فأما الإستحقاق فهو: ولادة الرسول، والعلم، والورع، والزهد، والدعاء إلى الله، وتجريد السيوف، وخوض الحتوف، وفَضِّ الصفوف، ومجاهدة الألوف، ورفع الرايات، ومنابذة(1) الظالمين، وإقامة الحدود على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وردها في سبلها التي جعلها الله لها وفيها، مع الرأفة والرحمة(2) بالمؤمنين، والشدة والغلظة على الفاسقين، والشجاعة عند البأس(3)، والمجاهدة للكافرين والمنافقين.
فهذا باب الإستحقاق للإمامة.
والعَلَم والدليل فهو: توفيق الله، وتسديده لوليّه وتأييده، وإيتاؤه الحكمة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [الحديد: 21].
ودليل ذلك وعَلَمه الذي يدل على أنَّه قد آَتَى وليّه الحكمة؟ ما يظهر من الإمام من الأمور المعجزات لأهل دهره، من حسن علمه، ودقائق فهمه، وحسن تعبيره وتمييزه، والمعرفة بالتأني لتعليم رعيته، وتفهيمها بما تحتاج إلى فهمه، حتى يكون معه من الشرح لما يسأل عنه، والتبيين لما يأتي به، والإحتجاج فيه وعليه بالحجج البالغة، والبراهين النيّرة التي لا توجد عند غيره، ولا يَنَال شرحَها، والإحتجاج بها سواه، مع التأتي لقبول عقول العالمين(4)، لما به يأتي من الحق المبين، والأمر المستبين(5)، مع استنباطه لعلم دقائق الكتاب، ودقائق الحلال والحرام في كل الأسباب؛ التي لا يقع عليها إلا من تولى الله اللطف به، وتوحد بالهداية لقلبه، ممن قلده أمر رعيته، وحكم له بالإمامة على بريته.
__________
(1) في (ج): ومباينة.
(2) في (أ): مع الرحمة والزلفة.
(3) في (أ، ج): عند حين البأس.
(4) في هامش (ج): المعلمين.
(5) في (أ، ج): المنير.(2/341)
وهذه الأشياء التي ذكرنا ـ من حسن البيان والشرح، وإيضاح ما يُحتاج إليه من دقائق حسن التعبير، وجيد التمييز؛ الذي لا يوجد في سواه؛ فهي العَلَم والدليل (على إمامته، وعقد الله سبحانه ما عقد له منها. وذلك يا بُنَيّ العَلَم الأكبر، والدليل) (1) الأوفر، على عقد الله الإمامة لمن كان ذلك فيه، وعنده ولديه.
والحجة فيما قلنا به من أن هذا أكبر الأعلام والدلائل: أن الله تبارك وتعالى تعبد الخلق بمسموع، ومعقول، فالمعقول: ما أدرك بالنظر والتمييز بالعقول(2). والمسموع فهو: ما يسمع بالأذان من الْمُسمِع المؤدي من نبي، أو وصيّ، أو إمام مهتدي، وإذا كان فرض الله ومتعبده لخلقه بالمسموع؛ كانت حاجة السامع إلى تأدية المسمَع لازمة؛ إذ كانت حجة الإستماع على المستمع واجبة، وإذا كان ذلك كذلك؛ احتاج الإمام المسمع للرعية إلى أن يكون ـ في الكفاية والفهم، والمعرفة بالشرح والتبيين، ودقائق حسن التعبير وجيد التفصيل، ومبين التفهيم، والمعرفة بالتأتي لتعليم الرعية، وتفهيم البرية لما يحتاجون إليه ـ على غاية ما يكون؛ لأن ذلك كله تأدية عن الله لما افترض على الخلق من المسموع، فإذا كمل في هذه الأشياء؛ فقد أكمل(3) في التأدية عن الله لفرائضه المسموعة في كل معنى. فلذلك قلنا: إن حسن التأدية بلطائف التعبير، وحسن الإسماع للسامعين في التأدية والتفسير؛ أكبر أعلام الإمامة، وأدل الدلائل على الحكمة التي يؤتيها الله أولياءه؛ لأن من أتاه الله الحكمة؛ فهو عند الله من أهل الولاية والمحبة، ومن تولاه الله وأحبه؛ فهو آهَلُ الناس من الله بالإمامة، وأولاهم منه سبحانه بالكرامة.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): بالمعقول.
(3) في (ب): كمل.(2/342)
فمن كان كذلك من ولد رسول(1) الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الإمام المفترض الطاعة، الذي لا يجوز(2) لأحد خذلانه، ولا يسع رفضه، ولا يؤمن بالله خاذله، ولا يوقن بالوعد والوعيد تاركه.
فافهم يا بني هداك الله ما شرحنا لك من أعلام النبوة ودلائلها، وأعلام الأوصياء ودلائلها، وأعلام الأئمة ودلائلها؛ التي تدل على عقد الله الإمامة لمن عقدها لهم، والحكم منه سبحانه بها فيهم، فقد شرحت ذلك لك شرحاً مجملاً، وفسرت لك بعض ما تحتاج إليه تفسيراً كاملاً.
