وأما المؤمن به، والعامل بطاعة خالقه، المتحري(1) في أمره لما أمره به خالقه، فكيف تكون تلك حاله(2)، وإنما جعل الله الطيّبات للمؤمنين خاصة دون الفاسقين، فقال في كتابه عز وجل لأنبيائه عليهم السلام: {يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً} [المؤمنون:51]، وقال في كتابه: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِيْنَةَ اللهِ الَّتِي أَخَرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَومَ القِيَامَةِ}[الأعراف: 32]، ومعناها: ويوم القيامة، وقال في كتابه: {لَيْسَ عَلَى الَّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيْمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقُوا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقُوا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقُوا وَاَحْسَنُوا وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِيْنَ} [المائدة:93]، فلم يجعل الله سبحانه على المؤمنين حرجاً في شيء مما رزقهم، إذ أخذوه على ما جعل لهم وأمرهم به، فساروا فيه بطاعة الله، ولم يتعدوا إلى شيء مما يسخط الله؛ لأن الله عز وجل ـ أيها السائل ـ لم يجعل ما في هذه الدنيا من خيرها ومراكبها التي خلقها لشرار أهلها ولا لمن عند عن طاعة خالقها، وإنما جعلها الله للصالحين، ولعباده المتقين، يأمرون فيها بأمره، وينهون فيها عن نهيه، ويقيمون أحكامه فيها، منفذون لأمره عليها، فللطاعة والمطيعين خلقها رب العالمين، ثم أمرهم ونهاهم، وبصّرهم غيّهم وهداهم، وجعل لهم الاستطاعة إلى طاعة مولاهم، {لِيَهِلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ}[الأنفال:42].
__________
(1) في (ب): المجتري، وهو خطأ.
(2) في (ب): تلك الحالة.(2/306)


وإنما معنى الآية وقول الله: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا}، فتبكيت منه سبحانه لأهل النار، وتوقيف على تفريطهم في طاعة ربهم. ومعنى {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}، أي تركتم ومحقتم وعطلتم ما جعل الله لكم بالطاعة من النعيم المقيم، والخلد مع المتقين في الثواب الكريم بارتكابكم للمعاصي، وترككم للطاعة، حتى خرجتم مما جعل الله للمطيعين وصرتم إلى حكم الفسقة الكافرين؛ في عذاب مهين. فهذا معنى: {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ}.
تَمّ والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله الذين طهرهم من الرجس تطهيراً.
*****
رسائل وكتب
في
النبوة
إثبات النبوة
m
سألت أكرمك الله(1) فقلت: إن سألني ذمي عن اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أين تثبت؟ فقلتَ: ما أقول له؟
الجواب في ذلك أن يقال له: ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحت؛ من حيث ثبتت نبوة موسى وعيسى صلوات الله عليهما، والذي ثبتت به نبوتهما في بني إسرائيل، ووجبت طاعتهما؛ فَبِه ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواءً سواء.
فإن قال: وما ذلك الذي ثبتت به نبوتهم؟
قيل له: هي: المعجزات التي أتوا بها، والآيات التي أظهروها، التي لا ينالها مخلوق، ولا تكون إلاَّ من الخالق، ومعجزات كل واحد منهم معروفة عند أهل العلم، وقد شرحنا ذلك في مسائل ابني أبي القاسم(2)، التي في إثبات النبوة والوصية والإمامة.
والجواب في مسألتك هذه للمسلم والذمِّي سواء.
__________
(1) لا نعرف من هو السائل ولعله من الطبريين أو من أهل اليمن والله أعلم.
(2) هو الإمام محمد بن يحيى المرتضى عليه السلام.(2/307)


