الحمدلله الذي فطر الأشياء على إرادته، وجعلها كيف شاء بعزته، وعمَّ المخلوقين برحمته(1)، ولم يوجد شيئاً لغير حكمة، ولم تعدم منه في الموجودات آثار قدره، فكلُّ شيء عليه سبحانه دليل، فتبارك الله الواحد الأحد الجليل، الذي لا تُعِزه(2) كثرة المخلوقين، ولا تنقصه قلة المربوبين، الذي لا تتم بغيره(3) الصالحات، ولا تبلغ شكر الآئه القالات، ولا تحيط بذكر إفضاله الصفات(4)، ولا تعروه السنات، العالم بخفيات الغيوب، المطلع على سرائر القلوب، الذي لم يحل بين عباده وبين طاعته، ولم يدخل أحداً من خلقه في معصيته، الهادي للسبيلين، والمبين للنجدين، والفاصل بين العملين، المحتج بالرسل على العالمين، المتفضل على الخلق بالمرسلين، الذي لم يزده إيجاد الخلق(5) به خبرة، ولم يترك لهم عليه سبحانه حجة، الذي لم يزل ولا يزال، الواحد الأحد الصمد ذو الجلال، أول الأولين، وآخر الآخرين، وفاطر السموات والأرضين، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد، الذي لم يتخذ ولداً(6) ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً.
وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله، (خير مبعوث من البشر إلى خلقه)(7)، أمينه على وحيه، وخيرته من بريته، صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم تسليماً.
ثُمَّ نقول من بعد الحمدلله والثناء عليه،والصلاة على محمد صلى الله عليه:
__________
(1) في (ب): بنعمته.
(2) كذا في النسخ، ولعلها: لا تَفِرُه. من الوفرة وهي الزيادة.
(3) في (ب، ج): لغيره.
(4) في (أ): السموات.
(5) في (ب): المخلوقين.
(6) سقط من (ب): الذي لم يتخذ ولداً.
(7) زيادة من (ب).(2/406)
إن سأل سائل فقال: من أين وقع في هذه الأمة هذا الإختلاف(1) في الحلال والحرام؟ حتى صار كلٌّ يفتي برأيه، ويتبع في قوله أئمَّةً له مختلفين، فيقول في ذلك بأقاويل قوم مفترقين، فإذا أوردت مسألة على وجه واحد أحُلَّها محلِّلٌ، وحرَّمها محرِّم، فكيف يجوز أن يكون معنى واحد مؤتلف، يأتي فيه قول متشتت مختلف؟! فيحل على لسان مفت لمستفتيه، ويحرم على لسان آخر على من ينظر فيه.
قيل له: وقع هذا الإختلاف وكان ما سألت عنه من قلة الإئتلاف؛ لفساد هذه الأمة وافتراقها،وقلة نظرها لأنفسها في أمورها، وتركها لمن أمرها الله باتباعه،والإقتباس من علمه، ورفضها لأئمتها وقادتها الذين أمرت بالتعلم منهم، والسؤال لهم، وجعلوا شفاء لداء الأمة، ودليلاً على كل مكرمة، ونهاية لكل فضيلة(2)، وأصلاً لكل خير، وفرعاً لكل بر، وفصلاً لكل خطاب، ودليلاً على كل الأسباب؛ من حلال أو حرام، أو شريعة من شرائع الإسلام.
فلما أن تبرأت الأمة منهم، واختارت غير ما اختار الله، وقصدت غير ما قصد الله، فرفضت علماءها، وقتلت(3) فقهاءها، وأبادت أدلتها إلى النجاة والصواب، وحارت لذلك عن رشد كل جواب، ولم تهتد إلى نهج(4) قول من الأقوال، في حرام ولا حلال، فضلت عند ذلك وأضلت، وهلكت وأهلكت، وتقحمت في الشبهات، وقالت بالأقاويل المعضلات، تخبطاً(5) في الدين، وتجنباً عن اليقين، ضلالاً عن الحق، ودخولاً في طرق الفسق، ظلماً وطغياناً، وضلالة وعصياناً، تركت ما به أمرت، وقصدت ماعنه نُهيت، فقال كل واحد منها فيما يرد عليه من الدين بهوى نفسه، وإرادة قلبه، وتمييز صدره، لم يهتد في ذلك بهدى، ولم يلق مصابيح الدجى، ولم يسأل عنه أهل البر والتقوى، ولم يهتد فيه بالأدلاَّء.
__________
(1) في (ب): الخلاف.
(2) في (ب): ونهاية على كل فاضلة. وفي (ج): لكل.
(3) في (ب): وقلدت.
(4) في (ب،ج): إلى وجه.
(5) في (ب): خبطاً.(2/407)
فكان مثلهم فيما فعلوا من ذلك: كمثل قوم ركبوا مفازة مضلة، وأخذوا معهم فيها أدلاَّء بُصَرآء، حتى إذا توسطوها قتلوا الأدلاء، فبقوا في حيرة عَمىً(1)، لا يهتدون سبيلا، ولا يعرفون ماء ولا طريقاً، فلم يزالوا فيها متحيرين، ذاهبين وجائين، مقبلين ومدبرين، حتى هلكوا أجمعين، فكانوا سبب هلاك أنفسهم، وسبيلاً إلى تلفهم، فذهبوا غير مقبولين ولا محمودين، بل مذمومين عند الله معذبين.
