بالتحريض عليه للعباد، حيث يقول: {يَا أَيُّهَا النَّبِي حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى القِتَالِ}[الأنفال: 65]، ويقول تبارك وتعالى: {وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ}[آل عمران: 69 ـ 70] وما ذكر الله من تفضيل الجهاد؛ فأكثر من أن يُحيط به كتاب، وهو معروف عند من رزق فهمه من ذوي الألباب، وكيف لا يكون للجهاد في سبيل الله فضل على جميع أعمال المؤمنين وبه يحي الكتاب المنير(1)؟ ويُطاع اللطيف الخبير، وتقوم الأحكام، ويعز الإسلام، ويأمن الأنام، وينصر المظلوم، ويتنفس المهموم، وتتجلى(2) الفاحشات، ويعلو الحق والمحقون، ويخمل الباطل والمبطلون، ويعز أهل التقوى، ويذل أهل الردى، وتشبع البطون الجائعة، وتكسى الظهور العارية، وتقضى غرامات الغارمين، وينهج سبيل المتقين، وينكح العزاب(3)، ويُقتدى بالكتاب، وترد الأموال إلى أهلها، وتفرق فيما جعل الله من وجوهها، ويأمن الناس في الآفاق، وتفرق عليهم الأرزاق.
__________
(1) في ب: وبه نبه الكتاب المبين.
(2) في (ج): وتنفى.
(3) في ب: الأعزاب.(2/351)
ثم إن الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله حظر الجهاد، مع جميع من خلق من العباد؛ إلاَّ من اصطفى وأتمن(1) على وحيه من عترة رسوله صلى الله عليه وعليهم، الذين هدى بهم الأمة من الضلالة والهلكة، لما في الجهاد من القتل والقتال، وسفك الدماء، وأخذ الأموال، وهتك الحريم، وغير ذلك من الأحكام، وذلك فلا يكون إلاَّ بإمام (عادل) (2)مفترض الطاعة، وذلك لا يكون إلاَّ من آل محمد صلى الله عليه وعليهم، الذين اسنقذ الله بهم الأمة من شقاء الحفرة، وجمع بهم كلمتها، وألف بين قلوبها(3)، من بعد الافتراق والاختلاف، والتشاجر وقلة الائتلاف، فأصبحوا بنعمة الله على المحق مؤتلفين، ولما كانوا عليه من الكفر مجانبين، يعبدون الرحمن من بعد عبادة الأوثان، ويقرون بمحمد عليه السلام، داخلين في النور والإسلام، ناجين من عبادة الشيطان، تالين لآيات القرآن، يتلونه آناء الليل وأطراف النهار، ويقرون بالربوبية للواحد الجبار.
قد اختار الله لهم منهم أئمة هادين، وجعلهم من ولد نبيه خاتم النبيين. وفي ذلك ما يقول: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ} [القصص: 68] من أهل النبوة، وموضع الرسالة، ومعدن الحكمة، وبيت النجاة والعصمة، الذين أمرَ الخلق باتباعهم، والكينونة معهم دون غيرهم، وذلك قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ}[التوبة: 119] وفيهم وفي آبائهم ما يقول سبحانه: {إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ}[المائدة: 55] فجعل الولاية لهم خاصة، وثبت الإمامة فيهم، وأنزل الوحي عليهم بذلك.
__________
(1) في ب: وأفن.
(2) سقط من (ج).
(3) في (ج): قلوبهم.(2/352)
وفيهم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً، كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض )). فبين بذلك أنَّه من تمسك بهم نجا، ومن تخلف عنهم هوى.
وفيهم يقول رسول الله صلى الله عليه وآله: (( ما أحبنا أهل البيت أحد، فزلت به قدم إلاَّ ثبتته قدم، حتى ينجيه الله يوم القيامة )).
