وإن ادعى أحدٌ من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنَّه على علمِ رسول الله، وأنه مقتد بأمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم؛ فَاعْلَم هُدِيتَ أنَّ علمَ آل رسول الله لا يخالف علم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وأن علمَ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يخالف أمر الله ووحيه، فاعرض قول من ادعى ذلك على الكتاب والسنة، فإن وافقهما ووافقاه فهو من رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم، وإن خالفهما وخالفاه فليس منه صلى الله عليه وآله وسلم، كما قال فيما روينا عنه حين يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( إنه سيكذب عليَّ كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني فأعرضوه على كتاب الله، فما وافق كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وما خالف كتاب الله فليس مني ولم أقله )).
وهذا أصل في اختلاف آل رسول الله صلى اللّه عليه وآله وسلم ثابت، ودليل على الحق صحيح، فَاعْتَمِدْ فيما اختلفوا فيه عليه، واستعمله في ذلك؛ يَبِن لك الحق حيث هو، ويصح لك المقتَبِس من علم آبائه صلوات الله عليهم، والمقتَبِس من غيرهم، وتصح لك الحجة في جميع أقوالهم، وتَهْتَدِ إلى موضع نجاتك، وتستدل به على مكان حياتك، وتَقِف به على الذين أمرناك باتباعهم بأعيانهم، فقد شرحناهم لك شرحاً واضحاً، وبيناهم لك تبياناً صحيحاً، حتى عرفتَهم ـ إن استعملتَ لُبَّك ـ بما بينا لك من صفاتهم، كما تعرفهم بالرؤية بأعيانهم، وتقف عليهم بأسمائهم(1) وأنسابهم. والحمدلله على توفيقه وإرشاده، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه(2).
تم الكتاب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
***
رسائل وكتب
في
الأخلاق والآداب
كتاب الخشية
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
__________
(1) في (ب، ج): بأساميهم.
(2) في (أ) و(ج): كمل الكتاب والحمدلله وحده وصلواته على سيدنا محمد النبي وآله وسلامه.(2/426)


أصل الخشية لله العلم، وفرع الخشية لله الورع، وفرع الورع الدين، ونظام الدين محاسبة المرء لنفسه، وآفة الورع تجويز المرء لنفسه الصغيرة من فعله.
وأصل التدبير فهو التمييز، وأصل التمييز فهو الفكر، ومن لم يَجُد فكره لم يَجُد تمييزه، ومن لم يجد تمييزه لم يستحكم تدبيره. والعقل كمال الإنسان، والتجربة لقاح العقل، ومن لم ينتفع بتجربته؛ لم ينتفع بما ركب فيه من عقله، وشكر المنة زيادة في النعمة، والنعمة لا تتم لمن رُزقها إلاَّ بشكر مُوِليها، ومن أغفل شكر الإحسان؛ فقد استدعى لنفسه الحرمان، ومن أراد أن لا تفارقه نعم(1) الله؛ فلا يفارق شكر الله. وحصن الرأي التأنِّي، وآفته العجلة، إلاَّ عند بيان الفرصة، ومن علم ما لله عنده لم يكد يهلك ، ومن أراد أن يعلم ماله عند الله؛ فلينظر ما لله عنده، ثم ليعلم أن له عند الله مثل ما لله عنده، قال الله تعالى: {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا} الآية [الأنعام: 160].
وجودة اللسان زَيْن الإنسان، وحياة القلب أصل البيان، ومن فكر في عواقب فعله؛ نجا من موبقات عمله، وصاحب الدين مرهوب، وصاحب السخاء محبوب، وصاحب العلم مرغوب إليه، وذو النصفة مُثْنى عليه، ومن كفى الناس مؤنة نفسه؛ كفاه الله مؤنة غيره، ومن خضع وتذلل لله فقد لبس ثوب الإيمان، ومن لبس ثوب الإيمان؛ فقد تتوج بتاج العزة من الرحمن، قال الله سبحانه: {وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ} [المنافقون: 8]. ومن رزق نزاهة النفس فقد أعطي عوضاً عن العبادة، ومن وفق للصبر عند البلاء؛ فقد خففت عنه المحنة(2) العظمى، ومن أراد من الله التسديد والتوفيق؛ فليعمل لله بالإخلاص والتحقيق.
__________
(1) في (ب): نعمة الله.
(2) في (ب): خفقت عليه المحبَّة.(2/427)


والعلم والحكمة؛ لا ينموان مع المعصية، والجهل والحيرة؛ لا يقيمان مع الطاعة، ومن وُفِّقَ أمن من الزلل، ومن خُذِل لم يتم له عمل، ولم يبلغ ساعة من الأمل، ومن قوي ناظر(1) قلبه؛ لم يضره ضعف بصره، قال الله تعالى: {فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى القُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} [الحج: 46] .
ومن نظر إلى نفسه بغير ما هو فيه؛ أمكن الناسَ من الطعن عليه، ودواء العي قلة الكلام، ودواء الجهل التعلم، ودواء الخوف من عذاب الله؛ العمل بطاعة الله، والترك لمعاصيه، وحسن الأوبة إليه عزَّ وجل. ومن رغب في الله اتصل به، وانقطع على الحقيقة إليه، ومن لم يهتد إلى أفضل العبادة وأسناها؛ فليقصد إلى مخالفة النفس في هواها.
والعلم مصباح في صدور العلماء، زينته الورع، وذباله(2) الزهد في الدنيا، ولا يصلح الورع إلاَّ لمن صلح له الزهد في الدنيا، والورع والمكالبة على الدنيا لا يجتمعان أبداً، كما لا يجتمع في إناء واحد النار والماء، ومن اشتدت رغبته في الدنيا طلب لنفسه التأويلات الكاذبات، ومن طلب لنفسه التأويلات الكاذبات تقحم بلا شك في المهلكات، و(من تقحم في المهلكات)(3) كان عندالله من أهل الخطيئات.
وصاحب الدنيا الراغب فيها كالحسود؛ لا يستريح قلبه من الغم أيداً، ولا يخلو فكره من الهم أصلاً، ولو أعطي منها كل العطاء. والحلم مع الصبر، ولا حلم لمن لا صبر له.
__________
(1) في (ب): باطن. وهو تصحيف.
(2) في (ب): وذبالته.
(3) زيادة من هامش (ب).(2/428)


