قيل له: الدلائل على ذلك: الأخبار المتواترة، التي لا يجوز على مثلها الشك، عن قوم متفرقي(1) الديار، بعيدي الهمم، مختلفي التجارات والصناعات، والألسن والألوان، يعلم أن مثلهم لا يجوز عليهم الإجتماع والتواطؤ، فلما أجمعوا ينقلون هذا الخبر؛ علمنا عند خبرهم ـ إذ جاء هذا المجيء ـ أنَّه حق وصدق؛ لأنه لو جاز على مثل ما ذكرنا التواطؤ (على الكذب)(2) لكنا لا ندري لعلنا إذا دخلنا مثل البصرة والكوفة، أو بعض هذه الأمصار التي لم ندخلها؛ فقيل لنا: هذه مكة، هذه الكوفة، وهي المدينة، أنهم قد كذبوا، وأن أهل البلد قد تواطؤا على أن يخبرونا بخلاف ذلك.
فإن قلت: لا يجوز لأهل بلد واحد أن يتواطؤا، ويجتمعوا على شيء واحد.
قلنا: وكذلك لا يجوز أن يكون من خبرنا عن نبينا محمد عليه السلام أنَّه فعل كذا، أو جاء بكذا، وأخبر عن كذا؛ أن يكونوا كذبوا؛ لاختلاف أجناسهم، وبعد هممهم.
فإن كان السائل يهودياً فارجع عليه؛ فقل: بما صح عندك نبوة موسى؟ فإنه يقول: بالإعلام التي جاء بها، التي تعجز الخلائق عن مثلها.
قيل له: وبما علمت أنَّه جاء بالأعلام؟ فإن قال: بأخبار من خالفنا، فلما أن اجمعتم معنا والنصارى معكم مع خلافكم لنا؛ علمنا أن مقالنا كما قلنا، وأن خبرنا حق.
قلنا له: فأخبرنا عن أسلافكم الذين كانوا قبل أن تكونوا، إذ كانت النصارى لم تصح لكم نبوة موسى.
فإن قال: بلى.
قيل: ولم وبما، وليس هناك مسلمون ولا نصارى يجمعون معك، وزعمت أنَّه لا يصح الخبر إلاَّ بإجماع من خالفك بعدُ؛ فلو آمن الناس كلهم بموسى وصاروا على دينك بطلت نبوة موسى، إذ زعمت أن الأخبار لا تصح إلاَّ بالمخالفين. فبهذه وللنصارى مثلها على اليهود فافهمها.
__________
(1) في (أ، ج): مفترفي.
(2) زيادة من (ج).(2/311)
ومن دلالته صلى الله عليه وعلى أهل بيته وعلامته هذا القرآن، لا يقدر أحد أن يدعيه، ولا أنَّه جاء به أحدٌ غيره صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قد أعجز أهل دهره من الفصحاء والبلغاء، فلم يقدر إلى يومنا هذا كلُّ الخلق أن يأتوا بمثله، أو بسورة منه، ليس يشبه(1) الشعر، ولا الرجز، ولا الخطب، بآئن من كلام المخلوقين، وفيه أخبار الأولين والآخرين، وبعثه صلى الله عليه والعرب متوافرة، ليس فخرهم إلاَّ الشعر والبلاغة والخطب، فتحداهم بأجمعهم من أن يأتوا بسورة من مثله، عجزوا(2) وأقروا بالعجز، فعلمنا ـ إذ عجزوا أن يأتوا بمثله وهو بلغتهم ـ أن غيرهم أعجز، وعلم أهل النهى ـ إذ عجز الخلائق عن مثله ـ أنه من عند أحكم الحاكمين، وأنزله على رسوله صلى الله عليه نوراً وهدىً للعالمين.
ومن معجزاته أن قوماً من آل ذَرِيح وهم حي من أحياء العرب، وهم بمكة؛ أرادوا أن يذبحوا عجلاً لهم، وذلك في أول مبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أضجعوه ليذبحوه أنطق الله العجل فقال: يا آل ذريح، أمر نجيح، صائح يصيح، بلسان فصيح، يؤذن بمكة لا إله إلاَّ الله وأن محمداً رسول الله؛ فتركوا العجل، وأتوا المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قائم في المسجد وهو يقول: أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأني محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
ذكر خطايا الأنبياء
صلوات الله عليهم
__________
(1) في (ب): يشبهه.
(2) كذا في النسخ.(2/312)
مما سأله إبراهيم بن المحسن العلوي رحمة الله عليه (1)
m
[قصة آدم عليه السلام وإبليس وخطيئة آدم]
سُئل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه عن قول الله تبارك وتعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ}[البقرة: 34، الإسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116] كيف كان السجود من الملائكة صلوات الله عليهم؟
فقال: معنى {اسْجُدُوا لآدَمَ}؛ إنما أراد بذلك: أسجدوا من أجل (2) آدم؛ تعظيماً لخالقه؛ إذ خلقه من أضعف الأشياء وأقلها عنده، وهو الطين. فجاز أن يقال: {اسْجُدُوا لآدَمَ}؛ لما أن كان السجود من أجل خلقه.
وقوله: {فَسَجَدُوا إِلاَّ إِبْلِيسَ}، وإنما جاز أن يجعل إبليس معهم في الأمر وإن لم يكن من جنسهم؛ إذ كان حاضراً لأمر الله لهم، فأمره بالسجود معهم، وإن لم يكن جنسه جنسهم؛ لأن الملائكة صلوات الله عليهم إنما خلقوا من الريح والهواء، وخلقت الجن كلها من مارج النار، ومارج النار فهو الذي يتقطع منها عند توقدها وتأججها.
