والسنن، وأحيوا البدع والفتن، وضلوا(1) الحق، وأحيوا الفسق، وجلسوا في غير مجلسهم، وتعاطوا ما ليس لهم، {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلاَلَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ}[البقرة: 16] فأين لكم يا أهل(2) الإسلام؟؟ وكيف يرضى من آمن بالرحمن؛ بالظلم والغشم من حزب الشيطان، الذين جاهروا ربهم بالكفر والعصيان، وحادوه في كل شأن؟! {إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ فِي الأَذَلِّينَ كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌ عَزِيزٌ}[المجادلة: 19 ـ 20]، صدق الله في قوله، لقد حكم الله للحق والمحقين؛ بالغلبة للباطل والمبطلين، ولكن أين أين الناهضون لأمره، المتنجزون لوعده، المتعرضون(3) لنصره؟ فإنه يقول سبحانه: {وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌ عَزِيزٌ}[الحج: 40] وبلى وعسى، {فَإِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ العُسْرِ يُسْراً}[الإنشراح: 5 ـ 6]، عسى الله أن يجعل فيكم يا أهل التوحيد خَلَفاً من الأولين المجاهدين، الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم لله رب العالمين.
__________
(1) في (ج): وقتلوا.
(2) في (ب): بأهل.
(3) في (ب): المعترضون.(2/371)
فشمروا يرحمكم الله واجتهدوا، واطلبوا النجاة من الله تعالى بجهادهم تنجوا، فإنه يقول سبحانه: {الَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ}[آل عمران: 195]. فجاهدوا كما جاهد أولئك من سلفكم المؤمنين، من الأولين والآخرين، فلقد جاهدوا أعداء الله واحتسبوا، فلقوهم، وجالدوهم وصابروهم، والفسقة حينئذ أقوياء أعزاء، جيوشهم جامعة، وأموالهم كاملة، وكلمتهم مؤتلفة، وجماعتهم غير مختلفة، فصَفُّوا لهم الصفوف، وضربوا(1) وجوههم بالسيوف، ووفوالله بعهده، وقاموا له(2) فيه بأمره، صابرين محتسبين، ولذلك من فعلهم متخيّرين، حتى لحقوا بالله مستشهدين، كراماً طيبين مطيبين، فائزين بالثواب، ناجين من العقاب، قد فازوا بالرضى والرضوان، يتقلبون في عرصات الجنان، {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلاَمٌ وَاَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً}[الأحزاب: 44]، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ البَرُّ الرَّحِيمُ}[الطور: 25 ـ 28].
__________
(1) في (ج): وأضربوا. أي ضربوها.
(2) في (ب): لهم.(2/372)
فاجتهدوا رحمكم الله واستغفروا، وقوموا لله بما أمركم الله به ولا تقصروا، ولا تركنوا إلى الخفض(1) في الدنيا فتهلكوا، وجدُّوا في جهاد أئمة الظلم تسعدوا، {إِلاَّ تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ}[الأنفال: 73]، فإنهم إخوان من مضى من إخوانهم في ارتكاب الردى، والجري في ميادين الهوى، والصد عن أبواب الهدى، أهل الفسق والبغي، حزب الشيطان، أهل الجرأة على الله بالمخالفة والعصيان.
واعلموا رحمكم الله أن حُكم الله فيهم وفيمن كان قبلهم واحد، وسنته في الفسقة الأولين؛ كسنته في الظلمة الآخرين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: {سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً}[الفتح: 23]، وقال سبحانه: {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوا مِنْ قَبْلُ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَراً مَقْدُوراً}[الأحزاب: 38].
ألستم ترون رحمكم الله إلى أبواب النصر قد فتحت، وعلامات ما تأملون من دولة آل رسول اللّه قد أقبلت، ودلالات ملكهم قد شرعت، وأسباب ما وعد اللّه نبيه صلى الله عليه وعلى آله قد ثبتت، وعلامات هلاك عدوهم قد وضحت وبوادر الرحمة قد أقبلت، وإياكم قد أجنَّت وأظلت، ولكم بالنصر والتوفيق قد قصدت؟ فأقبلوا إليها ولا تدبروا، وتلقوها بقبولها قبل أن تندموا.
