قال: معنى قوله: {أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ}؛ فهو: أرني آية من عظيم آياتك، أنظر بها إلى قدرتك، وأزداد بها بصيرة في عظمتك وقدرتك، فقال: {لَنْ تَرَانِي}، يقول: لن تقدر على نظر شيء من عظيم الآيات؛ التي لو رأيتها لضعف جمسك، ولطف مركبك ولأهلكتك، ولما قدرت على النظر إليها لعجزك وضعف مركبك، {وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى} هذا {الْجَبَل}؛ الذي هو أعظم منك خلقاً، وأكبر منك جسماً؛ {فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ} إذا أريته بعض ما سألتني أن أريكه؛ {فَسَوفَ تَرَانِي}، يقول: فسوف ترى ما سألت من عظيم الآية، ولن تقدر على ذلك أبداً، ولا تقوم له أصلاً، {فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً}، معنى {تَجَلَّى رَبُّهُ}؛ أي أظهر آيته، وأبان قدرته؛ جعله دكاً، {وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً}؛ يقول: مغشياً ميتاً؛ لما رأى من الهول العظيم الذي لا يقدر على رؤيته لعجزه وضعفه؛ وإن كان الذي أظهره الله وأبانه (1) من لطيف آياته، فجاز أن يقول: {تَجَلَّى رَبُّهُ}؛ لما كان ذلك من فعله وتدبيره، وأمره وإرادته. وهو كقوله: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمَامِ}[البقرة: 210]؛ يقول: تأتيهم الآيات، ومايريد أن يُحِلَّ بهم من العذاب والنقم والآفات. وقوله: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}[القيامة: 22 ـ 23] فمعنى قوله: {نَاضِرَةٌ}؛ يقول: نضرة مشرقة حسنة، وهذا معروف في اللغة والبيان، تقول العرب للرجل إذا أرادت له خيراً: نضر اللّه وجهك، وقوله: {إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ}، أي ناظرة لثوابه، وما يأتيهم من خيره وفوائده، ومن ذلك ما تقول العرب: قد نظر اللّه إلينا، وقد نظر الله إلى بني فلان إذا أصابهم الخصب بعد الجدب، والرخاء بعد الشدة. وإنما أراد بذلك أن الله قد رحمهم وأتاهم بالنعمة، {فَلَمَّا أَفَاقَ} موسى صلى الله عليه، {قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ
__________
(1) في (ج): وأتى به.(2/331)
إِلَيكَ وَأَنَا اَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ}[الأعراف :143]، يقول: لو ابتليتني وأريتني وأظهرت لي من بعض ما سألتك، مما أهلكت به الجبال الراسية لما قام لها جسمي، ولأهلكتني بقليلها، ولما احتمل ذلك لطيف خلقي، وضعف مركبي، أنظر إلى عظيم ما ذهبت به الجبال الراسية، فلك الحمد على ما صرفت عني من ذلك، رحمة منك بي، وتفضلاً علي، وزيادة وإحساناً إلي.
فهذا معنى قوله: {أَنْظُرُ إِلَيكَ}، لا ما ذهب إليه من جهل وزعم أن الله يرى، سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيرا. كيف وهو يقول في كتابه: {لاَ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}[الأنعام: 103]؟!
[آيات موسى التسع]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ}[الإسراء: 101] ما الآيات التي آتاه الله؟
فقال: العصى التي تلقف ما يأفكون.
ومنها: اليد البيضاء، وهو قوله: {اَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ}[النمل: 12].
ومنها: الكلام الذي سمعه من الشجرة.
ومنها: الكلام الذي سمعه من النار.
قلت: وما سمع منها؟
قال: قول الله في كتابه: {فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَولَهَا وَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ}[النمل: 8].
قلت: فما معنى قوله: {أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَولَهَا}؟
قال: أما قوله: {مَنْ فِي النَّارِ}؛ فإنما أراد بذلك ما سمع من الكلام في النار، وأما قوله: {وَمَنْ حَولَهَا}؛ فهو من حضر من الملائكة حول النار.
ومنها: الحجر التي كان يحملها على حماره من مكان إلى مكان، وكانت حجراً مُلَمْلَمةً لا صدع فيها، فكان إذا احتاج إلى الماء ضربها بالعصى، فانبجست بالعيون، ثم يدفنها فيخرج الماء من كل جانب منها، فإذا استغنى هو وأصحابه أخرجها؛ فرجعت على حالتها أولاً ثم حملها معه.(2/332)
ومنها: البحر الذي ضربه بالعصى فانفلق، حتى سار في وسطه هو وأصحابه بأمر الله سبحانه، حتى خرج آخر أصحابه، ودخل آخر أصحاب فرعون تبعاً لموسى وقومه، فأغرق الله فرعون وقومه، ونجى نبيه عليه السلام والمؤمنين.
ومنها: طور سيناء.
وقد قيل والله أعلم: إن من الآيات التي آتاه الله: الجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ولا ندري ما صحة ذلك، غير أن الصحيح ما ذكرت لك أولاً، وهو بَيِّنٌ نيّر.