قلتُ: فما الدليل على أن إبليس من الجن؟
قال: قول الله جل ذكره: {إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}[الكهف:50].
قلت: فهل أمرت الجن كلها بالسجود، أم خص الله إبليس بذلك دونهم؟
__________
(1) هو إبراهيم بن المحسن بن عبيدالله ـ أخي محمد بن عبيدالله والد مصنف سيرة الإمام ـ بن عبد اللّه بن عبيدالله بن الحسن بن عبيدالله بن أبي الفضل قمر أهل البيت العباس بن علي بن أبي طالب الشهيد بكربلاء العلوي العباسي، من أصحاب الإمام المجاهدين معه، يؤخذ من سيرة الإمام أنه كان حياً في شهر رمضان من سنة (294 هـ)، وأنه كان مع عمه محمد بن عبيدالله في حربه للقرامطة بنجران حين طلب بعضهم كما في سيرة الإمام الهادي عليه السلام حيث له ذكر في موضع منها فقط، لم أقف على تاريخ وفاته. السيرة 344 ـ 345.
(2) في (أ): من قِبَل.(2/313)
قال: لم يأمر الله سبحانه أحداً منهم إلاَّ إبليس فقد أمره الله بالسجود دونهم.
قلت: أفمخصوصاً كان بذلك دونهم؟ قال: نعم، كان مخصوصاً بالأمر.
قلت: فعصيان آدم صلوات الله عليه في أكل الشجرة كيف كان ذلك منه، تعمداً أم نسياناً؟
فقال: قد أعلمك الله في كتابه، من قوله: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً}[طه: 115]، يقول: لم نجد له عزماً على أكلها، واعتمادها بعينها.
ولكن سلني فقل لي: فإذا كان آدم في أكل الشجرة ناسياً فكيف وجبت عليه العقوبة، وقد أجمعت الأمة على أنَّه إذا نسي الرجل فشرب في رمضان وهو ناسٍ، أو أكل وهو ناس، أو ترك صلاة حتى خرج وقتها وهو ناس، أو جامع امرأته في طمثها وهو ناس، لم يجب عليه في ذلك عقوبة عند الله؟ فكيف يجب على آدم عليه السلام العقوبة في أكل الشجرة ناسياً؟
فإن سألتني عن ذلك، قلت لك: إنما عوقب آدم صلوات الله عليه في استعجاله في أكل الشجرة، وذلك أن الله سبحانه لما نهاه عن أكل الشجرة ـ وهي البر ـ وأمره بالشعير ولم يحظرها عليه، فكان يأكل من شجرة الشعير وهي ورق، ولم تحمل ثمراً، فلما صار فيها الحب والثمر أشكل عليه أمرها، فلم يدر أيهما نهي عنه،فأتاه اللعين بِخِدَعِهِ وغروره، فقاسمه على ما ذكره الله في كتابه؛ فقال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}[الأعراف: 20]، فاستعجل آدم فأكل من الشجرة، ولم ينتظر الوحي في ذلك من عند الله، فعوقب في استعجاله في أكلها، وقلة صبره لانتظار أمر ربه.
قلتُ: فكيف كان كلام إبليس وخدعه إياه؟ هل كان تصور له جسماً، ورآه عياناً؟
فقال: إنما سمع آدم كلامه، ولم يره جسماً. وقد رويت في ذلك روايات كذب فيها من رواها، وكيف يقدر مخلوق أن يخلق نفسه على غير مركب خلقه، وفطرة جاعله؟ هذا ما لا يثبت ولا يصح عند من عقل وعرف الحق.(2/314)
قلتُ: فقد كان محمد النبي صلى الله عليه يخاطب جبريل، ويعاينه على عظيم خلقه، وجسيم مركبه!
فقال: إنما كان جبريل عليه السلام ينزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم على صورة(1) لطيفة يقدر على رؤيتها وعيانها. وصح عندنا أن النبي محمداً عليه السلام رأى جبريل في صورة (( دِحْيَة الكلبي (2) ))، وإنما ذلك خلق احدثه الله فيه، وركبه عليه؛ لما علم من ضعف البشر، وأنهم لا يقدرون على النظر إلى خلق الملائكة؛ لعظيم خلقهم، وجسيم مركَّبهم. فلما علم الله تبارك وتعالى من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ـ ولم يكن جبريل عليه السلام يقدر على تحويل صورته ومركَّبه من حال إلى حال؛ لضعف المخلوقين وعجزهم عن ذلك ـ نقله الله سبحانه على الحالة التي رآه محمد عليه السلام فيها، نظراً منه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وما فعله الله فليس من فعل خلقه. فلك في هذا كفاية إن شاء الله.
قلت: فهل كان آدم صلى الله عليه طمع في الخلود؛ لما قاسمه (عليه)(3) إبليس على النصح؟ قال: إنما كان ذلك منه صلوات الله عليه طمعاً أن يبقى لطاعة الله ولعبادته، فأراد أن يزداد بذلك قربة من ربه.
قلت: فما معنى قوله: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}[طه: 121]؟
قال معنى قوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوآتُهُمَا}؛ فهو سوء فعلهما، لا كما يقول من جهل العلم، وقال بالمحال: إن اللّه كشف عورة نبيه وهتكه. وكيف يجوز ذلك على الله في أنبيائه؛ والله لا يحب أن يكشف عورة كافر به؟ فكيف يكشف عورة نبيه؟
__________
(1) في (أ): في خلقةِ صورةٍ.
(2) هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي جليل، نزل المِزَّة، ومات في عهد معاوية.
(3) ليس في (ج).(2/315)