ومن الحجة على ما به قلنا؛ من أن اللّه سبحانه نزل الفروع على نبينا(1)، كما نزل الأصول في كتابنا؛ قول اللّه سبحانه: {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلاَ الإِيْمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}[الشورى: 25] فأخبره أنَّه لم يكن يدري ما هذا الكتاب المجمل، ولا هذه الفروع التي هي الإيمان المنزل.
وفي ذلك ما يقول: {وَوَجَدَكَ ضَالاًّ فَهَدَى}[الضحى: 7]، يريد تبارك وتعالى ضالاً عن شرائع الدين، وفروع ما أجمل في القرآن المبين، فلم يكن صلى اللّه عليه يدري كم يصلي الظهر، ولا كم عدد العصر، ولا كم يأخذ من أموال الناس المسلمين من الزكاة، ولا كم فرض اللّه عزَّ وجل فيها، ولا متى تجب، ولا في كم تجب، بل كان ضالاً عن ذلك كله، وضلاله عنه فهو: جهله به، وقلة معرفته بما يريد اللّه أن يفترض عليه. فلم يكن عليه السلام يعلم من ذلك إلاَّ ما عُلِّم، ولم يفرض على الأمة إلاَّ ما به أُمِر، ولم يكن من المتكلفين، ولا من غير ما أمر به من المتكلفين(2).
__________
(1) في (ب): على ما بينا.
(2) كذا في النسخ، ولعلها: ولا بغير ما أمر به من المتكلمين. كما ظن بذلك في (ط).(2/396)
ومن الحجة في ذلك أنَّه لو كان كما يقول الجاهلون، ويتكلم به الضالون، من أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فرع هذه الفروع، من نفسه، وأوجدها(1) وبينها من دون ربه؛ لكان محمد عليه السلام؛ المفترض لجميع هذه الفرائض والأحكام على جميع الأنام، دون اللّه الواحد ذي الجلال والإكرام، ولو كان صلوات اللّه عليه المفترض لذلك، المحدد له الجاعل على أمته، لكان هو المتعبد لها بفرضه، المدخل لها في حكمه، المصرف لها في عبادته، دون اللّه تبارك وتعالى عن ذلك، وحاشا لرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون كذلك؛ لأن الأمة إنما عبدت اللّه بهذه الشرائع وهذه الفروع، وبإقامة هذه الأحكام، وتحليل الحلال منها وتحريم الحرام.
فلو كان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ـ كما يقول الجاهل(2) من أهل هذا المقال ـ هو المفرع لهذه الفروع والناشر لها والمتخير فيها، المحلل لحلالها المحرم لحرامها، اختياراً منه بفعله، وتمييزاً منه بلبِّه، وحتماً منه على أمته، اختراعاً له دون ربه؛ لكان محمد متعبداً(3) للأمة بفرضه، وكانت الأمة عابدة محمداً دون ربه؛ إذ هي قائمة بفرائض محمد ساعية فيها، مقيمة لها مستقيمة عليها. وفي هذا ومثله وفي القول بيسيره أكفر الكفر بالله سبحانه وأجهل الجهل به، وأكبر الطعن على رسوله، تعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
بل القول في ذلك أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم لم يفترض فريضة دون الله، ولم يحكم في دَمٍ ولا فَرْج إلاَّ بالله، وأن اللّه سبحانه هو مؤصل الأصول، ومجمل المجمل(4)، ومفصل المفصل، ومفرع المفرعات، ومبين الملتبسات، المتولي لتعبد خلقه؛ بما شاء سبحانه من فرضه. وأن نبيه صلوات اللّه عليه لم يزد ولم ينقص في شيء مما أمر بتبيينه للعباد، وأنه قد بلغ وأرشد غاية الإرشاد.
__________
(1) في (ج): وأوجبها.
(2) في (أ): الجاهل.
(3) في (ج): مستعبداً
(4) في (ب): الجمل.(2/397)
ثم نقول: إن كل ما قال رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم: أنَّه حرام لا يجوز تحليله، أو إنَّه حلال لا يجوز تحريمه، ومحظور لا يجوز إطلاقه، ومطلق لا يجوز حظره؛ فإنه من اللّه لا منه، وأنه لم يفعل ذلك إلاَّ بأمر الله، ولم يتعد فيه فرض الله، وأن ذلك لا زم للأمة، وأنَّ لمن خالفه أو نقض بعضه العقاب والعذاب، وأن لمن أدَّاه على وجهه وعبد اللّه بما تعبده به الثواب.
فكل ما ذكرنا من ذلك من الحلال والحرام، وشرائع الدين والأحكام، فهي من اللّه حقاً حقاً. وليس حالها كحال غيرها مما جعله رسول اللّه عليه السلام من نفسه واختياره ورآه، مما لم يجعل اللّه ولا رسوله على تاركه عقاباً. مثل ما سنَّ من الوتر، وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، والسواك، وتعفية اللحية، وأخذ الشارب، وغير ذلك مما سن وفعل، واختار لنفسه من زيادات العبادة والصلاة، مثل ما كان يصلي ويلزم ويحب، من ركعات كان يصليهن فيما سوى الفريضة. ومثل ما كان يرى من التعزيرات، ويفعله عند النازلات، وما كان يكون منه من التأديب لأمته على ما يكون من خطأ أفعالها؛
لأن الخطأ من أفعال الأمة على أربعة أوجه(1):
فوجه يجب لله فيه حد، وهو ما جعل فيه سبحانه حداً في كتابه وسماه، مثل: ضرب الزانيين(2)، وقطع السارقين، وحد القاذفين، وما أشبه ذلك مما جاء في الكتاب حده مبيناً.
