الجواب في ذلك: إن كانت مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض، أويعرى، أو يتلف إذا خرج من تلك البلدة؛ فليس هذا له بعذر؛ لأن الله عزَّ وجل يرزقه في بلده وغيرها.
وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ولم تكن له حيلة في الإنسلال عنه، وكان لا محالة واقعاً في يده إن خرج؛ فله في ذلك العذر، إلى(1) أن يأتيه الله عزَّ وجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن لا يَعْمَل عملاً يأخذ منه فيه السلطان فليفعل.
[معنى قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء.. الآية]
وسألته عن قول الله سبحانه: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26].
والملك ها هنا الذي يؤتيه من يشاء؛ فهو جبايات الدنيا وأموالها، والذين يشاء أن يؤتيه إياهم؛ فهم: الأنبياء، ثم الأئمة من بعدهم، والذين يشاء أن ينزعه منهم؛ فهم: أعداؤه؛ من جبابرة أرضه. ومعنى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ}؛ فهو: الحكم بالملك لهم صلوات الله عليهم، فمن حكم الله له بالنبوة أو بالإمامة حكماً، وأوجب له الطاعة على الأمة باستحقاقه لذلك الموضع إيجاباً؛ فقد أتاه الملك؛ لأن الملك هو: الأمر والنهي، والجبايات والأموال التي تقبض، التي بها قوام العساكر، واتخاذ الخيل، والرجال، والسلاح، من جميع أداة الملك، فمن أجاز الله له قبض جبايات الأرض، وإقامة أحكامها وحدودها، وأوجب له الطاعة على أهلها؛ فقد آتاه الله الملك حقاً، أولئك هم السابقون بالخيرات صلوات الله عليهم، ومن لم يحكم له بشيء من ذلك، ولم يجزه له، ولم يطلق يده، ولم يوجب له الطاعة على أحد من خلقه، فقد نزع الله ملك أرضه منه، وأبعده عنه، أولئك أعداؤه، وجبابرة أرضه، الحاكمون بغير حكمه، المغتصبون لما جعل الله سبحانه لأوليائه المنفذين لما حكم به في خلقه وبلاده، أولئك يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً.
__________
(1) في (ب): إلا.(2/336)


فسبحان من لم يقض بشيء من ذلك لأعدائه، ولم يؤثر غير أوليائه.
وفي نفي الحكم منه بشيء من ذلك لأعدائه، ما يقول لنبيه إبراهيم صلى الله عليه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]، والعهد فهو: العقد بالإمامة، والحكم لهم بالطاعة. ومعنى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}؛ فهو: لا يبلغهم، ولا يجيزهم (1).
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: (( اللوح علم الله، وكرسيه علمه، اللوح علم الله الذي وسع كل شيء؛ مما كان(2) أو سيكون )).
تم ذلك والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم تسليماً.
****
جواب مسألة النبوة والإمامة
m (3)
قال أبو القاسم محمد بن الهادي إلى الحق رضي الله عنه:
سألت أبي صلوات الله عليه عن الحجة والدليل على نبوءة الأنبياء، وإرسال الله لهم تبارك وتعالى، وعن الدليل على إقامة الأوصياء أوصيا الأنبياء، وثبات حجتهم على الأمة، وعن ثبات الإمامة لمن ثبتت له من الأئمة، وبأي سبب ثبتت بها طاعته، وعلى البرية وجبت؟
فقال: سألت يا بني حاطك الله وهداك رشدك ووفقك؛ عن مسألة هلك فيها خلق من المتكلفين، وحار عن فهمها كثير من المتكلمين؛ فقال من ضل عن الحق، وتكمه في ذلك عن طريق الصدق: إن إمامة الإمام تثبت بإجماع الناس عليه، وحسن رأيهم فيه. وليس ذلك كذلك، بل تثبت الإمامة لمن حكم الله له بها، وقلده بحكمه إياها.
وكذلك القول في الأنبياء، فالنبي من تنباه الرحمن، وبعثه بالهدى والإحسان؛ إلى جميع الإنسان، فأقام معه الشرائع والبرهان.
وكذلك الأوصياء، لا تثبت وصاة نبي إلى وصي حتى تثبت له في ذلك حقائق الصدق، ودلائل براهين الحق.
__________
(1) في (أ): تم ذلك وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ج): ما كان.
(3) في (أ): بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، وصلى اللّه على محمد النبي وآله وسلم.(2/337)


