ما يقول من أنكر علينا ذلك في نفسه؛ لو كان في قرية من قرى المسلمين، وكان أمره فيها نافذاً وحكمه جارياً، وقوله(1) فيهم جائزاً ماضياً، ثم دلف (2) إليه طاغية من طواغي المشركين، أو طاغوت من طواغيت الباغين، ليقتل رجالها، ويسبي نساءها، ويأخذ أموالها، ويخرب ديارها، فوجد هذا الإنسان الرئيس عليها، النافذُ أمره فيها؛ أعواناً يدفع بهم عن القرية ما قد غشاها، ويزيح عنها من الهلكة ما قد أتاها(3)؛ أكان الواجب (4) عليه في حكم الله، وفيما يحب للمسلم على المسلم أن يأخذ من أموالهم طرفاً يقوت (5) به هؤلاء الذين يدفعون عنهم، حتى يسلموا من الهلكة؟ أو يخليهم حتى يهلكوا، ويُستباحوا ويقتلوا؟
فإن قال قائل: بل يخليهم فيقتلوا قبل أن يأخذ منهم يسيراً يحميهم(6) به؛ فقد أساء في القول، وجار في الحكم، وخالف الحق؛ لأن الله سبحانه يقول في كتابه: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ}، ومن فعل ذلك فقد أعان على الإثم والعدوان، وترك المعونة على البر والتقوى.
وإن قال: بل الواجب علي أن آخذ منهم ما أدفع به عنهم، أحبوا أم كرهوا، وأقيم فرض الله علي فيما يلزم للمسلم على المسلم، ولا أنظر إلى قولهم، إذا أبو النظر لأنفسهم، واستدعوا الهلكة إليها؛ إذكنت مقلداً لأمرهم، بنفاذ أمري وحكمي عليهم؛ فقد أصاب في قوله واحتذا، وسلك الطريقة المثلى، فهذه حُجَّة أخرى.
ومن الحجة في ذلك على من أنكره، وقال بغيره ورفضه، أن يقال له:
__________
(1) في أ، ج: وحكمه وقوله.
(2) دلف الشيخ: مشى وقارب الخطو، ودلفت الكتيبة: تقدمت.
(3) في (أ) ما أتاها.
(4) في أ: فإن الواجب، والصواب ما أثبت.
(5) في أ: يقرب.
(6) في أ، ج: يحييهم.(2/271)
خبرنا عنك؛ لو سرت في قافلة من قوافل المسلمين، وأمرك فيهم نافذ، فوجدت في بعض الطريق قوماً قد قطع بهم، وأخذ ما معهم، وتركوا مطرَّحين(1) جياعاً عطاشاً عراة، لا يطيقون مشياً، إن تركتهم ماتوا، وإن حملتهم نجوا، وإن أطعمتهم وسقيتهم حيوا؛ أليس كان الواجب عليك في حكم الله أن تأخذ لهم من أهل الرفقة قوتاً يحييهم، وتلزمهم لهم المعاقبة على رواحلهم (2)، حتى يلحقوا بالقرى والمناهل، أولا تأخذ لهم منهم قوتاً ولا ماء ولا مركباً، فيموتوا كلهم، ويهلكوا بأجمعهم؟
فإن قال قائل: بل أتركهم يموتون؛ فقد شرك في قتلهم، وقال بالمنكر من القول فيهم، الذي ينكره عليه الجهال، فضلاً عن العلماء من الرجال. وإن قال: بل أحمل أهل القافلة على أن يواسوهم بما لا يضرهم في الطعام والشراب، والمعاقبة على الركاب؛ فقد قال بحق من المقال، وانتحل(3) صواباً من الفعال، وأدى حقوق الله وحقوق المسلمين، ونجا من قتل إخوانه أجمعين.
ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً} [المائدة: 32] فحكم الله علىكل مسلم بإزاحة الهلكة عن المسلمين بجهده وطاقته.
