ثم يسأل فيقال له: أخبرنا عن إبليس إذا أمر العباد، ووسوس وزين لهم المعاصي، حتى يكونوا لها عاملين، ولعظائمها(1) مرتكبين، على من إثمها؟ فإن قال: على إبليس دونهم. قيل له: فإنا نجد الله قد أخبرنا في كتابه، أنَّه من أطاع إبليس فإنه من العاصين، المعاقبين على ارتكاب ما يأمره بركوبه، ويزينه ويوسوس له به، فقال سبحانه في ذلك: {فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ}[ص: 84 ـ 85]، فهل وجب عندك على من أطاع إبليس، وعمل بما أمره به من المعاصي عقوبة النيران؟ فإن قال: لا؛ كفر. وإن قال: نعم؛ ترك قوله، وخرج من حد التقليد، فلا يجد بداً من أن يقول: إن الواجب عليه عند التباس الأقوال، واختلاف الأفنان أن يرجع إلى عقله في ذلك فيتفكر به، ويميز فينظر بعقله ويتخير لنفسه، فيتفرع له من عقله من المعرفة ما يقول على الله به الحق، ويذكره بما يشبهه من الذكر الذي لا يكون إلاَّ له سبحانه. فليعلم أن المعرفة كلها خارجة متفرعة من العقل، وأنه لا تكون معرفة إلاَّ من العقل وبالعقل.
__________
(1) في (ب): ولعصيانها.(2/301)
ومن الدليل على أن المعرفة هي ثبات العقل وكماله، بان علمنا أن شُرَّابَ الخمور، وأهل الدعارة والشرور، إذا شربوها زالت عنهم الألباب، وأنها مضطرة إليه محتاجة، تعزب بعزوبه، وتحضر بحضوره، وتتفرع في ثباته، وتعدم عند عدمه، فعدمت بزواله منهم المعارف، حتى يطيح عنهم واضح البيان(1) ويزيح بما قد كان مؤدياً إليهم من بيّن اللغة واللسان، وحتى تلتبس عليه حلائله من أخواته، وأمهاته من خالاته، ويأتي على لسانه من القذف والفحش، والمنكر والدناءة، في النادي والجماعات؛ ما يفضحه ويشينه، وما لعله لو عرض مفروجاً(2) عليه عند ثبات لبه، وتفرع معرفته سوء(3) ما كان منه إذ كان لا معرفة له بما سلف منه في حال كينونته، ويأتي ـ متيقظاً ـ واحداً(4) من أفعاله في عزوب لبه؛ ما فعل ذلك أبداً، بل لعله يود أنه كان ميتاً فانياً، مفقوداً نائياً، ولا تبين منه الأشياء الفواضح، والأفعال الطوالح.
ففي أقل ما ذكرنا دليل على أنَّ المعرفة لا تثبت ولا تكون إلاَّ بالعقل ومن العقل.
فإن احتج فقال: قد نرى البهائم ـ التي نعلم نحن وأنت أنها عدمت العقول ـ تعرف أولادها وأمهاتها، وتعرف طعامها وشرابها من غيره، وتعرف ما يضرها مما ينفعها ، فتعتزل المضار، وتتبع المنافع.
__________
(1) في (ب): الثبات.
(2) كذا في (ب)، وفي (أ): مفروحاً. مهملة، وفي (ج): مفروضا، ولم أهتد إلى معناها.
(3) في (ب): سوى.
(4) متيقظاً: منصوب على الحالية، و (واحداً) مفعول يأتي. والمعنى أنه لو عرض عليه ما عرض ويأتي حال صحوه ما أتى حال سكره من الأفعال ما فعل ذلك أبداً، وهذا دليل على أنه قد فقد المعرفة عندما فقد لبه، وهو المطلوب. والله أعلم.(2/302)
قيل له: إنما كلامنا في المثابين والمعاقبين، من الجنة والآدميين؛ من المأمورين والمنهيين، الذين ينالون الطاعة والمعصية؛ بما ركب فيهم من الإستطاعة، فيكونون متخيرين لأحدهما، يثابون على طاعة إن كانت منهم، ويعاقبون على معصية إن جاؤا بها،، ولا يكون تخير الواحد من الأمرين إلاَّ من ذي لب واضح، وعقل راجح. فأما البهائم فإنها غير مأمورة ولا منهيّة، ولا مثابة ولا معاقبة، وإنما عدمت الثواب والعقاب، لما سلبته من الألباب. وأما ما يكون منها من شيء فعلى غير معرفة ثابتة ولا تمييز، وإنما يكون ما يكون منها؛ من معرفة الذكر للأنثى ومعرفتها لأربابها، ومعرفة الذكر لما يكون لاقحاً من الإناث، فهو أعرف وأكبر من معرفة الطعام والشراب، والأمهات والأولاد، فإنها(1) منها على الإلهام، وإنهن لملهمات لذلك إلهاماً، كما يلهم الطفل في صغره معرفة الثدي وطلبه له، وبكاءه وسكوته، وحزنه وسروره. وكل ما كان من الطفل بغير تمييز ولا عرفان؛ فإنما هو طبع وإلهام، حتى إذا كمل من عقله ما يحوز به التمييز من الأشياء، ميز حينئذ فاختار، فأخذ وترك، وعرف ما ينفعه مما يضره، فاجتنب ما يضره، وطلب ما ينفعه. وهو في صغره لو وضع قدامه تمر أو جمر، أو ملح، أو سكر؛ لكان حَرِيّاً بالأخذ للضار له منهما؛ لعدم عقله، وذهاب معرفته وفهمه.
