[النساء: 59]. وما جاء من الله تبارك وتعالى لآل رسوله من الذكر الجميل، والحض للعباد على طاعتهم، والإقتباس من علمهم؛ فَكَثِيرٌ غير قليل، يجزي قَلِيلَه عن كثيره، ويَسيرَه عن جليله، من كان ذا علم واهتداء، ومعرفة بحكم الله العلي الأعلى. وكل ذلك أمر من الله سبحانه للأمة برشدها، ودلالة منه على أفضل أبواب نجاتها، فإن اتبعت أمره رشدت، وإن قبلت دلالته اهتدت، وإن خالفت ذلك غوت(1)، ثُمَّ ضلت وأضلت، وهلكت وأهلكت، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ} [الأنفال: 42].
وفي أمر الأمة باتباع ذرية المصطفى، ما يقول النبي المرتضى: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن(2) تضلوا من بعدي الثقلين(3): كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ))، ويقول صلى الله عليه وآله في تفضيلهم، والدلالة على اتباعهم، وما فضلهم الله به على غيرهم: (( النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون )). وفيما ذكرنا من أمرهم ما يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
وهذا ومِثْلُه فَكَثيِرٌ عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، يفهمه من روى عنه عليه السلام، ونحن نستغني بقليل ذكره عن كثيره.
ثُمَّ اعلم أيها السائل أن الحق لا يؤخذ إلاَّ من أحد ثلاثة وجوه: كتاب ناطق، أو إجماع من الأمة في ما نقلته عن النبي عليه السلام من السنة التي جاء بها عن الله، وَأَمْرٍ بيَّنَتْه وصحّحَتْه العقولُ، وميَّزَتْ وأخرجت حقه، وشَرَعت صدقَه.
__________
(1) في (ب): غويت
(2) في (أ): لم.
(3) في (ب): من بعدي أبداً كتاب الله.(2/421)
ثُمَّ اعلم أيها السائل أن القياس يخرج على معنيين: أحدهما ثابت صحيح، والآخر باطل قبيح.
فأما المعنى الباطل منهما فهو قول القائل: قَاسَ فُلاَنٌ ويَقِيسُ فُلاَنٌ، يريد بذلك قياساً على غير الكتاب، يضرب بعض القول ببعض، ويقيس براي نفسه على رأي غيره، ويشبه مذهبه في القياس بمذهب غيره، فيخرج قياسه قياساً فاسداً، لا يجوز هذا القياس في الدين، ولا يثبت في أحكام المسلمين، بل من تعاطى قياساً على ما ذكرنا، أو قولاً مما(1) شرحنا؛ كان مُحِيلاً مبطلاً، فاسد(2) المذهب جاهلاً.
والمعنى الذي يثبت في كل معنى، ويكون دليلاً على النور والهدى، فهو: أن يكون العالم المتبحر في علمه، المتمكن في فهمه، إذا ورد عليه أمر قاسه على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى قولنا: قاسه، فهو دبَّره ونظره، وفكر فيه وميزه، واستعمل في استخراجه ـ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ـ عقله، فغاص عند نزول النازلة، في بحور الكتاب والسنة، حتى استخرج باستدلاله علم حاجته من كتاب ربه، وسنته التي أنزلها على نبيه. فهذا المعنى هو القياس الصحيح.
ومعنى اسم القياس هاهنا من قول القائل: قاس؛ فإنما هو استدل، وأصاب وميز، فاستخرج بقياسه وتمييزه؛ الصوابَ من كتاب ربه، ووقف بجودة تمييز قياسه(3)، وغَوَصَان لُبِّه على طلبته، وَجَال(4) بما ركب الله في صدره من ثابت لُبِّه، إذ أجاد استعْمَالَهُ في حاجته؛ ما طَلَب من علم نوازل الأحكام، ووقف بذلك على معرفة أصول دين الإسلام، فكان بقياسه وتمييزه؛ راداً لفروع دينه إلى أصوله، فالتأم له ـ بالتمييز والنظر، وجودة إنصاف العقل والفكر ـ ما افترق، وارتتق له بذلك في الأحكام ما انخرق.
__________
(1) في (ب، ج): فيما.
(2) في (أ): باطل.
(3) في (أ): ووقف بجودة قياسه.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: وحاز.(2/422)
فافهم هديت معنى قول القائل: قاس ويقيس، واستعمل لبك في معرفة الفرق بين المعنيين الذين ذكرنا، حتى تقف(1) فيهما على الهدى، وتكون من ذلك في قولك كله على الإستواء، والحمدلله العلي الأعلى، وصلى الله على محمد المصطفى، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار.
ثم اعلم من بعد كل علم ومن قبله، وعند استعمالك لعقلك في فهمه(2)، أن الذين أَمَرنا باتباعهم من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَحَضَضنَا على التعلم منهم، وذكرنا ما ذكرنا من أَمْرِ الله برد الأمور إليهم؛ هُم الذين احتذوا بكتاب الله من آل رسول الله، واقتدوا بسنة رسول الله الذين اقتبسوا علمهم من علم آبائهم وأجدادهم، جداً عن جد وأباً عن اب، حتى انتهوا إلى مدينة العلم، وحصن الحلم، الصادق المصدَّق، الأمين الموفق، الطاهر المطهر، المطاع عندالله المُقّدَّر، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَنْ كَانَ علمه من آل رسول الله صلى الله عليه وآله على ما ذكرنا، منقولاً إلى آبائه، مقتَبساً من أجداده، لم يزغ عنهم، ولم يقصد (في ذلك)(3) إلى غيرهم، ولم يتعلم من سواهم؛ فَعِلْمُهُ ثابت صحيح، لا يدخله فساد ولا زيغ، ولا يحول أبداً عن الهدى والرشاد، ولا يدخله اختلاف، ولا يفارق الصحة(4) والائتلاف.