وفيهم يقول: (( إن مثل أهل بيتي فيكم كمثل سفينة نوح، من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
وفيهم يقول تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] فجعل طاعتهم موصولة بطاعة رسوله، وطاعة رسوله موصولة بطاعته، ومعصيتهم مقرونة بمعصية نبيه، ومعصية نبيه مقرونة بمعصيته. فمن عصاهم فقد عصا الله ورسوله، ومن أطاعهم فقد أطاع الله.(2/353)
والذي افترض طاعته(1) ذو الجلال والإكرام، من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله سلم على جميع من خلق وذرأ من الأنام، وبنى على طاعته وموالاته دعائم الإسلام: الورعُ الفاضل، التقي الكامل، الباذل(2) لنفسه العالم، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، الفَهِم بمعاني الكتاب، المتفرع فيما يحتاج إليه من الأسباب، المجرد في أمره، الداعي إلى سبيل ربه، المباين للظالمين، الناهض بحجة رب العالمين، الكاشف لرأسه، المجرد لسيفه، الرافع لرايات الحق، المظهر لعلامات الصدق، الزاهد في حُطام الدنيا، الراغب في الآخرة التي لا تفنى، والحافظ للرعية المواسي لهم، المتحنن عليهم، المقرب غير المُبَعِّد، المُهَوِّن غير المُجْهِد، القارن لهم بنفسه في جميع أمره، الشفيق عليهم، الآخذ لمظلومهم من ظالمهم، المستوفي لحق الله من أيديهم، والرَّاد له في مصالحهم، والمفرق لفَيِّهم فيهم، المُسلِّم له إليهم، العادل في قسمه، المساوي بين رعيته في حكمه، الطارح الجبريَّة والتكبر، البعيد عن الخيلاء والتجبر(3) والباسط لكفه(4)، المنصف لأهل طاعته، المتفَقِّد لجميع معائشهم، الحامل لهم على ما أمروا به من أديانهم، الممضي لأحكام الله فيهم، القائم بقسط الله عليهم، الرؤف الرحيم بهم، العزيز عليه عنوتهم، المُتَعَنِّي بالجليل والدقيق من أمرهم(5)، المشبه في ذلك لجدّه، ولما ذكر الله من أمره، حيث يقول سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 128] الشجاع السخي، الفارس الكَمِي.
__________
(1) في (ج): طاعتهم.
(2) في ب: الدال.
(3) كذا، ولعلها: التبختر.
(4) في (ج):لكنفه.
(5) في (ج) من أمورهم.(2/354)
فإذا كان كذلك ثم دعاهم إلى نفسه، والقيام لله بحقه، وجبت على الأمة طاعته، وحرمت عليهم معصيته، ووجبت عليهم الهجرة إليه، والمجاهدة بأموالهم وأنفسهم معه وبين يديه(1)، وكانت طاعته والهجرة إليه، والمجاهدة بأموالهم معه، والتجريد في أمره، وبذل الأموال والأنفس، والمبادرة إلى صحابته، والكينونة تحت كنفه؛ فرضاً من الله على الخلق، لا يسعهم التخلف عنه ساعة، ولا التفريط في أمره فينة، إلاَّ بعذر نافع(2) مبين عند الله سبحانه، من مرض أو عرج، أو عمى، أو فقر مدقع، عن اللحوق به مانع، وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[التوبة: 41] فمن كان على واحدة من هذه الأربع الخصال، جاز له التخلف عند الواحد ذي الجلال، ومن لم يكن كذلك وجب عليه فرض المهاجرة والمقاتلة، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيْماً}[الفتح: 17] ويقول سبحانه: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}[التوبة: 92] فجعل الله لمن كان على مثل هذه الحال من الفقر؛ في تخلفه عن الجهاد مع المحق من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العذر، فأما من سلم من ذلك، ولم يكن في شيء من أحواله كذلك، ثم تخلف عنه، من بعد أن تبلغه دعوته، وتنتهي إليه رسالته، أو يقع إليه خبره؛ فهو غادر، في دين الله فاجر، ولرسوله معاند، وعن الحق والصراط المستقيم
__________
(1) في (ب): والمجاهدة معه بأموالهم وبين يديه.
(2) في (ج): قاطع.(2/355)