ففي أقل مما ذكرنا إن شاء الله ما بين وكفى؛ عن التطويل وشفى؛ من كان مسترشداً تابعاً للهدى والحمد لله أولاً وآخراً، وصلى الله وملائكته وجميع الأنبياء والمرسلين من خلقه على محمد عبده ورسُوله النبي الأمي، الهادي المهدي، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار، الذي أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
وقلت: ما الدليل على أن الله خلق الأشياء لا من شيء؟
__________
(1) في (ج): فإنه. والضمير المؤنث للمعرفة، والمذكر لـ(ما يكون).(2/303)
والدليل في ذلك أنَّه لا يخلو أن يكون خلق أصل الأشياء ومبتدأها من شيء، أو من غير شيء، فإن خلقها من شيء أزلي، فقد كان معه في الأزلية والقدم غيره من الأشياء، ولو كان كذلك تعالى الله عن ذلك؛ لم تصح له الأزلية، وإذا لم تصح له الأزلية؛ لم تصح له الوحدانية، وإذا لم تصح له الوحدانية؛ لم تصح له الربوبية؛ لأن من كان معه شيء لا من خلقه؛ فليس برب للأشياء كلها؛ إذ لم يكن لكلها خالقاً، فمن ها هنا صح أنَّه خلق الأشياء لا من شيء، وابتدع تكوين ابتدائها من غير شيء.
وقلت: لأي علة بعث الله الرسل؟ وَبعْثُهم ليكونوا حجَّة على خلقه، وليبلغوا من عنده ما تعبَدهم به من فرضه؛ إذ مفروضاته سبحانه معقول ومسموع: فما كان من المسموع فلا بد فيه من مسمع يؤديه، وناطق به عن الله بما فيه، وهم الرسل عليهم السلام، المؤدون إلى خلق الله رسائله، والمبلغون إليهم عنه مراده (منهم)(1) فلهذا المعنى ـ من تأديتهم عنه ـ بعثهم.
تم ذلك والحمد لله كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم.
وسئل صلى الله عليه، عن الرجل(2) إذا اشترى شيئاً، فوجد به عيباً؛ ثم استعمله بعد ما وجد فيه العيب.
فقال: ليس له أن يرده، وليس له إلاَّ أرشه، وهو نقصان من الثمن بالعيب.
وقال: إذا جاء المشتري يرد بعيب، وكان العيب مما يحدث مثله في تلك الأيام، ثم أقام عند المشتري، فعلى المشتري البينة أنَّه اشتراه وبه ذلك العيب.
فإن لم يكن له بينة؛ فعلى البائع اليمين ما باعه هذه السلعة وفيها هذا العيب.
وقال صلى الله عليه: إذا اشترى رجل جارية؛ فوجدها ولد زنا من أمة الرجل الذي باعها، فليس هذا عيب ترد به.
وقال: إن البول عيب في الكبير، وليس بعيب في الصغير.
تمت المسألة.
*****
__________
(1) ليس في (ج).
(2) في (ج): عن رجل.(2/304)
جواب مسألة من مسائل النباعي(1)
m
قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل صلوات الله عليهم أجمعين وعلى آبائهم الطاهرين: سألت عن قول الله عز ذكره، وجلت أسماؤه {أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِيْ حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا}[الأحقاف:20]، فقلت: ما الطيبات في هذه الدنيا؟ أهو ما يتنعم به الناس ويلبسونه من صالحيهم وطالحيهم؟
وإن(2) من لبس الثياب السريّة، وأكل الطعام الفائق، وركب الخيول حلالاً كان أو حراماً، فقد أذهب طيبات الآخرة، بما أطلق لنفسه من استعمال طيبات الدنيا.
فأما الكافر وأسبابه؛ فقد استغنينا عن الفتش في أمره بما قد وجدنا(3) من حاله، كثرت دنياه أو قلت، فمصيره إلى النار.
__________
(1) لم أعرفه له ترجمة وعلى ذهني أنه ذكر في سيرة الإمام الهادي اسم محمد بن زكريا التباعي، فعله هو والله أعلم.
(2) في (ب): فإن.
(3) في (أ، ج): قد قرَّ عندنا.(2/305)