الجبار: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}[المؤمنين: 108]، فيطلبون حينئذ الرجوع إلى ما كانوا فيه من الفناء(1)، ويتمنون الموت والبلاء، ويقولون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}[الزخرف: 77] فحينئذ تقطع قلوبهم حسرات، وتتراكم عليهم الغُموم والندامات، على ما فرطوا فيه من العمل بما أمرهم الله به ، والقيام بأكبر فرائضه، من الجهاد في سبيله، والمعادات لأعدائه، والموالاه لأوليائه.
فليعلم كل عالم أو جاهل، أو من دعي إلى الحق والجهاد فتوانى، وتشاغل، وكره السيف والتعب، وتأول على الله التأويلات، وبسط لنفسه الأمل، وكره السيف والقتال، والملاقاة للحتوف والرجال، وأثر هواه على طاعة مولاه، فهو عند اللطيف الخبير، العالم بسرائر الضمير؛ من أشر الأشرار، وأخسر الخاسرين، إن صلاته وصيامه، وحجه وقيامه بُور، لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً، ولا صغيراً ولا كبيراً. وأنه ممن قال الله سبحانه فيه حين يقول: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}[الغاشية: 2ـ 4]. وكيف يجوز له الإقبال على صغائر الأمور من الصالحات، وهو رافض لأعظم الفرائض الواجبات(2)؟! وكيف لا يكون الجهاد أعظم فرائض الرحمن؛ وهو عام غير خاص لجميع المسلمين؟!
وعَمَلُ من عمل به شاملٌ لنفسه ولغيره من المؤمنين؛ لأن الجهاد عزٌ لأولياء الله، مخيف لأعداء الله، مشبع للجياع(3)، كاس للعراة النّياع(4)، ناف للفقر عن الأمة، مصلح لجميع الرعية، به يقوم الحق، ويموت الفسق، ويرضى الرحمن، ويسخط الشيطان، وتظهر الخيرات، وتموت الفاحشات.
والمصلي فإنما صلاته وصيامه لنفسه، وليس من أفعاله شيء لغيره. وكذلك كل فاعل خير فعله لنفسه لا لسواه.
__________
(1) في ب: الفداء.
(2) في (ج): الزاكيات.
(3) في ب: للجائع.
(4) النايع: المائل.(2/366)
فأين الجهلة العمين، أو العلماء المتعامين؟ كيف يقيسون شيئاً من أعمال العباد؛ إلى ما ذكر الله سبحانه من الجهاد؟! هيهات هيهات بعد القياس، ووقع على الجهلة الإلتباس، وحبطت بلا شك أعمال المختلفين، وخسر الراكنون إلى الدنيا، المؤثرون لما يزول ويفنى، المتشبثون بالأموال والأولاد والأهلين، وهم ـ أَحَدَ اليومين ـ لذلك مفارقون، ولما تشبثوا به تاركون، وعما أثروه على ربهم والجهاد في سبيله رائحون. وفي أولئك، ومن كان من الخلق كذلك؛ ما يقول الرحمن الرحيم، فيما نزل من الفرقان العظيم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}[التوبة: 24].(2/367)
فمهلاً أولئك مهلاً، عن التخلف عن الله والإجتراء، هلموا إلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، هُلَمَّ إلى قسم فيّكم عليكم، وإحياء كتاب الله وسنن رسوله فيكم، هلموا إلى غناء فقرائكم، والأخذ بالحق في أغنيائكم، هلموا إلى أخلاق المسلمين، والإقتداء بمن مضى من الأئمة المجاهدين، هلموا إلى الطلب بكتاب الله، والإنتصار من أعدائكم، هلموا إلى نصر الله، ونصر الحق والمحقين، هلموا إلى جهاد الفسقة الظالمين من أهل قبلتكم من جبابرتهم، من الأشراف وغيرهم. ألستم ترون ـ عبادَ اللّه المخلصين، والقايلين في الله بالتوحيد، المقرين بما ذكر الله في الوعد والوعيد إلى دينكم مقتولاً، وإلى الحقِ الذي أنزله على نبيكم مخذولاً؟ وحُكِم الكتاب معطلاً بينكم، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معدوم فيكم، يرتع أعداء الله في جنى أموال المسلمين، قد أمنوا من تغييركم عليهم، ويئسوا من نكايتكم فيهم، وبسطوا أيديهم عليهم، وحكموا بحكم الشيطان فيهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. حرموهم فيَّهم، واصطفوا مع ذلك أموالهم، وأجاعوا بطونهم، وأعروا ظهورهم، وأضاعوا سبيلهم، وأخافوهم على أنفسهم، يحتفون أموالهم، ويقتلون رجالهم، يمنعونهم النصف، ويسومونهم الخسف، هتكاً للحريم، وتمرداً على الله العظيم.(2/368)
