وكذلك فعل في غنائم حنين(1)، وهب للمؤلفة قلوبهم من خمسين بعيراً إلى مائة بعير إلى مائتين إلى ثلثمائة، وحرم المهاجرين والأنصار في ذلك الوقت؛ حتى تكلم من تكلم من الأنصار، فكان منه من الفعل ما قد بلغك، وذلك فلم يفعله صلى الله عليه إلاَّ للصلاح الذي رآه، فأمضى رأيه في الغنائم، ولم يقسمها على أهلها، نظراً منه عليه السلام؛ للمسلمين والإسلام.
وكذلك كان فعلنا في العشر، نقسمه مرة، ونتركه مرة، نتحرى في ذلك الإصلاح للإسلام إذا رأيناه، وبان لنا وعرفناه، وإذا استغنى الإسلام والمسلمون، وقلت حاجتنا إلى هذه الأعشار، قسمناها على أصنافها، أو من وجدنا منهم. وإذا احتاج المسلمون والإسلام إليها؛ آثرناهم بها على أهلها، نظراً منا لهم، ومعرفة بأن ذلك أرجع في كل الأمور عليهم.
__________
(1) في (أ): خيبر. وما هنا أثبته من نخ.(2/276)


وذلك أن الدار لا تصلح إلاَّ بالجيوش والأنصار، والخيل والرجال، ولا تقوم ولا تجتمع إلاَّ بالأموال. فنظرنا فإذا بالبلد الذي نحن فيه ليس فيه شيء غير هذه الأعشار، وإن نحن ـ عند حاجة المهاجرين والأنصار إلى القوت، وما به تدفع الهلكة والموت، من دفع هذه الأعشار التافهة إليهم، وردها دون الأصناف عليهم ـ دفعناها إلى المساكين، وغيرهم من الأصناف المذكورين؛ هلكت الجنود المجندة، وتبددت الجماعة المجتمعة، وافترق المهاجرون، وذل المسلمون، ووقعت البليَّة، وعظمت المصيبة، وشملت الفتنة، ولم تضبط البلاد، ولم يصلح أحد من العباد، وعلا الظالمون، وخمل المؤمنون، وبطل الجهاد، وخربت البلاد، وشمل البلاء، وذل الأمر والرجاء، فهلك في ذلك الضعفاء، وشحَّ الأغنياء، ومات الفقراء، ووقع الضياع، وكثر الجياع. وعلمنا أنا إن آثرنا بها من به قوام الدار، من أهل الإسلام من المهاجرين والأنصار، استوسقت السبل(1) وأمنت البلاد، وعاش العباد، وتجر التجار، وعمرت الديار(2)، وزرع الزارعون، وتقلب المتقلبون، واستغنت الرعيّة، وحسن حال البرية، فعاش بينها(3) أهل الصدقة من هؤلاء الأصناف المذكورين، وسخا الأغنياء بالعطية للطالبين، وتقلب الفقراء والمساكين؛ في دار الأغنياء الواجدين، وتكسبوا معهم، وأصابوا من فضلهم، وحسنت بصلاح دارهم حالهم(4)، واستقامت لِعِزّ الإمام أمورهم.
__________
(1) في (ب): السبيل.
(2) في (أ): البلاد.
(3) في (ب): منها.
(4) في (أ): لصلاح حالهم، كذا. وما أثبت أولى.(2/277)


فلهذا المعنى قسمنا الصدقة عند ما يستغني عنها الإسلام والمسلمون، وحبسناها عند ما يحتاج إليها ويضطر الأنصار والمجاهدون؛ نظراً منا للرعية، واحتياطاً في الحياطة للبرية، وأداء إلى الله سبحانه النصيحة لعباده، وإحساناً وأداء إليه ما استأمننا عليه من الأموال(1) في بلاده، فصرفناها في إصلاح الدين والمسلمين، ورددناها على الأصناف من المسلمين حيناً (2)؛ اجتهاداً لله في النصيحة، وتأدية منا إليه ما حملنا من الأمانة؛ إذ كُنَّا عن ذلك مسؤلين، وبإحسان النظر للإسلام والمسلمين مأمورين، وعن التفريط فيما يصلح البلاد مَنْهِيِّين.
وسأضرب لك ـ إن شاء الله ولمن عقل صواب رشدنا ـ قولاً ومثلاً، يبين لك حقائق علمنا، فليس كل متكلم مصيباً في قوله، ولا كل منتحل للعلم عالماً(3) بكل ما يحتاج إليه، {وَفَوقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ}[يوسف: 76]، ومن طعن بغير علم على أولياء الله كان آثَمُ أثِيمٍ:
__________
(1) في (أ، ج): من أموال بلاده.
(2) في (ب): حيثما كانوا.
(3) في (أ): عالم لكل. كذا(2/278)