فكذلك يجب على الإمام أن يواسي بين المهاجرين والأنصار، وبين الرعية من أهل الدار، ولا يترك المهاجرين، المدافعين عن المستضعفين، الدائمين المقيمين لدعائم الدين؛ يهلكوا (4) جوعاً بين أهل الأموال والجِدة (5) من المسلمين.
ومن فعل ذلك كان على أحد وجهين:
إما افترق عنه المجاهدون إذا اشتد عليهم البلاء، ولم يجدوا قوتاً لأنفسهم ممسكاً.
__________
(1) في (ب): مطروحين.
(2) يعني أن يركب كل منهم عقيب الآخر.
(3) في (ب): وانحل.
(4) في (أ): يهلكون.
(5) الجِدَة: السعة والغنى.(2/272)
أو صبروا فهلكوا وماتوا جمعياً معاً، ضراً وحرناً وجوعاً،، فهلك بهلكتهم الإسلام، واجتيح(1) بعدهم الأنام، وكان في ذلك كله آثماً، وللمجاهدين في الله وعلى دينه ظالماً.
فافهم هداك الله ما به قلنا، وفي ذلك احتججنا؛ فإن الحجج في ذلك تكثر لو بها نطقنا(2)، ويسير ذلك يغني عند أهل العقل عن كثيره، ويُجتزى عن الكثير فيه بيسيره.
[العشر: هل يجوز لآل رسول الله؟]
وسالت عن العشر (فقلت)(3): هل يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه وعلىآله؟
والقول في ذلك: أنَّه لا يجوز لهم أكله، ولا استحلاله، ولا الإنتفاع بشيء منه، إلاَّ أن يشترى بأغلى الثمن وأوفاه، فيكون حاله كحال غيره من أموال المسلمين التي يحرم على المسلمين استحلالها وأكلها، وتحل لهم إذا اشتروها بالأثمان.
وكذلك يجوز للأئمة أن يشتروا الأعشار من جُبَاتِها وعُمالها بأغلى ما تباع في أسواقهم، وتحتاط في ذلك على أنفسها لهم. وكذلك في الأعلافِ من التبنان والقصبان(4)، لا تأخذ منه شيئاً إلاَّ بثمن فوق ما يباع في السوق، يحاسِبون على ذلك العمال، ويوفونهم الأثمان في كلّ حال.
فعلى هذا تجوز الأعشار للأئمة ولجميع آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا اشتروها شراءً قاطعاً، كما يجوز لهم أكل مال اليتيم إذا اشتروه بشراءٍ منقطع.
فأما أن يأكله أحد من أهل بيت رسول الله لا يؤدي له ثمناً، ويعتقده حلالاً؛ فمن فعل ذلك فهو على غير دين الإسلام، وعلى غير شرائع دين محمد عليه السلام.
__________
(1) في (أ، ج): وأجيح.
(2) في (ب): يكثر كونها ويسير ذلك.
(3) سقط من (أ).
(4) يعني التبن والقصب.(2/273)
بل قولنا إنَّا نتبرأ(1) إلى الله ممن استحل العشر من آل رسول الله، وقال: إنَّه حلال له من غير آل رسول الله. بل لو أن رجلاً من آل رسول الله ألجئ إلى أكل العشور استحلالاً أو إلى أكل الميتة إذا كان مضطراً؛ لرأينا له أن يأكل الميتة قبل أن يستحل ويستبيح شيئاً من العشور(2).
ثم أقول: والذي نفس يحيى بن الحسين بيده لو اضطررت إلى أن آكل جفنة مملؤة خبزاً ولحماً من العشر وأنا له مستحل مستبيح، لم أشتره بثمني، أو أدفع فيه نقدي؛ أو أن آكل من الميتة ما يمسك نفسي، ويدفع عن هلكتي؛ لأكلت من الميتة قبل أن آكل من لحم العُشُر وخبزه؛ لأن الله سبحانه قد أطلق لي أكل الميتة عند الضرورة وخوف الهلكة، ولم يطلق لي استباحة العشر ولا استحلاله في حالةٍ مَّا. فأما إذا اشتريت العُشُر شراءً صحيحاً ثابتاً، ودفعت فيه مالي ونقدي، حل لي، وطاب أكله بشرائي له، كما يحل لي مال اليتيم إذا اشتريته، ومال المسلم إذا ابتعته.
