من ذلك قوله: (( إن الله يبغض الحبرَ السمين )) فتوهم من لا فهم له أن معناه: البَدِن الشَّحِم؛ فذموا بذلك كل عالم سمين، وكان صلى الله عليه وآله قد بلغ من الشحم والسِّمَن غاية، حتى كان قد جعل في محرابه بالمدينة عوداً هو اليوم في المحراب، وكان إذا نهض بعد السجود أخذ به؛ حتى ينهض من ثقل بدنه(1)، وكان صلى الله عليه يتنفل بعض نوافله قاعداً لثقل بدنه، وهو صلى الله عليه حبر الأحبار(2) وأفضلها.
وإنما أراد بقوله: (( إن الله يبغض الحبر السمين ))؛ يعني الذي قد سمن من أكل الرُّشا والحرام.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض البيت اللحم]
وكذلك رُوي عنه عليه السلام أنَّه قال: (( إن الله يبغض البيت اللَّحِم ))؛ فتأوّل ذلك من لا فهم له أنَّه: البيت الذي يؤكل فيه اللحم كل يوم دائماً. وهذا باطل من التأويل، كيف يقول ذلك في اللحم؛ وهو يفضله ويقول: (( خير(3) إدامكم اللحم ))، وكان يشتهيه ويأكله إذا وجده؟!
__________
(1) في (ب): بعد السجود يعتمد به حتى ينهض.
(2) في (أ، ج): أحبر الأحبار.
(3) في (أ، ج): أفضل.(2/286)


وإنما أراد بقوله ذلك: البيت الذي يُؤْكَلُ المسلمون فيه، معنى يؤكل فيه: يُوقَع فيهم، ويُطعن عليهم، ويُؤذون فيه. ألاَ تسمع كيف يقول الله سبحانه: {أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ}[الحجرات: 12]؟ وقد رُوى عنه صلى الله عليه أنَّه لما رجم ماعز بن مالك الأسلمي حين أقر بالزنا؛ فسمع عند منصرفه الزبير(1) يقول لطلحة(2): انظر إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم يستر على نفسه حتى رجم مرجَم الكلب. فسكت عنهما رسول الله صلى الله عليه وآله حتى مر بجيفة حمار شاغرٍ بِرجْليه؛ فقال لهما: (( انزلا فأصيبا من هذا الحمار ))، فقالا: نعيذك يا رسول الله، أنأكل الميتة؟ فقال لهما: لما أصبتما من أخيكما آنفاً أكبر مما تصيبان من هذا الحمار، إنَّه الآن ليتقمص(3) في أنهار الجنة.
وغير ما ذكرناه عنه في هذا المعنى فكثير غير قليل، ومعروف غير مجهول، ولله الحمد، نجتز(4) بقليله عن التطويل بذكر كثيره والسلام.
[معنى قوله تعالى: {وآخرون اعترفوا..} الآية]
__________
(1) هو الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبدالعزى بن قصي بن كلاب، أبو عبد اللّه القرشي الأسدي، أحد العشرة المشهورين، من شجعان الصحابة وأبطالهم، أبلي مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم بلاء حسناً، نكث مع طلحة على الإمام علي عليه السلام بعد البيعة على الأصح، فكانت وقعة الجمل الشهيرة، قتل بعد منصرفه منها سنة (36 هـ).
(2) هو طلحة بن عبيدالله بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مرة التيمي، أبو محمد المدني، أحد العشرة، شجاع باسل، أبلى بلاء حسناً مع السرول صلى اللّه عليه وآله، لكنه نكث بيعة الإمام علي، قتل يوم الجمل سنة (36 هـ)، وله (63 سنة).
(3) كذا في النسخ، ولعلها: ليتغمص.
(4) في (أ،ج): يُجْتَزَى.(2/287)


وسالته عن قول الله سبحانه: {وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 102]، فقال: هؤلاء أهل التوبة إلى الله من بعد المعصية، فذكر الله عنهم أنهم عملوا عملاً سيئاً، ثم خلطوا أعمالهم بالصالحات؛ فعملوا بها من بعد التوبة وبعد العمل الردي. ومعنى {عَسَى اللَّهُ}؛ هو: إيجاب القبول(1) للتوبة من التائبين من بعد الإخلاص لله بالتوبة، وليس كما يقول الجهال: إنهم يعملون قبيحاً وحسناً في حالة واحدة، ويتقبل منهم الحسن، هذا ما لا يكون؛ لان الله يقول:{إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}[المائدة: 27]، ومن كان في معصية الله فليس بمتق، ومن لم يكن بمتق فليس يقبل عمله منه.
[معنى قول الله: {فلا وربك..} الآية]
وسالته عن قول الله سبحانه: {فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}[النساء: 56]. يقول سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله، مخبراً له عن أصحابه، مقسماً بنفسه؛ أن أصحابه لا يؤمنون على حقيقة الإيمان؛ حتى يردوا إليه عليه السلام ما تشاجروا فيه ـ وهو مااختلفوا فيه ـ ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً فيه، ولا غضباً منه، {وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً}، أي ينفذوا حكمه ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه
****
__________
(1) في (أ،ج): إيجاب لقبول التوبة عن.(2/288)


