ثم نقول من بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد، فإنا نظرنا في أمور هذه الأمة وأسبابها، وقلبنا ما قلبنا من حالها وأخبارها، وافتراق أقاويلها، وفساد تأويلها، وقلة ائتلافها؛ فوجدنا أمورها تدل على أنها ضيعت ما به أمرت، حتى صعب قيادها، وكثر حيادها؛ فقلَّ(1) فهمها، (وقل احتياطها)(2)، وكثر تخليطها، وصار لكلها قول مقول، وعمل فادح معمول، ينفر منه القلب الجهول، فضلاً عن أهل المعرفة والعقول.
__________
(1) في (أ،ج): وقل.
(2) زيادة من (أ).(2/386)


كان من أنكر قولها، وأعظم جهلها؛ ما قالت به في الله سبحانه، ورمت به بجهلها رسوله، فزعمت لعظيم غفلتها وغامر(1) رقدتها؛ أن دينها الذي به تعبدها ربها كتاب ناطق مضيء، وسنة جاء به من نفسه النبي، شرعها من ذاته، وتخيّرها للعباد بنظره، لم يأمر بها الرحمن، ولم تنزل عليه في آي القرآن، فزعمت بذلك من قولها، ولزمها في أصل مذهبها، وحاق بها في جميع قولها؛ أنها(2) زعمت فيما ذكرت وقالت: أن الله سبحانه وكل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الدين إلى نفسه، ولم يشرع له كلما يحتاج إليه من فرضه، كأن لم تسمع الله سبحانه يقول، فيما نزل على نبيه من القول: {مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]، ويقول سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِيْنَ} [النحل:89]، وكأن لم يسمعوا قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، فأخبر سبحانه بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} أن فيما نزل من تبيانه، ونوره وبرهانه؛ كفاية لهم في كل ما افترض عليهم، ولو كان ترك شيئاً مما يحتاجون إليه لم ينزله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وعلى لسان جبريل؛ لم يقل: أولم يكفهم، فدل بما شهد به من الكفاية لهم على أنه لم يكل نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلى استخراج شيء مما افترض عليهم وعليه، وإنه لم يترك شيئاً من فرائضه، ولا شرائع دينه؛ إلا وقد أوحى به إلى رسوله وحياً، ونزل عليه به نوراً وهدىً، فلم يكف هذه الأمة؛ ما نزل الله فيما ذكرنا من الحجة؛ حتى قالت: إن كل فرع مفرع مما فرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو منه اختياراً وتمييزاً من نفسه، وأن ذلك ليس هو من ربه.
__________
(1) في (ب): لعظيم غفلتها وغامرة.
(2) في (ب): أنما.(2/387)


من ذلك ما قال الله سبحانه في الصلاة الموجبة والزكاة المفترضة؛ حين يقول: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43، وغيرها]. فزعمت هذه الأمة فيما ذكرت، وبه على الله سبحانه اجترأت، أو من قال بذلك منها؛ أنه لم يكن من الله جل جلاله وعظم عن كل شأن شأنه في الصلاة غير ما أمر به من إقامتها، وأنه لم يحد لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من حدودها، ولم يوقفه على ما به كمالها؛ من ركوعها وسجودها وعدد ركعاتها، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخترع ذلك من نفسه، وسنه لأمته، وجعله ديناً لها من ذاته. وأن شرائع الزكوات وما به تجب الزكاة في الأوقات المفروضات المؤقتات، وما يؤخذ من الأموال الصامتة والأنعام السائمة والأطعمات، وما يجب في التجارات من الأعشار وأنصافها، وما حدد في ذلك كله من الحدود المعروفة، وأوقف عليه في كل ذلك من الأفعال المفهومة؛ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا من الله؛ وأن ذلك شيء فعله برأيه، واختاره بتمييزه(1)، وفعله باجتهاده، وفرضه على أمته، دون خالق المخلوقين، وإله العالمين.
وكذلك قالوا في جميع الفرائض(2) المفروضة، والفروع المفرعة(3).
فزعمت هذه الأمة، أو من قال بذلك منها: أن ما كان في الكتاب ناطقاً موصولاً؛ فهو من الله فرض مفترض، وما كان من تفريع الأصول، وتمييز ما ميز صلى الله عليه وآله وسلم من الفصول؛ فإنه منه لا من الله، وأنه فعله لا فعل الله، ثم سموا ذلك الفرع سنة، وأخرجوا معنى السنة من الفريضة، وتوهموا أن ذلك كما قالوا، ولم يعلموا ما عليهم في ذلك، حتى حكموا به وسموه كذلك.
__________
(1) في (ب): لتمييزه.
(2) في (أ): قالوا جميعاً في الفرائض.
(3) في (أ،ج): المتفرعة.(2/388)