فإن قلت أيها السائل: قد نجد علماء كثيراً منهم، ممن ينسب إليه علمهم؛ مختلفين في بعض أقاويلهم، مفترقين في بعض مذاهبهم، فكيف العمل في افتراقهم، وإلى من نلجأ منهم، وكيف نعمل في اختلافهم، وقد حَضَضْتَناَ عليهم، وأعلمتنا أن كل خير لديهم، وأن الفرقة التي وقعت بين الأمة هي من أجل(5) مفارقة الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
__________
(1) في (ج): تستدل.
(2) في (ب): فهمك.
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): ولا تفارقه الصحة.
(5) في (ب): بين الأمة فمن أجل.(2/423)
قلنا لك: قد تقدم بعض ما ذكرنا لك في أول هذا الكلام، ونحن نشرح لك ذلك بأتم التمام، إن اختلاف آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ـ أيها السائل عن أخبارهم ـ لم يقع، ولا يقع أبداً (الاختلاف)(1) إلاَّ من وجهين:
فأما أحدهما فمن طريق النسيان للشيء بعد الشيء، والغلط في الرواية والنقل، وهذا أمر يسير، حقير قليل، يرجع الناسيَ منهم عن نسيانه إلى القول(2) الثابت الْمُذَكِّرُ(3) له عند الملاقاة والمناظرة.
والمعنى الثاني فهو أكبر الأمرين وأعظمهما، وأجلهما خطراً وأصعبهما، وهو: أن يكون بعض من يؤثر عنه العلم تعلم من غير علم آبائه، واقتبس علمه من غير أجداده، ولم يستنر بنور الحكمة من علمهم، ولم يستض(4) عند إظلام الأقاويل بنورهم، ولم يعتمد عند تشابه الأمور على فقههم، بل جَنَب عنهم إلى غيرهم، واقتبس ماهو في يده من علمه عن أضدادهم، فصار علمه لعلم غيرهم مشابهاً، وصار قوله لقولهم صلوات الله عليهم مجانباً، إذْ عِلْمُه من غيرهم اقتبسه، وفَهْمُه من غير زنادهم ازْدَنَده(5)، فاشتبه أمره وأمر غيرهم، وكان علمه كعلم الذين تعلم من علمهم، وقوله كقول من نظر في قوله، وضوء نوره كضوء العلم الذي في يده، وكان هو ومن اقتبس منه سواء، في المخالفة لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والإقتداء(6)، وإن كان منهم في نسبه، فليس علمهم كعلمه، ولا رأيهم فيما اختلف فيه الحكم(7) كرأيه. والحجة على من خالف الأصل من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كالحجة على غيرهم من سائر عباد الله ممن خالف الأصول المؤصلة وجَنَبَ عنها.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (ب): إلى القول، وفي (أ): إلى قوله.
(3) في (ب): المذكور.
(4) في (ب): ولا يستضيء.
(5) في (أ): زيادتهم ازداده.
(6) كذا في النسخ ولعله سقط: بغيرهم. أو لعلها: وعدم الاقتداء.
(7) في (ب): من الحكمة.(2/424)
والأَصْلُ الذي يَثْبُت عِلْمُ من اتبعه، ويَبين قولُ من قال به، ويصح قياسُ من قاس عليه، ويجوز الإقتداءُ بمن اقتدى به(1)؛ فَهْوَ كِتَابُ الله تبارك وتعالى المحكم، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم؛ اللذان جُعِلا لكل قول ميزاناً، ولكل نورٍ وحقٍّ برهاناً، لا يضل من اتبعهما، ولا يغوى من قصدهما، حجة الله القائمة، ونعمته الدائمة، فَمَنِ اتَّبعهما في حكمهما، واقتدى في كل أمر بِقَدْوهما، وكان قولُه بقولهما،وحكمُه في كل نازلةٍ بهما دون غيرهما؛ فَهْوَ المُصِيبُ في قوله، المعتمدُ عليه في علمه، القاهرُ لغيره في قوله، الواجبُ على جميع المسلمين من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن غيرهم أن يرجعوا إلى قوله، ويتبعوا من كان كذلك في علمه؛ لأنه على الصراط المستقيم؛ الذي لا اعوجاج فيه ولا دَخَل(2) والحمدلله عليه. فمن كان على ما ذكرنا، وكان فيه ما شرحنا؛ من الاعتماد على الكتاب والسنة، والإقتباس منهما،والإحتجاج بهما، وكانا شاهدَيْنِ له على قوله، ناطِقَين له بصوابه، حجةً له في مذهبه؛ فَوَاجبٌ على كل أحد أن يقتدي به، ويرجع إلى حكمه.
فإذا جاء شَيءٌ مما يختلف فيه آل رسول الله(3) صلى الله عليه وآله وسلم؛ مَيَّزَ الناظرُ المميِّزُ السامعُ لذلك بين أقاويلهم، فَمَنْ وجدَ قولَهُ متبعاً للكتاب والسنة، وكان الكتابُ والسنة شاهدين له بالتصديق؛ فَهوَ على الحق دون غيره، وهو المتَّبَعُ لا سواه، الناطقُ بالصواب، المتبعُ لعلم آبائه في كل الأسباب.
__________
(1) في (ب): ويجوز الإقتداء به.
(2) الدَّخْل بسكون الخاء وفتحها: العيب والريبة.
(3) في (ب): آل الرسول.(2/425)