والوجه الثاني: فما نزل به جبريل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وحَّده له وأمره به؛ من أدب من ارتكب شيئاً محرماً، مثل: حد الخمر المحرمة في الكتاب، نزل بالحد فيها ـ وفسره كما فسر غيره من الفروع ـ جبريلُ لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) في (أ) و(ج): وجوه.
(2) في (ب): الزانِيْنَ.(2/398)
والوجه الثالث: فخطأ من أفعال العباد، يجب للنبي عليه السلام فيه الأدب على فاعله، وهو مثل رجل لو ضم امرأة إليه، أو قَبَّلها، أو نظر إلى شعرها أو بشرها، فلرسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم الاختيار في أدبه وتعزيره، على قدر ما كان من فعله وجرمه، يقل الأدب أو يكثر، على قدر ما يرى من بلوغ الأدب، وجزع(1) المؤدب.
وكذلك الأئمة لها في ذلك الاختيار، تعزر بما رأت، يقل الأدب أو يكثر، على قدر ما ترى من عظم الجرم وصغره، وبلوغ الأدب في المؤدَّب، واحتماله للأدب، عليها فرض أن تُعْمِل النظر في ذلك، وتتحرى التنكيل للمؤدَّبين، قل الضرب في ذلك أو كثر، تطلب بلوغ جزع المؤدَّب والإبلاغ منه؛ بما ترى فيه من الصلاح له.
والوجه الرابع فهو: الَّلمَم الذي ذكر الله، وهو فعل لا يجب فيه الحد لله، ولا لرسوله ولا للأئمة أدب. واللمم فهو: ما ألم به صاحبه من غير تعمد ولا اعتقاد، ولا هم ولا عزم، مثل: النظر عن غير تعمد، والمزاحمة للمرأة عن غير قصد، وما أشبه ذلك مما لم يتقدم له ذكر في ذلك على فاعله، ولم يقصد به اجتراء على خالقه، ولا تعمداً لإتيان معصية(2)، ولا استحلال مُحَرَّم فهذا معنى اللمم الذي ذكره اللّه سبحانه.
ومن الحجة على من زعم أن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم فرع من ذاته شيئاً من الفرائض المحكمات، أو شرع من ذاته شيئاً من الأحكام المشروعات؛ أن يقال له: خبرنا عن فعل الله، هل هو فعل نبيه؟ وعن فعل نبيه هل هو فعله؟
فمن أصل قوله إذا كان موحداً، وبالله عارفاً، أن يقول: لا، ثم يقول: فعل اللّه خلاف فعل محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وفعل محمد خلاف فعل اللّه عزَّ وجل. فيقال له حينئذٍ: ألا ترى أن هذا الذي ذكرت أن محمداً فرعه وشرعه وفصَّله، وأمر العباد بفعله؛ هو فعلٌ لمحمد؟ فإذا قال: نعم، قيل له: أفليس فعل محمد خلاف فعل الله؟
__________
(1) في (ب): وجزوع.
(2) في (ب) معصيته، محرمة(2/399)
فإذا قال: نعم. قيل له: فمحمد إذن هو المفترض للفرائض على الأمة دون الله؛ إذ كان فعل محمد خلاف فعل اللّه، ومحمد إذاً ـ لو كان ذلك كذلك ـ كان المعبود بأداء فرائضه دون اللّه؛ إذ الفرض من محمد لا من الله. فلا يجد بداً إن كان بالله عارفاً، وله موحداً؛ من أن يرد جميع ما تعبد به الأمة إلى اللّه عزَّ وجل، ويزعم ويقول ويعتقد أنَّه من الله، حتى يصح له القول بأن المسلمين عبدوا اللّه لاغيره، ويثبت الفعل في فرض المفروضات لله لا لغير الله؛ لأن العبادة من العابدين لم تصح إلاَّ بأداء الفرائض لمن افترضها، فمن ثبتت له الشرائع والتفريع والتبيين؛ ثبتت له الفرائض، ومن ثبت له الافتراض للمفروضات؛ ثبتت له العبادة في كل الحالات من العابدين، وهم المؤدون للفرائض المحكمة، والشرائع المثبتة، التي لا تصح لهم عبادة إلاَّ بأدائها، ولا ديانة إلاَّ بإقامتها.
فهذه حجة على من عرف الله بالغة كاملة، بينة نيرة، تبين لمن أفكر فيها، وتصح لمن تدبَّر معانيها. والحمد لله رب العالمين، وسلام على المرسلين.
ومن الحجة على من قال: إن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم كما يقول المبطلون؛ أنَّه لو فرع الفروع من نفسه، وأوجبها على الأمة دون ربه، لكان المتعبد لنفسه بالفرض(1) الذي أوجبه عليها وفرعه لها؛ لأنَّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أول العابدين، وأخلص المخلصين، وأقوم القائمين بهذه الفروض المفروضات، والفروع المفَّرعات، فهو قائم بها، عابد لمن فرضها بإقامته لحدودها. فالفارض(2) لها هو المعبود دون غيره، فتبارك الله رب العالمين، الذي فرض فرائضه على جميع المربوبين، الملائكة المقربين، والأنبياء والمرسلين، وجميع الثقلين.
__________
(1) في (ب): بالفرع.
(2) في (أ) و (ب): والفارض.(2/400)