ومن مسائل علي بن محمد العلوي (1)
مما سأل عنها الهادي إلى الحق صلوات الله عليه.
m
[أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟]
وسالته عن أطفال المشركين هل يحل سبيهم؟
فقال: نعم. قلت: ومن أين، وقد قال رسول الله صلى الله عليه: (( كل مولود(2) يولد فإنما يولد على فطرة الإسلام، حتى يكون أبواه اللذان يهودانه أو ينصّرِانه ))؟
فقال: إنما هذا في الأطفال الذين يولدون في دار الإسلام، فأما من يولد في دار الكفر فقد حكم الله عليه بالسبي، وحكم على ما فيها من مال أو نفس وأبانها، وأحل ما فيها، وصيَّرها ملكاً وغنيمة للمؤمنين، فما جاز من سبي الكبير جاز في سبي الصغير؛ لأن الدار دار كفر، فافهم الفرق بين دار الكفر ودار الإسلام.
[الجزية على النساء ودعوتهن]
وسالته عن نساء اليهود والنصارى، هل تجب عليهن الجزية؟
فقال: لا. قلت: ومن(3) أين لم تجب عليهنَّ الجزية؟ فقال: لأن الله تبارك وتعالى حكم على الرجال بالقتل، وأوجب عليهم الجزية فداءً من القتل، فمن وجب عليه القتل من الرجال وجبت عليه الجزية. قلت: فهل تجب دعوة النساء؟ قال: نعم. قلت: فإن لم يفعلن؟ قال: يستخدمن ويُهَنَّ. قلت: وهل تحل خدمتهنَّ؟ قال: نعم، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفيّة ابنة حيي بن أخطب حتى أسلمت، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم. وقد قال بعض علماء أهل البيت: إنهن يدعين؛ فإن لم يُسلمن قتلن.
قلت: فما قولك أنت يا أمير المؤمنين؟
فقال: حتى تبلغ ذلك إن شاء الله، وأعلمتك برأيي فيهن(4).
__________
(1) هو مصنف سيرة الإمام الهادي، له مواقف شجاعة مع الإمام عليه السلام.
(2) في (أ، ج): طفل.
(3) في (أ، ج): فقلت من.
(4) في (أ): ثم أعلمتك. ولعلها: أعلمك.(2/289)


ومن مسائل محمد بن عبيد الله (1)
[موالاة الظالمين ومداراتهم]
قال محمد بن عبيدالله(1) رحمه الله: سألت الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عن موالاة الظالمين. فقال: لا تجوز موالاة الظالمين لأحد من المؤمنين، وموالاتهم فهي: مودتهم ومحبتهم؛ لأن الله سبحانه يقول: {لاَ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ}[المجادلة: 22]. فحرّم الله تعالى موالاتهم ومحبتهم، ولم يطلق للمؤمنين الإنطواء على شيء من إضمار المودة لهم. وفي ذلك مايقول اللّه عزَّ وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ اَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ..} الآية[الممتحنة: 1]. فمن انطوى وأضمر محبّة ظالم فقد خرج من دين الله، وليس من المؤمنين بالله، ولا تجتمع معرفة الله ومحبته وموالاته مع مودة أعداء الله ومحبتهم؛ لأن الله عدو للظالمين، والظالمون أعداءٌ لرب العالمين، ولن يجتمع ضدان معاً في قلب مسلم.
فأما المداراة للظالمين باللسان، والهبة والعطية، ورفع المجلس، والإقبال بالوجه عليهم؛ فلا بأس بذلك؛ لأن الله قد فعل في أمرهم ـ وهم أعداؤه ـ ما فعل؛ من جعله لهم جُزءاً في الصدقات؛ يتألفهم به على الحق، ويكسر به بعض بلائهم وظلمهم عن الإسلام، وذلك قوله عزَّ وجل: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ} الآية [التوبة: 60] فجعل للمؤلفة جزءاً، وهم أعداء الله وأعداء الإسلام؛ يكسر حدَّهم عن المؤمنين، ويصليهم به نار جهنم وبئس المصير، ويجعله عليهم وبالاً في الآخرة ولهم عذاب أليم.
__________
(1) في (ب): عبدالله. وهو: محمد بن عبيدالله العلوي العباسي والد مؤلف السيرة، أحد أبرز أصحاب الإمام، وفد عليه للجهاد بين يديه، تولى للإمام وسحة، ثم صعدة، ثم نجران في سنة (287 هـ)، خالف عليه بنو الحارث بنجران وقتلوه ظلماً وعدواناً في وقعة رهيبة تشبه وقعة الإمام الحسين عليه السلام في شهر ذي الحجة سنة (295 هـ).(2/290)

158 / 209
ع
En
A+
A-