فلا تلتفت إلى غير ما قلنا من أقاويل الهزّاجين(3)، وتعبُّث العباثين، وزخاريف كلام المتكلمين، وافتراق أقاويل الجاهلين؛ ممن يقول: إنّ الإمامة بإجماع الرعية، وقول من يقول: بل هي لما يوجد من الآثار المروية في الملاحم المذكورة، وقول من يقول: بل هي بالوراثة لولد بعد والد، ولا يلتفتون ويلهم لما تستحق به الإمامة من البينات، والشواهد النيرات، همج رعاع، وللجهال أتباع، لم يقتدوا بالحكمة؛ فيعلموا ما به تحق الإمامة لصاحبها على الأمة، قد جعلوا الحكم بها وفيها لغير من حكم الله، وجعلوا الحكم بها إلى غير الله، فركبوا من ذلك مركبا وعراً، واكتسبوا به في الآخرة ناراً وعاراً، اعتمدوا في أكبر أمور الله وفرضه من الإمامة على التقليد، فقلدوا الحكم بها كبراءهم في كل الحالات، وطلبوا إثباتها من أبواب الرِّوايَات(4)، جهلاً بما عظم الله من قدرها، وتصغيراً لما كبَّر الله من أمرها، فتكمهوا بذلك في ظلم العمايات، وغرقوا في بحور الجهالات، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]، فلا يبعد الله إلاَّ من ظلم، وأساء وغشم، وحسبنا الله ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي القدير.
__________
(1) في (ج) : الرسول.
(2) في (ب): لا يحسن.
(3) في (أ): الهرَّاجين.
(4) في هامش (ج): الرَّويَّات.(2/343)
فأما ما تقول به الإمامية، الضالة الهالكة العمية، وتجتري به على الله الواحد الجليل، فيما تذكر وتصف من العَلَم والدليل؛ فقول لا يَلْتَفت إليه عاقل، ولا يشك في بطلانه إلاَّ عم أحمق جاهل، وذلك أنها زعمت وقالت؛ فيما به تكلمت وذكرت: أن الدليل والعَلَم في إمامها خلاف ما كان في نبي من أنبياء الأمم، وأنه يأتي بما لم يأت به الأنبياء؛ من بدع محالات في كل الأشياء، ومن قال بمحال؛ فليس يثبت له قول في حال من الحال، فزعمت أنَّه يختم بخاتمه في الصفا ويؤثر، فيقرأ نقش خاتمه فيها كما يقرأ في الشمع والطين، وينادي فيما زعمت الإماميَّة في السماء مناد: إن فلان بن فلان (بن فلان)(1) إمامكم الهادي المهدي، بُوراً في قولها، وتعدياً في أمرها، وإحالة في حجتها، وغلواً في دينها. ولو كان ذلك يكون لأحد من العالمين؛ لكان لمحمد خاتم النبيين، ولو نادى من السماء مناد بنبوة النبي؛ لما اختلف فيه من فراعنة قريش منصف ولا غوي.
وقولُهَا ـ قُبِّحت أقوالُها ـ قولٌ شاهد بالزور عليها في كل أحوالها، لا يلتفت إليه أحد، ولا يُوجد لمُتعلق به ملتحد، فضيحة على من دخل فيه، ومهتكة هاتكة لمن نسب إليه. ولا دليل ولا علم ولله الحمد أدل مما به قلنا، من دلائل الإمامة، وشرحنا؛ من معجزاتها التي فسرنا.
فاعلم ذلك علماً يقيناً، وليثبت في قلبك ثباتاً مبيناً، يبن لك به الصواب، وينجل عنك الإرتياب إنشاء الله، والقوة بالله وله.
تم والحمد لله وصلواته علىخير خلقه محمد وآله وسلم.
*****
رسائل وكتب
في
الإمامة
تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
صلوات الله عليه
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
تثبت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه من كتاب الله عزَّ وجل، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إن سأل سائل، أو تعنت متعنت جاهل، عن تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
__________
(1) سقط من (ج).(2/344)
قيل له: أيها السائل المتكلم، المسترشد المتعلم؛ تثبت له بقول الله سبحانه، وقول رسوله المصطفى محمد عليه السلام.
فإذا قال: أوجدونا في الكتاب ما قال الله، وبينوا لنا كيف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قيل له: قال رسول الله صلى الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي ))، ثم قال: (( (أيها الناس)(1) إنَّه سيكذبُ علي من بعدي، كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني (من حديث)(2) فأعرضوه على كتاب الله، فما شاكل كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وما لم يشاكل كتاب الله فليس مني ولم أقله )). فلما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى )) علمنا أنَّه لم يقل ذلك محاباة، ولا اختياراً منه ولا مصافاة، إلاَّ بأمر من الله واجب، وحق مبين ثاقب، فلما قال صلى الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى ))؛ وجدنا تصديق قوله صلى الله عليه مُثْبتاً في الكتاب، وهو قول الله عزَّ وجل: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً} [هود: 17] ، فلما قال الله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}؛ صدق قول اللّه سبحانه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى ))، لقول الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ}، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( علي مني (بمنزلة هارن من موسى)(3) ))، وقال الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ} كان رسول الله من علي وعلي منه، بقول الله وبقول رسوله عليه السلام؛ كرهنا أو احببنا، شِئْنا ذلك أو أبينا، لا ننظرفي ذلك إلى قول محب مريد، ولا نلتفت إلى قول مبغض مكابر عنيد، ولا نأخذ في ذلك بتصديق محب، ولا ننظر أيضاً في تكذيب مبغض؛ لأن الله سبحانه قد حكم في ذلك بما حكم، واختار سبحانه ما اختار، فقال تبارك
__________
(1) ليس في (أ).
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ، ج).(2/345)