وهذا القول الفاسد المحال، الكاذب المضل الضآل؛ فلو أجاب إليه المسلمون قائله، أو جاز أن يقول به المؤمنون؛ لوجب عليهم وعلى إمامهم أن يأتوا بناسخه، ومنسوخه، وجميع ما ذهب منه، وإلا فلم يجب لهم على كل ذي حَدٍّ يَدٌ؛ لأن كل ذي حد وجب عليه في شيء أحدثه يزعم ويدعي أن حكم الله بالأدب في ذلك منسوخ، ويقول: إنَّه لا يحد بهذا الحد في هذا الجرم، وإن حده غير هذا الحد الذي في هذه البقية بزعم من يزعم أن القرآن ناقص، ويقول: هلموا ما ذهب منه فاتلُوْه؛ فإن لم تجدوا فيه ما ينسخ هذا فحدُّوني، وإن وجدتم فيه ما أدعي فخلوني. فتعالى الله عما يقول فيه المبطلون علواً كبيراً، والحمد لله رب العالمين كثيراً، الحافظ لكتابه المانع له من كل خطأ وزلل، أو ذهاب، أو نقصان. وكيف يذهب من القرآن قليل أو كثير؛ وهو حجج الواحد اللطيف الخبير، وفيه فرائضه على الخلق سبحانه؟ فقد حُفِظ ومُنِع ........... (1) من كل شأن من الشأن.
فتأويل قال بنقصان الفرقان، أما سمع قول الواحد الرحمن: {بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيْدٌ فِيْ لَوْحٍ مَحْفُوظٍ} [البروج: 21ـ22]، فأخبر أن القرآن عنده، محفوظ له جل جلاله. وفيه ما يقول: {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ لا يَأْتِيْهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيْلٌ مِنْ حَكِيْمٍ حَمِيْدٍ} [فصلت: 41ـ42]، ويقول سبحانه: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ}[الحجر:9]، فأخبر أنَّه لما نزل من الذكر حافظ، ولم يلفظ بغير الحفظ فيه لافظ، إلاَّ عم جاهل، وعن الرشد والحق زائل، ولقول الله مبطل معاند، ولما ذكر الله من حفظه له جاحد.
__________
(1) بياض في (ب ، ج) فقط.(2/381)


وفي ذلك ما حدثني أبي عن أبيه، أنَّه قال: قرأت مصحف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عند عجوز مسنة، من ولد الحسن بن زيد بن الحسن بن علي بن أبي طالب؛ فوجدته مكتوباً أجزاء، بخطوط مختلفة، في أسفل جزء منها مكتوب: وكتب علي بن أبي طالب، وفي أسفل آخر: وكتب عمار بن ياسر، وفي آخر وكتب المقداد، وفي آخر: وكتب سلمان الفارسي، وفي آخر: وكتب أبو ذرالغفاري، كأنهم تعاونوا على كتابته، قال جدي القاسم بن إبراهيم صلوات الله عليه: فقرأته فإذا هو هذا القرآن الذي في أيدي الناس حرفاً حرفاً، لا يزيد حرفاً ولا ينقص حرفاً؛ غير أن مكان: {قَاتِلُوا الَّذِيْنَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ} [التوبه: 123]؛ اقتلوا الذين يلونكم من الكفار، وقرأت فيه المعوذتين.
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه: ومن الحجة في حفظ القرآن، وإبطال ما يقال به من ذهابه وافتراقه، وزواله ونقصانه؛ قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتَّى يردا علي الحوض ))، فأخبر صلى الله عليه أن الله جل ثناؤه أخبره بنبأئهما، وبأنهما حجة منه على خلقه، باقية في أرضه إلى يوم حشر العالمين.
والحمدلله رب العالمين، أولاً وآخراً وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم.
*****
كتاب
تفسير معاني السنة
تفسير معاني السنة والرد على من زعم أنها من رسول الله من كلامه صلى الله عليه وآله وسلم
m(2/382)


