قلت: فالبرهان الذي رآه يوسف صلى الله عليه ما هو؟ قال: هو ما جعل الله فيه من علمه، وخصه به من المعرفة به، والخوف في علانيته وسره. وإنما كان ذلك ابتداءً منها، ومراودة له على نفسه. كان من قولها له: أن يا يوسف إن لم تأتني أتيت أنا إليك، فقال: معاذ الله من ذلك، فقامت فأرخت ستراً كان على باب البيت، وكان في البيت صنم لها تعبده من الذهب له عينان من ياقوتتين حمراوين، فكانت تستحييه (1) وتعبده، فقال لها يوسف صلى الله عليه: لم أرخيت هذا الستر؟ فقالت: إني خفت أن يراني(2) هذا الذي في البيت، فأرخيت الستر حياءً منه، وإجلالاً له. فقال لها: فإذا كنت أنت تستحيين من صنم لا يبصر ولا يسمع، ولا يضر ولا ينفع؛ فكيف لا أستحيي أنا من الذي خلقني وخلقك، وخلق هذا الذي تخافين، ومنه تستحيين؟ بل أخاف وأستحيي الذي خلقني وخلقكم(3) وهو خالق السموات والأرضين. ثم نهض منها هارباً بنفسه، فلحقته إلى باب الدار فقدت قميصه، {وَأَلْفَيَا سَيَّدَهَا لَدَى البَابِ}، وهو زوجها الملك، وذلك أنهم كانوا يسمونه السيد لموضعه عندهم، ورفعته فيهم، فقالت له: {مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءاً إِلاَّ أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ قَالَ} ـ يوسف :ـ {هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي}[يوسف: 25 ـ 26]، فتحير الملك واشتبه عليه الأمر، وكثر فيه القول. فذكر بعض الرواة أن الذي حكم في ذلك صبي صغير كان في المهد، واختلف فيه، والذي صح عندنا في ذلك أنَّه كان صبياً قد عقل، وهو من أبناء خمس سنين أو شبيه بها، فأتي به إلى الملك فقال: {إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ} هي فيما ذكرت، من مراودته لها عن نفسها، {وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ} هي فيما ادعت، {وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ} في قوله، ومراودتها له عن نفسه، فأتي بالقميص إلى الملك؛
__________
(1) في (ب، ج): تستحسنه.
(2) في (ب): يرانا.
(3) في (ج): وخلقك.(2/326)


فنظر إليه فإذا هو مقدود من دبره؛ فقال: {إِنَّهُ مِنْ كَيدِكُنَّ إِنَّ كَيدَكُنَّ عَظِيمٌ}[يوسف: 26ـ 28]. ثم بدالهم من بعد ذلك فألقي في السجن، وكان في السجن رجلان من خدم الملك؛ فلما كان من إعلامه لهما بتأويل رؤاياهما على الحقيقة بعينها، فلما رأى الملك رؤياه؛ أتى أحد الرجلين إلى يوسف فقص عليه ذلك؛ فأخبره بتأويله، فلما انتهى ذلك إلى الملك؛ بعث(1) إلى النسوة يسألهن عن خبره؛ فـ{َقَالَتِ امْرَأَةُ العَزِيزِ الآنَ حَصْحَصَ الْحَقَّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} فيما تبرأ منه وأنكره؛ {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ}[يوسف: 51 ـ 53]. فهذا ما كان من خبره عليه السلام.
[قصة داود عليه السلام ومحنته]
وسألتُه عن قول الله سبحانه: {وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ} إلى قوله: {فَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ}[ص: 21 ـ 24].
__________
(1) في (ب): وبعث.(2/327)


