وذلك قول الله سبحانه: {أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ}[النساء: 59] وأولوا(1) الأمر الذين أمروا بالكينونة معهم؛ فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون لها، والمستحقون لفرضها.
وهم من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة؛ من ولادة الرسول، والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، مَنْ كَشَف رأسه، وسَلَّ سيفه، ونشر رايته، ودعى إلى الحق وعمل به، وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيماً بالمؤمنين، مجاهداً غليظاً على الكافرين والمنافقين، مَعَهُ عَلَمُه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض(2) الكتاب، ولدقائق غيره من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها سواه.
__________
(1) في (ب): وأولي، وهي على الحكاية.
(2) في (أ) لغامض دقائق.(2/281)
فمن كان في الصفة كما ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا؛ فهو الإمام الذي عقد الله له الإمامة، وحكم له على الخلق(1) بالطاعة، فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله فيما أمر به واتَّقَى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه وأساء، واستوجب(2) على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في الهوان المقيم، {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لاَ يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلاً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيْهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}[السجدة: 18 ـ 20].
[المعنى الذي تجب به الإمامة والطاعة ويجوز جهاد المخالف]
وسالت(3) يا أبا عبد الله حفظك الله، ووفر في الخيرات حَظَّك؛ عن المعنى الذي وجبت به لنا على الخلق الطاعة، ووجب به علينا جهاد من أَبْدى لنا المعصية، وثبتت به لله سبحانه في ذلك علينا الحجة، حتى حكمنا بالهلكة على المتجانفين(4) عن دعوتنا، وبالنجاة للمسلِّمين لأمرنا، الساعين في طاعتنا، حتى سمينا من قتله الظالمون منَّا شهيدا، وحكمنا له بالوعد الذي وعد الله الشهداء، وسمينا من قتلْنا نحن من الظلمة كافراً متعدياً، وحكمنا عليه باستحقاق الوعيد من الله العلي الأعلى.
__________
(1) في (ب): على الحق.
(2) في (ب): واستحق.
(3) في (أ، ج): مسألة أجاب عنها أيضاً عليه السلام في الإمامة، وهي آخر مسائل الحسين بن عبد اللّه الطبري: بسم اللّه الرحمن الرحيم سألت..الخ.
(4) في (ب): المجانفين. وفي (ج): المخالفين.(2/282)
وهذا أكرمك الله فقد وجب لنا على أنفسنا السؤال عنه، والبحث لها فيه، عند ما دعتنا إليه؛ من دعاء الخلق إلى طاعتنا، والمناداة إلى إجابتنا(1)، وضرب أعناق المحاربين لنا، وأخذ أموالهم، واستباحة ديارهم.
فسألناها فقلنا: ما الذي وجب لكِ به ذلك؟
فكان من جوابها لنا، عندما احتجنا إليه من علم ذلك منها، أَنْ قالت: وجب لي ذلك بما وجب للأئمة من قبلي، من لدن القاسم بن إبراهيم عليه السلام، ومن تقدمه من الأئمة القائمين؛ الذين كانوا حججاً لله على العالمين، سواء سواء.
فقلنا لها: فَبِمَ أوجبتِ(2) لأولئك صلوات الله عليهم الطاعة على الخلق؟
فقالت: بوجوب الإمامة التي عقدها الله لهم بأحق الحق، وأصح القول والصدق.
فقلنا لها: وَبِمَ عقد الله سبحانه الإمامة لأولئك؟ وبأي معنى كانوا صلوات الله عليهم عند الله عزَّ وجل كذلك؟
فقالت: بولادة الرسول صلى الله عليه وآله(3)، وبمعرفتهم بذي الجلال والإكرام، وبالورع الذي جعله قواماً للإسلام، وبالمعرفة بالحلال عند الله والحرام، وبما يحتاج إليه في الدين جميع الأنام، وبأخذ الحق وإعطائه، وبِقِلَّة الرغبة في الدنيا، والزهد في دار الفنى، والرغبة والمحبة لدار البقاء(4)، وبكشف الرؤوس، وتجريد السُيوف، ورفع الرايات لله وفي الله عزَّ وجل، والمنابذة لأعداء الله، وبإظهار الدعاء إلى الله، والغضب لله والرضى، وإقامة الدار، والدعاء إلى الله الواحد القهار، وإحياء الكتاب والسنة، وإقامة الحق والعدل في الرعيّة، والإطلاع على غامض كتاب الله ووحيه، الذي لا يطلع عليه إلاَّ من قلده الله السياسة، وحكم له بالإمامة دون غيره، فآتاه الحكمة، وخصه بالفضيلة، وأكمل له النعمة، وجعله له على الخلق حجة، وبالشجاعة عند اللقاء، والصبر في البأسآء والضرآء، والجود والسخاء، مع النصفة للأولياء.