ويقال: إن كانت معجزات موسى وعيسى أثبتت نبوتهما (على أممهما، فقد أثبتت نبوةَ محمد معجزاته على جميع الخلق، وإن لم تكن معجزاتهما أثبتت نبوتهما) (1) عندك؛ فأخبرنا: بم تثبت نبوتهما مما هو غير ذلك؟ حتى نأتيك في محمد صلى الله عليه وسلم بحجج تقطعك وتقمعك.
فلا تجد بداً إن شاء الله أن تقول: إن المعجزات من الآيات هن اللواتي يثبتن ويصححن النبوة، ويقمن لله ولرسوله الحجة على الأمة.
فإذا أقر بنبوة محمد لثبات الحجة عليه، ووضوحها لديه، ولزومها له ـ إذ إقراره بها يثبت نبوة نبيه، ومكابرتُه فيها وقولُه بالدفع لها؛ يُبطِل قوله في نبيه ـ قيل له: اتق الله، وأجب محمداً داعياً إلى الله ورسُوله إليك وإلينا. فإن قال: قد أثبتم علي الحجة بما لم أقدر أن أدفعه في إثبات نبوته؛ إلاَّ أن أدفع نبوة نبيي؛ فقد أقررت لكم بنبوته حين اضطررت إلى ذلك؛ فهو نبيكم ورسولكم، وليس إلينا برسول.
قيل له: بل هو رسول إليك وإلى آبائك من قبلك(2)، بإقرارك لا بإنكارك، فقد أقررت بذلك ولزمك؛ من حيث ثبتت عليك الحجة في الإقرار بنبوته، وإن كنت لم تعقل ذلك ولم تفهمه، ولم يحط به عقلك فيعلمه.
فإن قال: ومن أين حكمت عليّ بذلك، وجعلتني في الحكم كذلك؟ أَبِنْ لي بذلك قولاً صواباً، وأزح لي به شكاً في قلبي وارتياباً.
قيل له: ألست قد أقررت بأنه رسول الله ونبيه؟ فلا يجد بداً من أن يقول: نعم. فيقال له: هل يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم أن تأتي بشيء من أنفسها؛ ثم تزعم أنَّه من الله دونها، وفي ذلك مالا يخفى عليك من الكذب على الله، وحاشا لرسل الله صلوات الله عليهم من ذلك. فلا يجد بداً من أن يقول: لا يجوز ذلك في الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل.
__________
(1) سقط من (ب).
(2) في (أ، ج): من قبل.(2/308)


فإذا قال ذلك، قيل له: أفليس القرآن الذي جاء به محمد من الله، وذكر أنَّه من الله؛ هو من الله، فلا يجد بداً أن يقول: نعم، هو قرآن بعث به إليكم دوننا. فإذا قال ذلك، قيل له: قد أقررت بنبوءته صلى الله عليه، وأقررت بالكتاب الذي جاء به أنَّه حق من الله؛ فقد وجدنا في هذا الكتاب تصديق إرسال محمد إليكم.
فإن قال: وأين ذلك؟
قيل له: هو قول الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً} [الفتح: 8 ـ 9]. وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} [الأعراف: 158]، ويقول: {آمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلاَ تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ} [البقرة: 41]. فكل هذا القول ـ الذي في الكتاب ـ الذي لم تجد بداً أن تقر به أنَّه من عند الله؛ فإن بطل منه حرف بطل كله، وإن ثبت أنَّه من الله؛ ثبت ووجب عليك ما أمرك الله به فيه، ولزمك الإيمان به والتصديق؛ إذ قد أقررت بنبوءة محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يجد حينئذ الذميُّ بداً أن ينصف فيقر بالحق، أو يكابر بعد ثبات الحق وبيان،، فيستدل بمكابرته على جهله وحمقه، ويستغنى بظهور جهله عن مناظرته؛ لأن الجاهل المكابر محيل، وصاحب المحال لا حجة معه.
تم ذلك
تثبيت نبوة محمد
صلى الله عليه وآله وسلم
m(2/309)


(قال يحيى بن الحسين بن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم): إن سأل سائل فقال: ما الدليل على نبوة محمد صلى اللّه عليه وآله؟
قيل له: الدلائل كثيرة على ذلك، ولكن ليس لمنكر أن يسألنا عن هذه المسألة إلا أن يكون من أهل الكتب الذين أجمعوا معنا على التوحيد والنبوات. وأما الملحدون فليس لهم أن يسألونا عن تصحيح النبوة، وهم لم يؤمنوا برب الأنبياء عليهم السلام.
فمن سألنا من اليهود والنصارى، وأهل الكتاب المقرين بالتوحيد، قلنا لهم: الدلائل كثيرة على تصحيح نبوته عليه السلام، وذلك أنَّه أتى بما يعجز الخلائق عن مثله، فلما أن أتى بما يعجز الخلائق عن مثله؛ علمنا أنَّه ليس في قدرة المخلوقين فعله، وأنه لم يفعله إلاّ الخالق، ولم يضعه إلاَّ على يدي أمين صادق.
فإن قال: فما الأعلام التي جاء بها تعجز الخلائق عن مثلها؟ قلنا له: ذلك أكثر من أن يحصى.
منه الماء القليل الذي سقى منه العالم الكثير.
ومنه الخبز القليل الذي أطعم منه البشر الكثير.
ومنه أن ذئباً تكلم على نبوءته.
ومنه أنَّه أمر شجرة فأقبلت تحد الأرض، ثم أمرها فرجعت.
ومنه كلام الذراع المسمومة له. وواحدة من هذه الأعلام تجزي، بعد أن تكون معجزة للخلق.
فلما أن أتى صلى الله عليه بهذه المعجزات(1) التي ذكرنا، علمنا أنَّه نبي صلى الله عليه وآله.
فإن قال: فما الدليل على أنَّه جاء بهذه الأعلام التي تذكرها، ومن خالفك لا يقر لك بذلك؟
__________
(1) في (أ): الأعلام نخ، وفي (ج): بهذه المعجزات الأعلام.(2/310)

162 / 209
ع
En
A+
A-