فقال: هذا خبر من الله سبحانه عما نبه به نبيئه داود صلى اللّه عليه في أمنيته من نكاح امرأة (( أوريا ))، وذلك أنه لما سمع الطير أشرف به الطير على رأس جدار، فأشرف داود ينظر أين توجه الطير، فوقعت عينه على امرأة(1) (( أوريا )) وهي حاسر؛ فرأى من جمالها ما رغبه فيها؛ فقال: لوددت أن هذه في نسائي، ولم يكن منه غير هذا التمني. وكل ما يروى عليه صلى اللّه عليه من سِوى ذلك فهو باطل كذب، فلما أن تمناها نبهه اللّه عز وجل وعاتبه في السر، وقد أعطاه أكثر من حاجته، فبعث إليه ملكين، فتمثلا له في صورة آدميين؛ فتسورا عليه من المحراب وهو يصلي، فدخلا عليه ففزع منهما، وظن أنها داهية قد دهته، وعدو قد هجم عليه في محرابه في وقت خلوته؛ فقالا له: {لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُمْ بَينَنَا بِالْحَقِّ وَلاَ تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ}[ص: 22]؛ يريدان (2) {لاَ تُشْطِطْ}، أي لا تَمِلْ إلى أحدنا فتشطط على الآخر. ومعنى {تُشْطِطْ}؛ فهو: تشدد على أحدنا في غير حق، {سَوَاءِ الصِّرَاطِ} وسواء الصراط فهو: معتدله ومستقيمه، ووسطه وقَيِّمه. والصراط فهو: طريق الحق ها هنا وأَوْضَحه. وكان لداود صلى الله عليه تسع وتسعون منكحاً من الحرائر والإماء، وكان لأُوريا هذه المرأة وحدها، فمثلا أنفسهما لداود بداود وأوريا، فقال أحدهما: {إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا} ومعنى: {أَكْفِلْنِيهَا} فهو: أتبعنيها وردنيها إلى نعاجي، {وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ}[ص: 23] يقول شطني في الطلب، وألح في تمنيها وطلبها؛ وذلك أنها لم تكن تسقط من نفس داود من يوم رآها، يتذكرها ويتمناها؛ فقال داود صلى الله عليه: {لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطَاءِ
__________
(1) في (ج): مرأة.
(2) في (ب): يريد.(2/328)


لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ}[ص: 24]؛ فلما قال هذا لهما تَغَيّبا من بين عينيه، فإذا به لا يبصرهما ولا يراهما، فعلم عند ذلك الأَمرَ كيف هو، وأنهما ملكان، وأن الله بعثهما إليه لينبهاه من غفلته، ويقطعا عنه بذلك ما في قلبه؛ من كثرة تذكره مرأة (أوريا)(1) صاحبه، فأيقن أنها فتنة من الله، والفتنة هاهنا فهي المحنة. ومعنى: {ظَنَّ دَاوُدُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ}؛ فهو أيقن داود بذلك من الله، {فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ} إليه من ذلك التمني والذكر لهذه المرأة، فلم يذكرها بعد ذلك اليوم حتى زوجه الله إياها حين أراد تبارك وتعالى، بعد أن اختار لأوريا الشهادة فاستشهد وصارت إليه، فمن بعد ذلك زوج اللّه داود مرأة أوريا، وبلغه أمله، وأعطاه في ذلك أمنيته، فجاءه ذلك وليس في قلبه لها ذكر، ولا إرادة ولا تَمَنٍّ.
ولم يكن لداود صلى الله عليه في أوريا ولا قتله شيء مما يقول المبطلون؛ من تقديمه في أول الحرب، ولا ما يذكرون من طلبه وتحيّله في تلفه بوجه من الوجوه، ولا معنى من المعاني، كذب العادلون بالله، وضل القائلون بالباطل في رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فهذا تفسير الآية ومخرج معانيها.
[إبراهيم عليه السلام وآية إحياء الموتى]
وسألته عن قول إبراهيم صلوات الله عليه: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}[البقرة: 260].
__________
(1) ليس في (أ، ج).(2/329)


قال: إنما أراد بذلك صلى الله عليه أرني آية، أَزْداد بها علماً وبصيرة، وأعرف سرعة الإجابة لي منك، حتى يثبت ذلك عندي، ويقر في قلبي معرفة من ذلك، فأمره الله سبحانه أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يجعل على كل جبل منهن جزءً، ثم أمره أن يدعوهنّ(1)، ليريه من عجيب قدرته، وشواهد حكمته؛ ما يزداد به معرفة في دينه، ويثبت عنده علم ما سأل عنه من آيات ربه، فأراه اللّه ذلك فازداد بصيرة وإيقاناً، ومعرفة وبياناً.
[موسى عليه السلام وطلب النظر إلى ربه]
وسألتُه عن قول موسى صلى الله عليه: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ}[الأعراف: 143].
__________
(1) في (ج): يدعيهن.(2/330)

166 / 209
ع
En
A+
A-