ما يقول وما يذهب إليه الطاعن علينا بما لا يعلم متأول(1): في رجل متول لأمورِ أَيتامٍ تحت يده، مسكنة صغار؛ من ضَعَفَةٍ لهم أرض بعضها أعنابٌ، وبعضها حرث، فاستغل لهم من ذلك العنب زبيباً؛ ثم حدث في العنب والحرث حدث من سيل؛ فأخرب الحرث، أو نارٍ أحرقت العنب وخشبه، أكان الواجب عندك في دين اللّه وفرضه، وما حكم على ولي اليتامى من حكمه؛ أن يصلح حرثهم وعنبهم بما قد أخذ من الثمر قبل خراب الحرث والعنب، وينفقه ويرده عليه؛ ولو مدوا أيديهم لطلب الصدقة، وبَدَتْ منهم في تلك السنة الخصاصة والحاجة، حتى يصلح عنبهم إذا رد فيه ما احترق من خشبه، وتصلح أرضهم إذا عمرت؛ فتغل(2) أرضهم وعنبهم في كل سنة من بعد صلاحه ما يعيشون به، ويرجع نعيمهم إذا رجعت غلتهم، ويكمل حُسن حالهم بصلاح أموالهم؟ أم يترك أرضهم وعنبهم خراباً، ويخليها فاسدة يباباً(3)، وينفق الغلة التي أنفقها في صلاح ما لهم عليهم؛ فيأكلونها سَنَتَهم، ويهلكون في طول عمرهم؛ إذ قد خربت أموالهم؟
فإن قلت: ينفق عليهم هذه الغلة وتخرب أموالهم، فقد قلت قولاً شططاً، وحكمت في ذلك بغير الحق حكماً؛ إذ لم تحسن لهؤلاء الأيتام نظراً، ومن لم يحسن النظر لأيتامه؛ فقد باء عند الله بعبء آثامه(4)، وشهد عليه جميع الرجال؛ بالقول الفاحش والمحال.
وإن قلت: بل يعمر ضياعهم، ويُحْيي أموالهم؛ بهذه الغلة اليسيرة؛ ليلحقوا بذلك في أموالهم المعيشة الكثيرة، الدائمة الكافية الغزيرة؛ فقد أصبت في قولك، وقلت حقاً في حكمك، وفعلت ما يُصَوبك فيه الجهلاء، فضلاً عن أهل العقول من العلماء.
فإذا قلت بذلك من الحق، وتكلمت فيه بقول الصدق؛ فكذلك فقل في فعلنا في بلاد رعيتنا، ومواضع ضعفتنا.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (أ، ج): فيعمل. وظنن في ج بما أثبت من (ب).
(3) الأرض اليباب الأرض الخراب.
(4) في (أ): من الله بعبء آثامه.(2/279)


ألا ترى أنا لو قسمنا هذه الزكاة على أهلها، في وقت الحاجة حاجة الإسلام والمجاهدين إليها، ونزول الخصاصة بالمدافعين عن أهلها، فافترقوا عنا، وانتزحوا من قربنا؛ فوقع الضعف على الإسلام والمسلمين؛ لِمَا وقع من الخصاصة بالمجاهدين، وقوي بذلك أهل الضلال من المضلين؛ ففسد أمر الرعية، واختلفت أحوال البرية، ووقع الضياع عليهم، وكثر الجياع، واختلفت أمورهم، وساءت أحوالهم، وشح بالمعروف أغنياؤهم؛ فهلك لذلك فقراؤهم،، وخافت سُبُلهم، وخربت أموالهم، وظهر عليهم أعداؤهم؟
وإن نحن رددنا زكاة الأمصار؛ على المجاهدين والأنصار؛ دون أهلها من هذه الأصناف المذكورة، ووقت(1) ما تنزل بالمجاهدين الحاجة والضرورة؛ قوي الحق، وضعف الفسق، وعاش في الدار المستضعفون، وجاد بالمعروف الأغنياء، واستغنى في دار معروفهم الفقراء، وأمنت سُبلهم، وحسنت حالهم، وزال ضرهم.
فهذا والمثل الذي ضربناه أولاً سِيَّان، في القول والمعنى اثنان، والحمد لله على الحق والإستواء. فأفكر فيما ذكرت لك بِلُبِّك، وانظر فيه إذا نظرت بخالص مركب عقلك، يبن لك في ذلك الصواب، ويَزُلْ(2) عنك فيه الشك والارتياب.
[طريق الإمامة وصفات الأئمة]
وسالت عن إثبات الإمامة في الإمام من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقلت: بم تثبت له؟ أبعقد الناس وإجماعهم عليه؟ أم برواية رويت عن الرسول فيه؟ أم بغير ذلك؟
واعلم هداك اللّه بأن الإمامة لا تثبت بإجماع الأمة، ولا بعقد بريَّة، ولا برواية مروية. ولكن تثبت لصاحبها بتثبيت الله لها فيه، وبعقدها في رقاب من أوجبها عليه، من جميع خلقه، وأهل دينه وحقه.
__________
(1) كذا ولعلها وقت.
(2) في (ب، ج): ويزول، وما هنا في هامش ج نخ.(2/280)

156 / 209
ع
En
A+
A-