فلما صار يونس في السفينة، وركب أهلها واستقلت بهم، وطابت الريح لهم، أرسل الله حوتاً فحبس السفينة، فعلم القوم عند احتباسها أنها لم تحبس بهم إلاَّ بأمر من الله قد نزل بهم، فتشاور القوم بينهم، وتراجعوا القول في أمرهم وما قد نزل بهم وأشفقوا، فقال لهم يونس: يا قوم أنا صاحب المعصية، وبسببي حبست بكم السفينة، فإن أمكنكم أن تخرجوني إلى الساحل فافعلوا، وإن لم يمكنكم ذلك فالقوني في البحر وامضوا؛ فقال بعضهم: هذا صاحبنا،وقد لزمنا من صحبته ما يلزم الصاحب لصاحبه، وليس يشبهنا(1) أن نلقيه في البحر فيتلف فيه على أيدينا ونسلم نحن، ولكن هلموا نَسْتَهِم، فمن وقع عليه السهم ألقيناه في البحر، فتساهم القوم فوقع السهم على يونس، ثم أعادوا ثانية فوقع عليه، ثم أعادوا ثالثة فوقع السهم على يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت ومضى في البحر، وكان يونس صلى الله عليه ينظر إلى عجائب البحر من بطن الحوت، وجرت سفينة القوم بهم.
__________
(1) أي يحسن منا.(2/321)


قال: ولبث يونس صلى الله عليه في بطن الحوت ما شاء الله من ذلك، فاستمط شعره وجلده (1)، حتى بقي لحمة، ومنع الله منه الموت. فلما علم الله توبته، وقد نادى بالتوبة: {أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ}[الأنبياء: 87] فاستجاب له، وتقبل توبته، ورحم فاقته، فأرسل ملكاً من الملائكة فساق ذلك الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فألقى يونس من بطنه، وقد ذهب شعره وجلده، وذهبت قوته، فرد الله جسمه على ما كان عليه أولاً، من تمام صورته، وحسن تقويمه، وأنبت الله له شجرة اليقطين ـ وهي الدُّبَّا ـ فكان يأكلها، فلما اشتدت قوته، واطمأن من خوفه وإشفاقه، أرسله الله إلى قومه، وكانوا في ثلاث قرى، فمضى إلى أول قرية فدعاهم إلى اللّه وإلى دينه، فأجابه نصفهم أو أكثر من النصف، وعصاه الباقون، فسار بمن أطاعه إلى العصاة لأمره، فحملهم عليهم وقاتلهم، فقتلهم وأبادهم، وسار إلى القرية الثانية فدعا أهلها، واعذر إليهم وأنذرهم، فأجابه منهم طائفة، فحمل المطيع على العاصي فقتلهم وأبادهم. ثم سار إلى القرية الثالثة وكانت أعظمها وأشدها بأساً ومنعةً، فدعاهم إلى الله، وأعذر إليهم، وأنذر وحذر ما حل بإخوانهم، فلم يجبه منهم أحد، واستعصموا على كفرهم؛ فسار إليهم وخرجوا إليه، فحاربهم فلم يقدر عليهم، فلما كان بعد وقتٍ، وعلم الله منه الصبر على ما أمره به من طاعته، والإعذار إلى خلقه؛ أمر الله جبريل صلى الله عليه فطرح بينهم ناراً، ثم أرسل الرياح فأذرت النار عليهم، وعلى منازلهم ورجالهم، فأحرقتهم جميعاً ودمرتهم.
فهذا ما سألت عنه من خبر يونس عليه السلام.
[قصة أيوب عليه السلام]
وسألته عن قول أيوب صلى الله عليه: {إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}[ص: 41].
فقال: معنى قوله: {مَسَّنِى}؛ فهو ما كان من كلامه ووسوسته له.
__________
(1) أي ذهبا وتفسّخا.(2/322)


وذلك أن أيوب صلى الله عليه قد كان جعل ضيافة أضيافه إلى امرأته، فأتاه إبليس اللعين فقال: يا أيوب إن امرأتك قد فضحتك اليوم في أضيافك، فأتاها فقال: ما الذي حملك على أن تفضحيني في أضيافي؟ أقسم لأضربنك مائة ضربة بالعصا. فلما همَّ بالذي أقسم به من ضربها؛ أتاه الملعون إبليس فقال: يا أيوب سبحان الله، أيحل لك أن تضرب امرأة ضعيفة، لم تجرم جرماً، ولم تأت قبيحاً، ولم تفعل أمراً تستحق به منك ضرباً، وليس لها قوة على ضربة واحدة، فكيف مائة ضربة، فلا تهلكها، وتأثم بربك في أمرها؟! فلما تركها وكف عنها(1) أتاه من موضع آخر؛ فقال: يا أيوب سبحان الله كيف يحل لك أن تقعد عنها، وقد حلفت لتضربنها، ولا ترجع عن يمينك، ولا تأثم بالله ربك؟! فلما رجع إليها ليضربها(2)؛ أتاه بالوسوسة على مثل ما أتاه(3) أولاً، فلم يزل يفعل كذلك حتى دخله الغم، وعظم عليه الأمر؛ فانقلب على ظهره وجعل يفكر وينظر، وخالطه من الوسوسة ما غلبه على أمره، فلم يزل كذلك حتى تَقَرَّح ظهره، ولزمه المرض العظيم، واشتد به (4) الأمر، وتمادت به العلة، وذهبت ما شيته، وافترق ماله، ومات أولاده، ومرضت المرأة من الغم والحزن. فلما رأى ذلك من كان معه في المنزل؛ أخرجوه صلى الله عليه إلى ناحية منه على خط الطريق، وليس يقدر أن يرفع يداً ولا رجلاً، واشتد(5) به البلاء، وهو مع ذلك صابرٌ محتسب. فلما كان يوماً (6) من الأيام مضى به نفر، فلما رأوه ونظروا إلى ما هو فيه من عظم البلاء وشدة النتن؛ قالوا: والله لو كان هذا ولياً لله لأجابه، ولكشف ضره، ولما أصابه شيء من هذا؛ فلما سمع ذلك من قولهم: {نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ}؛ فجاز أن يقول: مسني الشيطان، لما أن كان ذلك من
__________
(1) في (ب): وعفى عنها.
(2) في (ج): ليضربنها.
(3) في (ج): الذي أتاه.
(4) في (أ، ج): وشد به.
(5) في (أ، ج): وشد.
(6) كذا في النسخ، ولعلها على حذف الجار.(2/323)