الحمدلله علام الغيوب، البريء من كل نصب ولغوب، الواحد العلي، القدوس الأزلي، الذي رفع السماء فبناها، وسطح الأرض فطحاها، خالق المخلوقين، ورب المربوبين، وباعث الموتى، ومبتدئ الأحياء، العالم بخفيات سرائر الغيوب، المطلع على غوامض سرائر القلوب، المتعالي عن القضاء بالفساد، المتقدس عن اتخاذ الصواحب والأولاد، الآمر لعباده بالرشاد، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الواحد الأحد العليم الخبير.
أحمده على ما من به فينا، وتفضل به سبحانه علينا، من ولادة النبيين، ووراثة علم المرسلين، ونشكره على ما خصنا به، وجعلنا بفضله من أهل القيام (1) بحجته، والدعاة (2) لخلقه إلى ما افترضه عليهم، وأوجبه إيجاباً مؤكداً فيهم، من الأمر بأمره، والنهي عن نهيه، والحكم بكتابه، والاتباع لدينه، والمجاهدة لمن جاهده (3)، والمعاضدة لمن نصره، والمعاداة لأعدائه، والموالاة لأوليائه، والقيام بأكبر فروضه قدرا، وأعظمها لديه خطرا، وهو الجهاد في سبيله، والمباينة لمن عَنَدَ عن دينه، وفي ذلك ما يقول جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {إِنَّ اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بَأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقاً فِيْ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيْلِ وَالْقُرَآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمِ} [التوبة:111]، ثم قال تبارك وتعالى فيما يذكر من تعظيم ما ذكرنا من الجهاد الكريم: {لا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِيْنَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ
__________
(1) في (أ، ج): من أهله من القيام.
(2) في (أ، ج): والدعاء.
(3) كذا في النسخ، وظننا في هامش (ج) بقوله: عانده.(2/383)


فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِيْنَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ أَجْراً عَظِيْماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيْماً} [النساء:195 ـ 196]، ثم قال سبحانه فيما أمر به عباده من النفير في سبيل الله، والإحياء لشرائع دينه: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللَّهِ ذَلِكَمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]، ثم قال تخويفاً للقاعدين، وإعذاراً وإنذاراً للمتربصين، واحتجاجاً على المتخلفين؛ عن واجب ما أوجب أحكم الحاكمين، وتبييناً لفضل المنابذين؛ لمن نابذ شرائع الدين، وجهد في إبطال الحق واليقين، وكان ضداً مدافعاً للحق، وكهفاً وسنداً للفسق: {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعْذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيْماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} [التوبة:39]، ثم ذكر سبحانه فذم ذا التَّعِلاَّتِ(1)، وأهل التأويلات الباطلات، فأخبر أنه لاعذر لهم فيما به يعتذرون، ولاحجة لهم فيما فيه يتأولون، من التعلق بالشبهات، والتسبب لمنال (2) الفكاهات، والتلذذ بمقاربة الأولاد والزوجات، وجميع الأموال من التجارات، فقال سبحانه تحذيراً لهم، وتنبيهاً عن وسنتهم، وتيقيظاً (3) لهم من رقدتهم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبآاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلِيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٌ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى
__________
(1) يعني أصحاب الأعذار الكاذبة.
(2) في (ب): والتسبب لمثال.
(3) في (ب): وتيقظاً.(2/384)


يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقْيْنَ} [التوبة:24]،سمى من كان كذلك، أو ضرب لنفسه (1) تأويلاً (2) في ذلك فاسقين، وأوجب لهم ما أوجب على الفاجرين، من عذاب الجحيم، والخلود في العذاب الأليم. ثم قال سبحانه ترغيباً لعباده المؤمنين، وإخباراً لهم بما أعد لهم على الجهاد من الثواب المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِيْ جَنَاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمِ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٍ قَرِيْبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ} [الصف:10 ـ 13]، صدق الله سبحانه إن ذلك للتجارة الكبرى، والكرامة الجليلة العظمى، والحظ العظيم، والأمر الجسيم؛ الذي جل ذكره وعظم قدره، وحسن عند الله مآب فاعله، وجل لديه سبحانه خطر القائم به، جعله له سبحانه مؤتمناً على خلقه، ومرشداً إلى أمره، خصه بخواص الكرامة الكاملة، وأعطاه العطية الفاضلة، وجعله حجةً شاملة، ونعمةً على الخلائق دائمة. نسأل الله إيزاع شكره، وبلوغ ما نؤمل من طاعته، فإن ذلك أفضل ما أعطى الخلق من العطاء، وأعظم ما بلغه بالغ من الرجاء، ونسأل الله أن يصلي على محمد عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وصفوته من بريته، صلى الله عليه وأهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
__________
(1) في (أ) و(ج): ثم سمى.
(2) في (ب): تأولاً.(2/385)

177 / 209
ع
En
A+
A-