عاند، مشاق لله محارب، إلى النار عادل وعن الجنة مجانب، قد بآء من الله باللعنة، وجاهره بالمعصية، ووجب على الإمام إن حاربه حربه، وقتله وإهلاكه، وإن لم يحاربه، وتخلف عن نصرته، وجب عليه إبعاده وإقصاؤه، وإبطال شهادته، وإزاحة عدالته، وطرح اسمه من مقسم الفي، ووجب على المسلمين منابذته في العداوة والاستخفاف به، والاستهانة بكل أمره، لا يسعهم غيره، ولا يجوز لهم فيه سواه. ألا تسمع كيف يقول العزيز الكريم، فيما نزل على نبيه من القرآن العظيم؛ إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيْتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيْلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ}[التوبة: 38 ـ 39].(2/356)
ومن الدليل على ما قلنا به من هلاك من تخلف من دعوة الحق، أو تثاقل عن إجابة محق، قول الله سبحانه لرسوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}[التوبة: 83 ـ 84] فأمر الرسول بالرفض لهم، ولم يأذن في الخروج لهم ثانية أخرى(1)، عقاباً عن التخلف عنه، والتربص به، وحرمهم الخروج وسهام الغنائم، والسهام(2) لا تقع إلاَّ لمن حاما عليها، ولا تقسم إلا لمن كان حاضراً لها، وحرمهم ولاية الرسول وتوليته، وأوجب عليه(3) العداوة لهم. وبأقل من ذلك ما يقول الله سبحانه: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ}[الفتح: 15] يريد بقوله: {قَالَ اللَّهُ}؛ أي حكم الله عليكم، وأمرنا به فيكم.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (ج): إذ السهام.
(3) في (ج): عليهم، وهو سهو.(2/357)
وفيما ذكرنا من هلاك المتخلفين(1)؛ عن دعوة الحق والمحقين، ما يقول أصدق الصادقين، فيمن قال لإخوانه وتأَخَّر: {لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ}، فقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}[التوبة: 81]. وفي إهلاك الله وإخزائه للمتخلفين عن الحق والمحقين؛ ما يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}. فنهى رسوله عن الصلاة عليهم، والوقوف على قبورهم، وحرم عليه الاستغفار لهم، ولم ينه عن ذلك إلاَّ في غوي، هالك عنده معذب شقي. ثم أخبر أن المرتابين الذين هم في ريبهم يترددون، والتردد فهو: الشك، والشك فلا يكون في حَقٍّ؛ إلا من أهل الفجور والفسوق.
__________
(1) في (ج): المخلفين.(2/358)
ومَن أضلُّ عند الله وأَهْلَكُ، أو أشد عذاباً عند الله أو آفَكُ، ممن تخلف عن الحق وهو يعرفه، وسوَّفَ بإلاقبال عليه. فكذلك لعمر أبي الجفاة الرافضين(1) للحق والمحقين، المتأولين في ذلك على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما لم يجعل الله إلى التعلق به سبيلاً. أشد عذاباً عند الله وآلم تنكيلا، ممن لم يعرف ما افترض الله عليه في الجهاد، فهو يتكمه في البلاء(2) متحيراً عما اهتدى إليه غيره من العباد، فنعوذ بالله من التخلف عن أمره، والصد عن سبيله، فلا صدَّ يرحمك الله أَصَدُّ، ولا جرم عند الله أشد؛ من جرم من تخلف عن الحق؛ ممن نُظِر(3) إليه من السواد الأعظم من الكبراء وبه يقتدي العوام من العلماء والجهلاء، بل تخلف من كان كذلك ثم تخلف(4)؛ فقد عطل ورفض الحق، وأضعف دعوة الصدق؛ لأن كثيراً من ضعفة المؤمنين يقتدون بأفاعيله، لثقتهم به، واتكالهم على دينه(5)، ونظرهم إلى عزيمته، إذ قصرت عزائمهم، وصغرت عن كثير من ذلك بصائرهم، فهُم له أتباع في كل أمره، لا يعدلون عن قوله ورأيه، ولا يفعلون إلاَّ بفعله، وإن نهض نهضوا، وإن أقام أقاموا، وإن نصر نصروا، وإن خذل خذلوا، فكلهم مأخوذ بنفسه؛ إذ هو مقصر عن مدى غيره، والمنظور إليه منه فمأخوذ بهم؛ إذ علم أنهم إليه ينظرون، وإياه ينصرون.
__________
(1) في (ب): الرافضية.
(2) في (ج): في البلاد. نخ
(3) في (ج): ممن ينظر.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: بل من كان.
(5) في (ج): على رأيه.(2/359)
فيا ويل من تخلف عن الله وخالف الهدى، وركن إلى الأولاد والدنيا، أما سمع قول الله تعالى فيما نزل من القرآن الكريم حين يقول لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ لِلْمُخَلَّفِيْنَ مِنَ الأَعْرَابِ سَتُدْعَونَ إِلَى قَومٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] فأوجب لمن اتبع الجزاء الحسن والثواب، ولمن تخلف عن ذلك أليم العقاب. فنعوذ بالله من البلاء، والحيرة والشقى، والركون إلى ما يزول ويغنى، والأشره له على ما يدوم ويبقى، فهذه سبيل من تخلف عن فروض الواحد الجليل.(2/360)