وسوسته، وكيده وسببه؛ فاستجاب الله له فقال: {ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ}[ص: 42]، ولم يقدر أن يرفع يداً ولا رجلاً؛ فضرب بعقبه فانبثقت عليه عين؛ ففارت(1) وارتفعت حتى كانت أكبر من جلسته، فجعلت تنسكب عليه وهو يغتسل بمائها وهي تقلع عنه كل ميت، وتنقي عنه ما كان به من الأقذار، وتميط عنه الأذى، وجعل يشرب منها ويخرج ما في جوفه من العلة، حتى نَقِيَ بدنه ورجع إلى أفضل ما كان عليه أوَّلاً، وردالله عليه أهله وماله، وأمره أن يأخذ ضغثاً فيضرب المرأة كفارة اليمين التي حلف، فقال بعض الرواة: إنَّه أخذ من هذا الذي يكون فيه التمر فجمع منه مائة غصن(2) فضربها به ضربة. وقال بعضهم: إنَّه ضربها به ضربتين. واختلف في ذلك، غير أن الصحيح من ذلك أنَّه قد جمع ضغثاً فضربها به.
قلت: فإبليس كيف كان إتيانه إلى أيوب صلى الله عليه؟
قال: لم يره عياناً، وإنما سمع كلامه ولم ير شخصه. وقد قال بعض الجهلة: إنَّه تصوّر له في صورة غير صورته، وليس ذلك كما قالوا، وكيف يقدر مخلوق أن يغير خلقته، ويحول نفسه صوراً مختلفة؟! وليس يقدر على ذلك إلاَّ الله رب العالمين، الذي خلق الصور والأجسام، ونقلها من حال إلى حال، فسبحان الله رب العرش(3) عما يصفون، ولا إله إلاَّ هو الرحمن الرحيم.
[قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز]
وسألته عن قول الله سبحانه في يوسف صلى الله عليه، من قوله: {وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَولاَ أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ}[يوسف: 24]؛ كيف كان همها به؟ وكيف هم بها؟
فقال: كان همها هي هم شهوة ومراودة، وكان همه بها هم طباع النفس والتركيب.
ألا ترى أنك إذا رأيت شيئاً حسناً أعجبك، وحسن في عينك، وإن لم تهم به لتظلمه، وتأخذه غصباً من أهله؟
__________
(1) في (ب): فثارت.
(2) في (ب): عصل.
(3) في (ب): رب العالمين.(2/324)


وكذلك إذا رأيت طعاماً طيباً أولباساً حسناً أعجبك، وتمنيت أن يكون لك مثله، وأنت لا تريد بإعجابك به أخذه، ولا أكله إلاَّ على أحل ما يكون وأطيبه، ولم ترد بقولك إنك تأكله أو تلبسه أو تنكحه إلاَّ حلالاً؟
قلت: بلى. قال: فكذلك كان هم يوسف صلى الله عليه في زوجة الملك.
قلتُ: قد سمعنا بعض الرواة يذكر أنَّه منع يوسف عليه السلام من إتيانها انه رأى يعقوب صلى الله عليه كأنه يزجره عنها ويخوفه.
قال: قد قيل فيه شبيه من ذلك، وليس القول فيه كذلك، وحاش لله أن ينسب ذلك إلى نبي (من أنبياء)(1) الله. قلت: فقد كان يروى لنا ذلك بين الملأ، ويتحدث به في المساجد. قال: قد ذكر ذلك، جلَّ اللهُ عن كل ما يقول فيه الملحدون، وينسب إليه الضالون. وليس قولهم هذا في أنبياء الله، وروايتهم الكاذبة عليهم؛ بأعظم من كذبهم وجرأتهم على الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علواً كبيراً. ألا ترى كيف شبهوه بالأشياء من خلقه، وجعلوه جسماً ذا أعضاء وأجزاء مختلفة؟ فتعالى عن ذلك من ليس كمثله شيء.
ولقد ناظرت رجلاً ممن ينتحل التشبيه؛ فألزمته أن يقول: إن الله مخلوق، أو ينفي عنه التشبيه؛ فاختار أن يجعله مخلوقاً وكره أن ينفي عنه التشبيه. فهذا أعظم الأمور، وأقبح الأقاويل كلها.
__________
(1) ليس في (أ، ج).(2/325)

165 / 209
ع
En
A+
A-