قلتُ: وما هذه البراهين والدلالات؛ التي حار فيها كثير من أهل المقالات، وتكلم فيها بالأمور العظيمات المعجبات؟
قال: قد سألت فاستقصيت، فافهم ما نقول، وما إليه قولنا يؤول.
ثم اعلم أنَّه لا تثبت نبوءة نبي في قلوب العالمين، ولا يستدلّ عليها أحد من التابعين، ولا تثبت وصية الوصي، ولا حجة بحق(1) مضي، ولا تثبت إمامة إمام، ولا تجب طاعته على أهل الإسلام؛ إلاَّ باستحقاق وعلامات، وشرائع ودلالات، وعَلَم قائم، ودليل يدل على أنَّه هو صاحب ذلك المعنى، والمتولي لجميع هذه الأشياء.
فأما استحقاق الأنبياء صلوات الله عليهم للنبوَّة؛ فهو بالطاعة منهم لله، والاجتهاد منهم في مرضاة الله، والنصح لعباد الله(2)، فإذا علم الله من ضميرهم أنهم إن بعثوا كانوا كذلك، وإن أمروا قاموا لله بذلك؛ أمرهم سبحانه حينئذٍ ونهاهم، وبعثهم واجتباهم، ثم أبان معهم العَلَم والدليل، الذي يدل على أنهم رسل مبعوثون برسالته إلىخلقه، مبشرين، ومنذرين، مخوفين لعذابه، مبشرين بثوابه، هادين إلى طريق سبله(3)، {لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
وعَلَم الأنبياء ودليلها فهو ما جاؤا به من المعجزات، وأظهروه للخلق من العلامات؛ الشاهدات على أنهنَّ من عند الرحمن؛ اللواتي لا ينالهن ولا يطيق إيجادهنَّ أحد من الإنسان.
__________
(1) في (أ، ج): لحق.
(2) لعل من ظاهر هذا الكلام أخذت (المطرفية) ما ينسب إليها من القول بأن النبوة تأتي جزاء على العمل، وليس لهم فيه مأخذ؛ إذ هو في سياق بيان أن النبوة والإمامة لاتكون بالإختيار من الناس، وإنما تكون بالاختيار من اللّه لمن سبق في علمه أنه يطيعه إذا بعثه، وذلك واضح.
(3) في (أ): سبيله.(2/338)


مثل ما جاء به موسى عليه السلام؛ من ادخاله يده في جيبه (فخرجت بيضاء من غير سوء. ومثل ما جاء به من انقلاب العصا إلى خلق حيّة)(1)، وغير ذلك من باقي التسع الآيات، وغير ذلك مما كان يأتي به من الدلائل المعجزات والعلامات.
ومثل ما جاء به عيسى صلى الله عليه؛ من التكلم في المهد، ومن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وغير ذلك من علاماته، مما نكره التطويل بذكرها، وقد يجزي ذكر قليلها عن كثيرها.
ومثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معجزاته الهائلات، وأموره الناطقات، وأسبابه الشاهدات؛ بالنبوة والرسالات. مثل: مجيء الشجرة إليه ورجوعها إلى موضعها، وإنباء الناس بما في صدورهم، وإعلامهم بما في ضميرهم، وذلك من إنباء الله له بذلك، وإعلامه إياه به. ومثل ما كان من فعله في شاة أم معبد ،وما كان منه من الفعل في التمرات من غداء جابر بن عبد الله، وذلك أنَّه أخذ كفاً من تمر، فوضعه في وسط ثوب كبير، ثم حرّكه ودعا فيه؛ فزاد ورَبَا، حتى امتلأ الثوب تمراً. وما كان منه في عشاء جابر بن عبد الله، صاع من شعير وعناق صغيرة أكل منها ألف رجل. وما كان منه في الوشل الذي ورده هو والمسلمون في غزوة تبوك )) فوضع يده تحت الوشل، فوشل فيها من الماء ملؤها، ثم ضربه ودعا فيه، فانفجر بمثل عنق البعير ماءً، فشرب العسكر كله معاً، وتزودوا ما شاؤا من الماء. وغير ذلك مما نكره التطويل من معجزاته(2)؛ لأنَّه مفهوم معروف عند أهل العلم.
فكانت هذه المعجزات مع ما ذكرنا من أسباب الإستحقاق من عَلَم النبوة، والدليل على نبوة الأنبياء، وبَعْث الله لهم في البريَّة تبارك وتعالى.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ج): من معجزاته.(2/339)


وكذلك الأوصياء فلا تثبت للخلائق وصية الأنبياء إليهم إلاَّ باستحقاق لذلك، والعَلَمِ والدليلِ. فأما الإستحقاق منهم لذلك المقام الذي استوجبوا به من الله العَلَم والدليل؛ فهو فضلهم على أهل دهرهم، وبيانهم(1) عن جميع أهل ملتهم؛ بالعلم البارع، والدين، والورع، والإجتهاد في أمر الله. وَعَلَمهُم ودليلهم؛ فهو العلم بغامض علم الأنبياء، والإطلاع على خفي أسرار الرسل، وإحاطتهم بما خصَّ الله به أنبيائه، حتى يوجد عندهم من ذلك ما لا يوجد عند غيرهم من أهل دهرهم، فيستدل بذلك على ما خصهم به أنبياؤهم، وألقته إليهم من مكنون علمها، وعجائب فوائد(2) ما أوحى الله به إليها؛ مما لا يوجد أبداً عند غير الأوصياء.
من ذلك ما كان يوجد عند وصي موسى، وعند وصي عيسى عليهم السلام ما لا يوجد عند غيرهم، من أهل دهرهم.
ومن ذلك ما وجد عند وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، من ذلك ما أجاب به في مسائل الجاثليق، ومن ذلك ما كان عنده من علم كتاب الجفر، وما كان عنده من علم ما يكون إلى يوم القيامة، مما أطلع الله عليه نبيه، وأطلع نبيه وصيه، لم يعلمه من رسول الله صلى الله عليه أحد غيره، ولم يقع عليه سواه.
فهذا الذي لم يوجد عند غير الأوصياء من أهل مللهم؛ فهو عَلَم الأوصياء المبين لها، والدليل الدال بالوصية عليها.
وكذلك الأئمة الهادون، الداعون إلى الله المرشدون؛ بانَتْ إمامتهم، وثبت عقدها من الله لهم، بخصال الإستحقاق، وبالعَلَم والدليل الذي بانوا به من غيرهم، وامتازوا به عن مشاكلة أهل دهرهم.
__________
(1) يعني تميزهم.
(2) في (ج): فوائدها.(2/340)

168 / 209
ع
En
A+
A-