إن شهدوا لم يصدقوا، وإن سالموا لم يتركوا، أعزاؤهم عندهم أذلة(1)، وعلماؤهم جهلاء، وحلماؤهم عندهم سُخَفَاء، وَعُبَّادهم لديهم سُفَهَاء، قد جعلوا فيَّهم بينهم دَوَلاً، وأولادهم لهم خدماً وخَوَلاً، يشبعون ويجوعون، ويسعون(2) في رضاهم ومصالحهم، و[هم] يسعون في هلاكهم وسخطهم، فهم لهم خدم لا يُشْكَرون، وأعوان لا يُؤْجَرون، هممُهم هِمَم حميرهم، همَمُهم ما واروه في بطونهم، وباشروه بفروجهم، واستغشوه على ظهورهم، نهارهم دايبون في إخمال الهدى والحق، وليلهم في التلذذ والطرب(3) والفسق، فراعنة جبارون، وأهل خيلاء فاسقون، إن استُرْحِموا لم يَرْحموا، وإن استُنْصِفوا لم يُنصِفوا، وإن خُوِّفوا لم يخافوا، وإن قَدَروا لم يُبقوا، وإن حكموا لم يعدلوا، وإن قالوا لم يَصْدُقوا، لا يذكرون المعاد، ولا يزكون العباد، ولا يُصلحون البلاد، رافضون معطلون للنكاح، مظهرون مُعتكفون على السفاح، المنكر(4) بينهم ظاهر، وافعال قوم لوط أفعالهم، وأعمالهم في ذلك أعمالهم، يتخذون الرجال ويأتونهم من دون النساء، ويظهرون الفجور علانية والردى، ويأتون في ناديهم المنكر، ويجاهرون بذلك العلي الأكبر، سفهاؤهم أمراؤهم، وأشرارهم حكامهم، وعظماؤهم أردياؤهم، الغدر شيمتهم، والفسق همتهم، إن عاهدوا نقضوا، وإن أمَّنوا(5) غدروا، وإن قالوا كذبوا، وإن أقسموا حنثوا، قد قتلوا الأرامل والولدان، وحرموهم ما جعل الله لهم من السُّهمان، قد قتلوا الكتاب والسنة، وأظهروا المنكر والبدعة، وخالفوا ما بعث الله به النبي(6)، وحكموا بغير حكم(7) الكتاب المنزل، اضداد الحق والمحقين، أولياء الباطل والمبطلين، وحزب الشيطان، وخصماء القرآن، وأعداء الرحمن، في الفسق منغمسون، وعن الحق مُجْنبون، لم ينالوا ما نالوا من
__________
(1) كذا ولعلها: أذلاء.
(2) في ب: ويشفعون.
(3) في (ج): والطرف.
(4) في ب: المسكر.
(5) في ب: ائتمنوا.
(6) في ب: به الرسل.
(7) في (ب): بغير ما حكم.(2/369)
أولياء الله إلاَّ بالغدر، ولم يقدروا عليهم إلاَّ بالختر(1)، وعقد مواثيق الله له في أعناقهم، وبسط أمان الله وأمان رسُوله له منهم(2)، فإذا ركن إلى عظيم ما يعطونه، ووثق بجليل أيمانهم؛ قتلوه من بعد ذلك غادرين، ومثلوا به ناكثين، لا فيما أعطوه من عقود الله ومواثيقه له ينظرون، ولا في الأيمان المؤكدة التي له يفكرون، اجتراء على الله العظيم، وعُدولاً منهم عن الصراط المستقيم، عنوداً عن الحق المبين، ومُضادة لأحكام أرحم الراحمين، ومخالفة لسُنن الرسول الأمين، ومباينة ومجانبة لشرائع الإسلام، وتشبها بفعل أهل الشرك والكفر والطغيان، بل الكفار الطغاة أوفى بالعهود منهم، وأحفظ لعهودهم منهم لعهدهم، وأقل اجتراء منهم في كثير من الأمور على خلافهم، وهم في ذلك يدعون أنهم أئمة المسلمين، وقادة المؤمنين، وخلفاء الواحد الكريم، وولاة الواحد العظيم(3). كلا والذي نفس يحيى بيده، ما ولى الله أولئك في خلقه، ولا قلَّدهم شيئاً من أمره، ولا أجاز لهم أمراً ولا نهياً في شيء من أرضه، وكيف يكون ذلك والله سبحانه يقول لنبيه صلى الله عليه إبراهيم خليله، حين سأله ان يجعل ذريته أئمة كما جعله هو صلى الله عليه إماماً؛ فأخبره الله سبحانه أنَّه لا يجعل الولاية إلا للمتقين، ولا يعقد الإمامة لأحد من الفاسقين، ولا يعقد عقدها للظالمين، وذلك قوله سبحانه: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]؟! فمنع من عقده وعهده، ومؤكد إمامته؛ كلَّ ظالم من خلقه. فأي ظلم يرحمك اللّه أو غشم، أو فسق أو إثم؛ أعظم مما فيه من هو يدعي أنَّه إمام المسلمين، وأمير المؤمنين؛ من الذين أماتوا الكتاب
__________
(1) الختر كالغدر وزناً ومعنى أو أقبح الغدر.
(2) في ب: أمان اللّه ورسوله منهم.
(3) في أ: وولاة للعظيم الرحيم.(2/370)