كذلك مثل هذه الأمة ومعناها، فيما نالته من فقهائها وأدلائها؛ الذين جُعِلوا لمن تبعهم نوراً وهُدىً، ودليلاً إلى الله العلي الأعلى. وهم آل محمد صلى الله عليه وعليهم، فضلَّت الأمة بعدهم، وهلكت عند مفارقتهم، ولعمري أن لو قصدت لرشدها، وتعلقت بالحبل الذي جعل لها متعلقاً، وكهفاً في كل أمر وملجأ؛ لما ضلت عن رشدها أبداً، ولا وقع اختلاف بين اثنين في فتيا، ولا اشتبه مشتبه في حلال ولا حرام؛ إلاَّ وجد بيانه عند آل محمد عليهم السلام؛ لأنهم أهل ذلك وموضعه، ومكانه ومركبه الذي ركبه الله عليه، وجعله معدناً له وفيه، اختاره لعلمه، وفضله على جميع خلقه، نوراً(2) على نور، وهدى على هدى، وحاجزاً من كل ضلالة وردى، أئمة هادين، ونخبة مصطفين، لا يخاف من اتبعهم غيا، ولا يخشى عمى ولا ضلالاً، محجة الإيمان(3)، وخلفاء الرحمن، والسبيل إلى الجنان، والحاجز عن النيران(4)، تقاة(5) أبرار،وسادة أخيار، أولاد النبيين، وعترة المصطفين، وسلالة النبي، ونسل الوصي، وخيرة الواحد العلي، مشرب لايظمأ من ورده، ودواء لايسقم من تداوى به، شفاء للأدواء، ووقاية من البلاء، كهف حصين، ودين رصين، وعمود الدين، وأئمة المسلمين، قولهم صواب بلا خطأ، وقربهم شفاء بلا ردى، أعني بذلك الطاهرين المطهرين، والأئمة الهادين، من أهل بيت محمد المصطفى، وموضع الطهر والرضى،
__________
(1) في (ب، ج): حيرة عمياء.
(2) في (ب): نور.
(3) في (ب): الأمان.
(4) في (أ): القرآن.
(5) في (أ، ج): ثقات.(2/408)
الموفين(1) إذا وعدوا، والصادقين إن نطقوا، والعادلين إن حكموا.
فإن قال السائل عن الخِلْفة، المتكلم في الفرقة. أفتقولون: إنهم لو قصدوا هذا المعدن(2) في علمهم، واقتبسوا منه في حلالهم وحرامهم لم يضلوا، ولم يفترقوا، ولم يقع اختلاف بينهم فيما به تكلموا؟!
قيل له: نعم كذلك نقول، وإليه معنانا يؤول.
فإن قال: فكيف لا تقع الفرقة، ولا يكون بين أولئك صلوات الله عليهم خِلْفة؟
قيل له: لأنهم أخذوا علمهم من الكتاب والسنة، فلم يحتاجوا إلى إحداث رأي ولا بدعة، تكلموا بالكتاب الناطق، واعتمدوا على الوحي الصادق، فكان الكتاب والسنة لهم إماماً يحتذون حذوه، ويقتدون في الأمور قدوه، فثبت لهم به الإلفة، وزالت عنهم الفرقة.
فإن قال السائل: فخبرونا عما عنه نسألكم، وأنبئونا عما(3)نسمع من قولكم، أتقولون: إنَّ جميعَ ما يدور بين الناس من الحلال والحرام، وما يرد من أحكام هذه الأمة على الحكام، وما يجري بينها من القضايا والأحكام، في قليل القضاء وكثيره، وقديمه وحديثه، وصغيره وكبيره؛ هُوَ كُلُّه في الكتاب موجود، وفي قلوب الحكام من آل رسول الله ثابت غير مفقود؛ فكلما ورد عليهم سبب من الأسباب؛ وجدوه عند وروده مُبّيَّناً في الكتاب، وكان في صدورهم محفوظاً، موجوداً معلوماً مصححاً؟
__________
(1) في (أ)، و(ج): الوافين إن.
(2) في (ب): أهل المعدن.
(3) في (أ): نسئل.(2/409)
قيل للسائل عن ذلك: إن الأصولَ كلها، والفروعَ المحتاج إليها؛ في الكتاب والسنة، فإذا علم العالم ذلك وأتى على معرفته، وعرف مجمله ومحكمه، وفروعه ومتشابهه، ونظر في ذلك كله بقلبٍ فَهِمٍ، سالم من الجهل، بريء من الخطل، بعيد من الزلل؛ ثُمَّ وردت عليه مسألة استدرك علمها ساعة ترد عليه؛ إما بآية ناطقة، أو شريعة باسقة(1)؛ تنطق له بالحكم فيما ورد عليه، وتبين له ما يحتاج من ذلك إليه، أو بقياس يصح من السنة، ويثبت في الايات المحكمة، وتشهد له الشرائع المشروعة؛ يكون هذا القياس فرعاً من فروع الحق، ثابتاً ونوراً شاهداً على ما فيه من الصدق. فيكون القياس ممن علم ما قلنا، وتفرع فيما ذكرنا وفهم ما شرحنا؛ قياساً واحداً، إذ كان ذلك له أصلاً مؤصَّلا، تخْرجُ هذا القياس وتبينه، وتشرعه وتوضِّحه، وتَدلُّ عليه وتُفرعه؛ حُجَجُ الله التي في الصدور، المركبة للتمييز بين الأمور؛ من هذه العقول المجعولة لما ذكرنا، المركبة لما شرحنا؛ من التمييز بين الباطل والحق، والفرق بين البِرِّ والفسق.
__________
(1) في (ج): ناسقة.(2/410)