرفة ربه، فقد كان فيما أعطاه الله من أصل الحجة، وثبَّت فيه من العقل لأداء الفريضة، وفي الاستدلال ـ إن استعمل عقله ـ بالغاً بعقله ما كان يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بما أعطي من مبتدأ حجة العقل؛ من المعرفة بأداء فرض الله، والوقوف على دين الله، الذي لم يرض من العباد إلاَّ بأدائه.
ولولا أنَّه قد ساوى بينهم فيما ينالون به معرفة ما افترضه عليهم، وأداء حججه التي احتج بها عليهم؛ ما كانت تجب له عليهم حجة، ولكن اللّه عز وجل أعطى كلاً ما ينالون به أداء حججه، فساوى بينهم في إقامة الحجة عليهم، وإثبات البراهين في صدورهم، بما يبلغون به فرضه، وينالون به معرفته.
فإن كنت أردت هذا المعنى؛ فقد ساوى الله بين الخلق كلهم فيما يكون به بلوغ حجته، وتمام منته، ونهاية أداء فرضه؛ من العقول المركبة في صدورهم، الثابتة في قلوبهم، وأثبت بذلك عليهم كلهم حجته؛ لأن العقول المركبة فيهم ـ من هذه الحجج اللازمة لهم ـ من فعل الله لا من فعلهم، ومن صنع الله عزَّ وجل لا من صنعهم، وتدبيره جل جلاله لا من تدبيرهم.
فمبتدأ ما أعطاهم الله من حججه منه لا منهم.
فلما أن صح أن هذه العقول المركبة في الخلق فعل الله؛ كان فعل الله في ذلك مشتبهاً، وكان تدبيره في إثبات الحجج عليهم متساوياً، فاشتبهت وتساوت حجج الله على خلقه، التي ركبها في صدور عباده؛ بعدله فيهم، وإحسانه إليهم في مبتدأ أمرهم، كما استوت عليهم فروضه، ووجبت عليهم شرائعه، ولزمتهم بها عبادته.
__________
(1) في (ب): الدلالة.(2/437)


فكان أصول ما أعطاهم من حججه فيهم سواء، كماكانت فروضه عليهم كلهم سواء، فتساوى المعنيان من الله في ذلك: معنى الفرض، والمعنى الذي يُنَال به الفرض، فكانت فرائض الله على عباده كلهم سواء، وجاء ما تعبدهم به منها سواء على المساواة والإستواء. وكذلك جاءت أصول ما أعطاهم الله من حجة العقل التي ينالون بها أداء هذه الفرائض(1) على قياس ذلك سواء، فاستوت المفروضات عليهم، والحجة التي ينالون أداءها بها فيهم.
فساوى الله سبحانه بينهم؛ في إثبات الحجة عليهم، وإكمال البراهين فيهم، وإيجاد السبيل لكلهم إلى أداء فرضه، وبلوغ طاعته، فكان ما أعطوا من أصل حجة العقل في ذلك بينهم سواء، كما كان الفرض عليهم كلهم سواء.
ثم فضل الله تبارك وتعالى من شاء بعد المساواة بينهم والاكتفاء بما يشاء بعد ذلك من الأشياء، فلم يكن لعباد الله حجة على الله، كما لم يكن لهم حجة فيا خلق وجعل، وفطر من الأشياء وفعل من جَعْلِهِ لبعضهم أهل جمال وهيئة، وجلد وهيبة، وجعل بعضهم أهل لطافة وذمامة، وأهل قلة وسماجة.
فمن تكلم فيما فضل الله به بعض الخلق على بعض في زيادات العقل، وجب عليه أن يجيب فيما فضل الله به بعضهم على بعض فيما ذكرنا من زيادة الخلق، في حسن الألوان، وعظم الأبدان، والكمال والبيان، لا يجد من ذلك بداً؛ لأن المعنى فيهما واحد مؤتلف، متساو غير مختلف. وليس في ذلك للخلق على الله حجة، ولا يلحق به سبحانه لمتعنت تجوير ولا ظلم، ولايثبت به عليه حيف ولا غشم؛ لأنَّه حكيم يُمضي ما كان فيه الحكمة على كره من كرهه(2)، وإرادة من أراده؛ لأن الحكمة هي رأس الحق وأصله، والحق فلا يتبع أهواء العباد، ولو اتبعه لفسدت البلاد والعباد، كما قال ذو العزة والأياد، حين يقول: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ}[المؤمنون: 71].
__________
(1) في (ب): الفروض.
(2) في (ج): من كره وإرادة من أراد.(2/438)