__________
(1) الخفض: الدعة، يقال: هم في خفض من العيش، أي هدوء وسكون وسعة.(2/373)
ألستم ترون ما قد صار إليه أعداء الله وأعداؤكم من النقص والخذلان، والضلال والنقصان؟ فهم كل يوم يرذلون، وكل شهر يُنقصون، وكل عام يفتنون، قد تلعَّبت بهم عبيدهم، واجترأت عليهم ساستهم، فصاروا يسومونهم سوء العذاب، يقتلون من شاؤا منهم، ويقيمون من أرادوا منهم، يجبون الأموال لأنفسهم، قد تسلط عليهم شرارهم، وأعوانهم وعُبدانهم، فلا مال عندهم، ولا رجال في جوارهم، ولا أمر ولا نهي لهم، ليس في أيديهم ولا لهم بلد ينحون(1) فيه أمرهم، غير بعض القرى قد أحل فيهم الأعراب، واستباحت ما قدرت عليه من رعيتهم، ينهبون حواشيهم، ويخيفون سبيلهم، ويقطعون طريقهم، لا يقدرون على نفيهم وإبعادهم، ولا ينالون ما يشتهون من إذلالهم، بل هم الأذلاء الأقلاء، الفساق الضعفة(2)، أشد على الرعية والمساكين، إذلالاً من الأقوياء والمحاربين، يخيفون ويأكلون من تحت أيديهم، ويدارون(3) من نابذهم وتسلط عليهم،قد انهدم عزهم، وانخرقت مهابتهم، وفتكت بهم كلابهم، وقهرهم أشرارهم، وحكم عليهم عُبْدانهم، وقلت وانتفت من أيديهم الأموال، وتفرقت عساكرهم والرجال، زهداً من الرجال فيهم، ورغبة في خير من يجزل عليهم، قد مال عمود ملكهم، وانهدم باب عزهم، وتغير أساس أمرهم، وأعطت خلافتهم صاغرةً قيادها، وَرَمت إلى من قادها بزمامها، وألقت إليه(4) بسمعها وطاعتها، وذل لطالبها صعبها، ولان لراكبها مركبها، وذل له بعد الصعوبة ظهرها، وبرزت له من بعد شدة حجابها، واستقامت له وأشرعت(5) لدنوّ نتاجتها، ودرت لحالبها بدرة تسر الحالبين، وتنهل الشاربين، ويَعُلُّ(6) فيها العَالُّون، وينتعش ويشبع في أفوقتها(7)
__________
(1) في (ج): يمجُّون (كذا). وظنن بـ: (يمضون).
(2) كذا ولعلها: الضعفاء.
(3) في (ب): ويداريون. ولعلها: ويواربون.
(4) في (ج): إليها. وظنن بما أثبت من ب.
(5) في (ج): وأَضْرَعَتْ.
(6) العلل بعد النهل: الشربة الثانية بعد الأولى.
(7) في ب: أفرقتها، والفُواق: مقدار مابين الحلبتين.(2/374)
الجائعون، فهي حافل(1) تشخب رجليها مما تدر، ولكن لا حالب لدرتها، ولا منتهز لفرصتها، لقلة المحقين، وذهاب المؤمنين، وذلة المسلمين، وركون هذا الخلق إلى الفسق، وتركهم لاتباع دعوة الحق، وتعلقهم بالفاني من أمر الدنيا، وزهدهم فيما يدوم من الآخرة ويبقى.
كان لم يسمعوا الله سبحانه يقول: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرْجَعُونَ}[العنكبوت: 57]، وكأن لم يسمعوا ما أخبرهم به عنهم من عاقبة أمرهم، وقوله لهم في يوم حشرهم؛ حين يقول: {وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ}[الأنعام: 94].
__________
(1) ضرع حافل: ممتلئ لبناً.(2/375)