[معنى قوله: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ}]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [الصافات: 96]. قال: الذي عنى بذلك سبحانه فهي: الحجارة التي ينحتونها أصناماً، ويعملونها لهم آلهة، وما أشبه ذلك من الأنصاب التي يعبدونها. فهذا معنى: {وَمَا تَعْمَلُونَ}، فالله خلقهم ومفعولهم، ولم يخلق سبحانه فعلهم، والمفعول(1) فهو: الصنم الذي ينحتونه من الحجارة، وفعلهم فهو: الحركة التي كانت منهم، من الرفع والوضع والنحت، فالله(2) خلق الحجر الذي عملوه صنماً، ولم يخلق الفعل الذي كان منهم في نحت الحجر.
[محمد صلى اللّه عليه وآله هل كان متعبداً قبل النبوة؟]
__________
(1) في (ب): والمعقول. وهو تصحيف.
(2) في (أ، ب): والله.(2/333)
وسألته صلوات الله عليه عن محمد صلى الله عليه، ما كان عمله قبل أن يتنبأ؟ وهل كان على شريعة عيسى صلى الله عليه أم لا؟ فقال: سألت عن أمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان على ما كان عليه الأنبياء من قبله، منذ خلق الله آدم إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه؛ من الإقرار بالله، والتوحيد له، والتعظيم، والإجلال، والمعرفة به، وبعدله ، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وكان مقراً بالأنبياء كلهم، غير جاحد لنبوتهم. وكان صلى الله عليه ينظر ما يأتي به أهل الكتاب من عظيم محالهم، وقبيح فعالهم؛ الذي ذكره الله سبحانه عنهم، وذمهم عليه، فكان ينكر فعلهم، ويذم جرأتهم على ربهم، ولم يكن صلى الله عليه يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ولا يحسن ترجمتهما، وكان يعيب أفعال الذين يقرأونهما؛ لما يأتون به من الأمر الذي لايرضاه الله، ويستنكره عقله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن معهم على شريعتهم،وكان في أصل المعرفة بالله كمعرفة عيسى صلى الله عليهما، مقراً عالماً بأن كل ما جاء به موسى وعيسى حق صلى الله عليهم جميعاً.
[تفسير: لاحول ولاقوة إلا بالله]
وسألته عن تفسير: {لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ}.
[وتفسيرها] فهو: لا حول ولا محال، ولا إدبار ولا إقبال، إلاَّ بالله. ومعنى إلاَّ بالله؛ فهو: إلاَّ بتمكين عباده، وذلك الحول بما جعل فيهم من الاستطاعة(1)، ولا مقدرة على شيء من الأشياء؛ إلاَّ بما جعل الله من ذلك في تلك الأعضاء، وأعطى خلقه في كل ذلك من الأدوات والأشياء؛ التي تكون فيهم بها القوة والحول، وينالون بوجودها ما يحبون من فعل وطول.
[تفسير العرش والكرسي]
وسألته عن تفسير العرش والكرسي.
__________
(1) في (ب): بما جعل من استطاعة.(2/334)
فقال: معناهما واحد، وهو الملك الذي علا كل شيء ملكه واقتهاره، ألاتسمع كيف يقول سبحانه، إن كل شيء من الأشياء، من الأرض والسماء؛ في عرشه وكرسيه؛ فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255]؟ فأخبر أن الكرسي الذي هو العرش واسع على السموات والأرض، وإذ قد وسعهما بشهادة الله سبحانه فقد دخلتا فيه، وحازهما وأحاط بهما، فإذا كان ذلك بقول الله سبحانه؛ فهما فيه لا هو فيهما، وهو المحيط بهما لا هما المحيطان به.
وإذ قد كان ذلك كذلك فقد بطل ما يقول الملحدون، وزال ما يصف المشبهون، وثبت ما يقول الموحدون؛ من أن العرش هو الملك، والإحاطة من الله سبحانه، فنفاذ (1) الإرادة، ومضي المشيّة؛ في السموات والأرض وما فيهن، وأن ملكه المحيط بهن وعليهن، والمحيط بهن فهو كرسيه وعرشه.
[الرجل يدعي معرفة ما يكفيه من العلم]
وسألته عن الرجل يقول: قد فهمت وعرفت ما افترض الله علي، فأنا أكتفي باليسير، ولا أتعب نفسي بتعليم الكثير، وأنا أقوم بحلال الله وحرامه، فهذا يجزيني عن طلب غيره من العلم.
الجواب في ذلك: أن الله عزَّ وجل لم يغفر لأحد بالجهل، فالواجب عليه أن يكون عمره كله في طلب الخروج من الجهل إلى العلم، وفي ذلك ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( اغد عالماً، أو متعلماً، ولاتكن الثالث(2) فتهلك ))؛ يعني الممسك عن طلب العلم.
[تسليم الجباية للظالم قسراً مع عدم التمكن من الهجرة عن بلده]
وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد تولى أمر البلد سلطان ظالم، والسلطان يقتضي (3) منه جباية بغير طيبة من نفسه، وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه التلف.
__________
(1) في (ب، ج): ونفاذ.
(2) في (أ، ج): الآخر.
(3) في (أ): يقبض.(2/335)