وعروق الحمكة التي تصرب في الصدور هي طاعة الله، ولا تثبت الحكمة إلاَّ في صدر مُطيعٍ لله عزَّ وجل، ومن عدم الطاعة لله عدم الحكمة، ومن عدم الحكمة عدم النعمة، والحكمة كالشجرة؛ عروقها الطاعة، وثمرها(1) البلاغة. وأصل البر اللطف، وفرعه النصفة، وأصل العقوق قلة النصفة، وفرعه الجفا، وأصل الحمق قلة العقل، وفرعه العجب بالنفس(2).
المنتزع من سياسة النفس
m
وله أيضاً صلوات الله عليه (( منتزع من سياسة النفس ))(3) وهو الذي أوله: أصل خشية الله العلم، ثُمَّ قال في فصل منه رضي الله عنه.
بسم الله الرحمن الرحيم
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن رسول الله صلى الله عليه:
اعلم أن أربعاً هي موجودة في كتاب الله عز وجل، وهي فرض من الله على عباده، بها يصلح الإيمان، وبها يبلغ شرف الدنيا والآخرة، وهي أصول الطاعات وفروعها، مأمور بها المؤمنون والمؤمنات جميعاً، ولا ينفع عباده إلاَّ بمعرفتها والعمل بها، فإذا ألزمها العبد نفسه أدته إلى درجة الصديقين، وسبيل المحسنين إن شاء الله.
أولها: معرفة الله جل ثناؤه. والثانية: معرفة عدو الله. والثالثة: معرفتك بنفسك. والرابعة: معرفتك العمل.
__________
(1) في (أ، ب): وثمرتها.
(2) في (ب): تم والحمدلله وحده، وصلى اللّه على سيدنا محمد وآله وسلم.
(3) هذه الرسالة اختصت بها النسخة (أ)، ولذلك لم يمكن تصحيحها وفيها عبارات مطموسة وغير متسقة المعنى وعبارات غير متضحة.(2/429)


فمعرفتك الله عز وجل؛ فهو: أن تُعلِّم نفسك علم قربه منك، وقدرته لديك وقيامه عليك، ومشاهدته لك وعلمه بك، وأنه قريب حفيظ محيط، واحد أحد ليس كمثله شيء، لا شريك له في ملكه، وأن ما وعد به حق صدق، وأنه فيما ضمن به ودعا إليه وندب إليه وفيٌّ، وله وعد هو منجزه، ووعيد هو منفذه، ومقام للعبد منه يصير إليه، ومصدر يصدر عنه، وعذاب ليس له مثل، وثواب ليس له خلف، وأنه بر رحيم، ودود مجيب، قضَّاءٌ للحوايج، كل يوم هو في شأن، يعلم الخفاء وفوق الخفاء ودون الخفاء، والضمير والخطرة، والوسوسة والهمة والإرادة، والحركة والطرفة، وما فوق ذلك وما دون ذلك، ولا يوصف ربنا تعالى بصفة، وأنه رازق وهاب تواب، فإذا ألزمت ذلك قلبك باليقين الراسخ والعلم النافذ، وقَدَّرته في كل عضو منك ومفصل، وعرق وعصب، وشعر وبشر ونفس، أن الله جل ثناؤه قائم على ذلك، أحاط به علماً قبل خلقك وبعد ما خلقك، فإذا ثبت ذلك في قلبك، وصح به عزمك وكلفه عقلك، وأنه علم اختيار لا علم اضطرار؛ ثبت منك حينئذ المحاسبة لنفسك، ووصلت إليك المعرفة، وفرغت إلى الله قلبك، وانخشعت له جوارحك، حذراً من سطواته وقدرته، وحياء منه لقربه ومشهده، فلم تسقط منك إرادة، ولم تنزل بك همة، ولا تباعدت منك نية، فصرت القائم للقائم بحقه وتوفيقه لك، وتركك لما كره منك؛ إذعاناً(1) لجلاله، ومشاهدة لعلمه، ولا تكون منك همة ولا خطرة، ولا إرادة ولا وسوسة، ولا حركة ولا سكون ظاهرة ولا باطنة، ولا لحظة ولا لفظة، ولا شيء ظاهر ولا باطن إلاَّ وربك جل ثناؤه عند ذلك وعلى ذلك شاهد خبير، وأنه قائم عالم بذلك منك قبل كونه، وعند بدء إرادتك له وفعلك بجوارحك، فأنت (2) بتوفيقه العالم الورع التقي له.
__________
(1) في الأصل مطموسة، وقد أثبتها على الظن.
(2) مطموسة وقد أثبتها على الظن.(2/430)

186 / 209
ع
En
A+
A-