فإن قال قائل: وما في التفاوت بين خلقه في الخلق والأجسام والألوان من الحكمة؟
قيل له: في ذلك أحكم الحكمة؛ لما فيه من الدليل على صانعه، والشهادة على جاعله، والنطق بوحدانية فاعله، وحكمة مدبره؛ لأنَّه لما أن تصرفت خلقهم، واختلفت ألوانهم، وتباينت صورهم، دل ذلك من حالهم على جاعلهم، وشهدت بذلك حالهم على وحدانية فاعلهم، وبعده من شبههم، واقتداره على فطرهم، ونفاذ إرادته في تأليفهم. فصح له بذلك عند خلقه القدرة، وثبتت له الوحدانية، وصحت له دون غيره الربوبية.
فهذا باب الحكمة وتفسيرها، وشرح أمرها وتثبيتها؛ في ظهور ما أظهر الحكيم من خلقه، وتفضيل ما فضل في الألوان والأجسام، وما له كانت الأمور من الله سبحانه كذلك، وأتى تدبيره جل جلاله على ذلك. وفي ذلك من قولنا، وما يشهد لنا عليه كتاب ربنا؛ ما يقول الرحمن؛ فيما نزل من النور والبرهان: {وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْعَالَمِينَ}[الروم: 22]. فافهم ما به قلنا: من تسوية الله سبحانه بين عباده، فيما أعطاهم من أصول حججه المركبة في صدورهم، كما ساوى بينهم فيما ألزمهم من أداء فرضه، وما به قلنا في الزيادة من الله سبحانه في ذلك لمن شاء من خلقه.
وإن كنت تريد بقولك: هل كان عقل رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل عقل أبي جهل: أنَّه مثله في المساواة والموازنة والكمال والإستواء، وموآد زيادات الله له في الهدى والعطا والتفضيل في كل الأشياء، والزيادة في الفهم، وجودة التمييز؛ فلا ولا كرامة لأبي جهل، لا يكون عقله في ذلك كعقل الرسول صلى الله عليه وآله وسلم؛ لأن مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الزيادات والتفضيلات، والخصائص والكرامات، والتوفيق والتسديد، ما لا يكون مع أحد؛ وذلك لكرامة الله لنبيه، واستحقاق نبيه لذلك من الله بفعله، صلى الله عليه وآله.(2/439)


فلما أن فعل ما ارتضاه الله منه؛ من إخلاص النية، وجودة البصيرة، استحق من الله الزيادة.
فكانت زيادات اللّه وعطاؤه لنبيه على صنفين: فصنف(1) ابتدأه بما ابتدأ؛ لما قد علم من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الإستواء، وأحاط به علمه قبل خلقه للدنيا؛ من إيثار محمد صلى الله عليه وآله له على غيره، وإخلاصه له في جميع أموره، وأنه يكون على الإستواء، وعلى الغاية(2) في الانتهاء اختياراً منه لذلك، وأثرة منه لربه، من غير جبر من الله له، ولا إدخال له قسراً في طاعته، بل يكون ذلك منه اختياراً، وأثرة لله لا اضطراراً.
فلما علم الله منه ذلك، وأنه يكون في جميع الأمور كذلك؛ ابتدأه بالكرامة على ما قد علم من غاية(3) فعله، وصيرورة أمره، فابتدأه بما هو أهل، من غير عمل كان منه لربه، ولا جبر من ربه على شيء تقدم من فعله، بل على ما قد علم من صيرورة أمره، وما علمه مما سيكون من اجتهاده في طاعة ربه، وتقديمه لإرادته على إرادة نفسه.
والصنف الثاني: فزيادات من الله لنبيه على جزاء فعله، وما ظهر من نصيحته، وبان من اجتهاده في التثبيت لباب اهتدائه، فزاده الله من بعد فعله لذلك تثبيتاً وهدى، وزيادة التقوى، كما قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوا زَادَهُمْ هُدَى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ}[محمد: 17]. فكان اهتداء رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم الإهتداء، وتقواه أكبر التقوى؛ فكانت زيادة الله له أعظم من كل زيادة، وهدايته له أكبر من كل هداية. فكانت هذه زيادة من الله على طريق المجازاة للنبي علىفعله، وكانت الزيادة الأولة منه لما قد علم من صيرورة أمره.
فاجتمعت لرسول الله صلى الله عليه ثلاث خصال:
__________
(1) في (ج): صنف.
(2) في (ب): إلقائه. وهو تصحيف.
(3) في (ب): عناية.(2/440)

188 / 209
ع
En
A+
A-