__________
(1) في (ب): والمبادر.
(2) في (ب): وجبت.
(3) يعني بكونهم من أولاد الرسول.
(4) في (ب): والرغبة في دار.(2/283)
فصدقناها فيما احتجب به من الأمر الذي تجب به من الله سبحانه الإمامة لأهلها، ويتأكد لهم به من الله عزَّ وجل فرض الطاعة على خلقه.
فلما أن أجمعنا نحن وهي على أن من كانت فيه هذه الخصال، وثبت له ما ذكرنا في كل حال، فقد وجبت له بحُكم الله الإمامة، وتأكدت له بفرض الله على الخلق الطاعة، أوجبنا على أنفسنا المحنة؛ فامتحناها فيما أجمعنا نحن وهي وغيرنا عليه من الشروط التي تجب بها الإمامة، وتثبت بها لأهلها على الخلق الطاعة. فلم نَجِدها ولله الحمد عن ذلك منصرفة، ولا منه مُعوِزَة، بل وجدناها به قائمة، وبالتسمية(1) به مستحقة؛ فأجبناها إلى ما دعتنا إليه، وأعنَّاها بكليتنا عليه، فصدقناها ولله المنُّ بعد المحنة به.
ولك يا أبا عبد الله أكرمك الله علينا من الحجة، والسؤال والمحنة؛ مثل الذي كان لنا على أنفسنا، فانظر في ذلك معنا، بمثل ما نظرنا نحن مع أنفسنا، فإن وجدت ما وجدنا، وشهد عقلك لك في أمرنا بمثل ما شهدت به عقولنا لأنفسنا؛ فقد حق لك ما طلبت، وصح لك ما عنه سألت، وجاءتك من نفسك البينات، وأنارت لك في ذلك النيّرات.
وإن لم تجد الشروط التي نشهد نحن وأنت وكل المسلمين بأنها شروط الأئمة الهادين، المفترضة طاعتهم، والمحرّمة معصيتهم، كنت على بينة من أمرك، ورخصة من فرضك(2)، وراحة من تعبك.
واعلم هداك اللّه أن الإمتحان والنظر لا يكون إلاَّ بالنصفة من المتناظِرَيْن، وطلب الحق في ذلك من المتسائلَين،وقبول الحق عند ظهوره، وأخذه بأفضل قبوله. ونحن أكرمك الله لكل ذلك باذلون، وإليه لك مسرعون، وله منك مُحِبُّون.
فهذا الباب الذي وجبت به إمامة كل إمام(3)، على جميع من تقدم من أهل الإسلام، وبه تجب إمامة من بقي من أئمة الهدى، إلى آخر أيام الدنيا، ولن تجب إمامة إمام أبداً بغير ما ذكرنا، ولن يوجد سَببٌ يثبت لأحد سوى ما شرحنا.
والحمد لله(4) كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليماً.
****
__________
(1) في (أ، ج): وللشهرة.
(2) في (ب): من فضلك.
(3) في (ب): الإمامة لكل إمام.
(4) في (أ): تم والحمدلله كثيراً، وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.(2/284)
جواب مسائل لابنه المرتضى (ع)
m
[معنى حديث: ما كان على أهل هذا الجدي.. إلخ]
قال الإمام المرتضى لدين اللّه محمد بن الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليهما:
سألت أبي الهادي إلى الحق صلوات الله عليه عما روي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أنَّه مرَّ بجدي ميّت مطروح على كِبَا (2)، فقال عليه السلام: (( ما كان على أهل هذا الجدي لو انتفعوا بجلده )).
قال الهادي إلى الحق أعزه الله: لم يرد النبي عليه السلام الانتفاع بجلده بعد موته، ولكنه صلى الله عليه أراد: ما كان عليهم ـ إذ لم يكن فيه لحم يذبح ويذكى له ومن أجله، لما كان فيه من الهزال(3) والهلاك ـ لو ذبحوه، فحل(4) لهم بذبحه الانتفاع بجلده؛ (فانتفعوا بجلده)(5) إذ لم يكن في لحمه منفعة.
فهذا يا بني معنى قوله صلى الله عليه، لا ما ذهب إليه الجهال، ونسب إليه العماة الضُلاَّل.
واعلم يا بني أن كلام رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم له معان وأبواب؛ تحتاج إلى تفسير عالم فهم(6) باللغة، كما يحتاج القرآن إلى التفسير.
[معنى حديث: إن اللّه يبغض الحبر السمين]
__________
(2) في (ب): كناسة، وهي معنى الكبا.
(3) في (ب): الهوان.
(4) في (ب): يحل.
(5) سقط من (ب).
(6) في (ج): فهيم. وماهنا أثبته في الهامش.(2/285)