فلما عظم الأمر، وجل الخطر، ورأينا الهلكة واقعة بهم، والضلالة شاملة لهم؛ رأينا أن نفسر قول القائل: (سنة)، ونشرح ما السنة؟ وكيف كان تفريع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فرع من الأصول المنزلة، التي جاءت في كتاب الله سبحانه مجملةً.
فقلنا: إن رسول الله عليه السلام لم يكن ليخترع أمراً دون الله سبحانه، وأنه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ} [الأحقاف:9]، وكما قال عليه السلام: {وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَلِّفِيْنَ} [ص:86].(2/389)


ونقول: إن الله سبحانه لم يكل شيئاً من ذلك إلى نبيه يبتدعه ولا يشرعه، ولا يفرضه ولا يثبته، إذاً لقد كلفه شططاً من أمره، وألزمه معوزاً من فعله، بل القول في ذلك المبين، والحق النير اليقين؛ أن الله سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه؛ أصَّل(1) أصول فرائضه في الكتاب المبين، ونزله على خاتم النبيين، فجعل في كتابه أصل(2) كل ما افترضه من الدين، وبينه لجميع العالمين، فكانت أصول الدين في الكتاب كلها، وجاءت الفصول مفصولة، والفروع المفرعة؛ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله ذي الجلال والإكرام؛ على لسان الملك الكريم؛ جبريل الروح الأمين، فنزل شرائع(3) الدين، وتفريع أصول القرآن المبين، على محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما نزل عليه السلام بالأصول إليه، وكان نزوله بالفروع مفرعةً؛ كنزوله بالأصول المجملة المجتمعة، وأدى جبريل الروح الأمين، إلى محمدٍ خاتم النبيين؛ فروع شرائع الدين، عن الله رب العالمين؛ كما أدى مجملات أصول القرآن المبين. والسبب في تفريق ذلك من الله، فنظر من الله لبريته، وعائدة على خلقه، ولطف في فعله وصنعه، وتقوية لمن أراد حفظ كتابه، وجعل(4) ما نزل من وحيه وبيانه. فخفف عنهم في الكتاب، وأعانهم بذلك في كل الأسباب، ففرق بين الأصول الموصلة، والفروع المفرعة، فجعل الأصول في الكتاب مجملة جاء بها جبريل، وجعل الفروع في غير الكتاب جاء بها أيضاً جبريل، وكل من الله(5) وحي مبين وتفصيل، وفرضاً منه سبحانه وتنزيل، بعث بهما كليهما رسولاً واحداً، ملكاً عند الله مقرباً، أميناً مؤتمناً، فأدى إلى الرسول ما به أرسل، وتلا عليه من ذلك ما أمر بتلاوته عليه، فكان ذلك من الله فرضاً مميزاً، وديناً من الله مفترضاً، لم يكن من رسوله فيه اختيار، ولم يشرع لأمته من دين الله إلا ما
__________
(1) في (ب): أنزل.
(2) في (أ،ج): أصول.
(3) في (ج): بشرائع.
(4) كذا في النسخ وظنن في هامش (ج) بـ وحمل.
(5) في (ب): فكان من الله.(2/390)

178 / 209
ع
En
A+
A-