فافهم هذه الخلة التي يجوز فيها الأعشار لآل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والحالة التي لا يجوز لهم أكلها، ولا الانتفاع بشيء منها.
وقد يجوز له بحالة أخرى، وهو أن يأخذ منها بعضُ أهلها المستحقين لها من سائر المسلمين شيئاً فيهدون بعضه إلى آل رسول الله صلى الله عليه وآله، ويدعونهم إلى طعام من أعشار الصدقة فيجيبونهم، فيجوز لهم أكله، إذا أجازه لهم أهله، فيكون أخذ المسلمين له باستحقاق ووجوب، ويكون قبول آل رسول الله صلى الله عليه له منهم ـ أن أهدوه(3) إليهم ـ قبولاً لهدية إخوانهم المسلمين، مما أطعمهم إياه وأجازه لهم رب العالمين.
فقد حل لهم بهذا المعنى وفي هذا الوجه، حين خرج من معنى الصدقة، وصار من أخيهم المسلم ـ الذي قد ملكه ـ إليهم هدية.
__________
(1) في (ب): تبرأنا.
(2) في (أ، ج): من العشر.
(3) في (ب): أن أخذوه.(2/274)
وفي ذلك ما يروى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله: أنه دخل على عائشة، فوجد عندها تمراً، فقال: (( من أين لكم هذا؟ قالت يا رسول الله صدقة تُصُدق بها على برّيرة(1)، فقال: هو عليها صدقة، ولنا منها هدية، فقدمته بريرة إليه فأكل منه )) .
فعلى هذا الباب قولنا به في هدايا المسلمين، إلى آل رسول رب العالمين، مما جعله الله للمسلمين حلالا من صدقات إخوانهم المؤمنين.
فافهم هديت ما عنه سألت، وقف على هذه الوجوه فقد أكملت لك فيها كل ما طلبت، مما يجوز لآل رسول الله صلى الله عليه من صدقات المسلمين، وأوساخ أيدي المتصدقين، وأعلمتك بأي سبب يحل لهم، وفسرت لك متى يجوز لهم به أكلها، والمعنى الذي يدخل في ذلك حتى يحل لهم من بعده.
[تصرف الأئمة في قسمة الأعشار وغيرها إعطاء ومنعاً]
وسالت عن المعنى الذي يجوز لهم(2) به قسم الزكاة على أصنافها، وتسليم ربعها إلى الفقراء والمساكين، وقلت: كيف كنت في أول الأمر تقسم ذلك على أهله، وأنت اليوم ربما قسمت، وربما لم تقسم، وربما أعطيت، وربما لم تعط ؟ فقد تكلم بعض من تكلم، ورأيتهم ينكرون عليك في بعض الأوقات إذا لم تقسم.
وقد سألتَ فافهم (3)، وإذا فهمت فاعلم، أن من لم يعرف شيئاً أنكره، ومن لم يعرف حقيقة أمر عَظَّمه.
أما علمت إن جهلوا، وفهمت إن غفلوا: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لما أن أتاه مال من البحرين، يقال: إنَّه ثمانون ألف أوقيّة من أعشار البحرين ومن جزية ذمتها، ومن صواف كثيرة كانت بها؛ فقسم الثمانين ألفاً(4) في مجلسه على جلسائه، يعطيهم غرفاً غرفاً، وكفاً كفاً، حتى لم يبق من ذلك شيء؟ وذلك أنَّه صلى الله عليه وعلى آله وسلم علم أن ذلك أصلح للإسلام في ذلك الوقت، من القسم على السهام الثمانية.
__________
(1) في (أ): برّيرة: مولاة عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى زمن يزيد.
(2) في (ب): لايجوز به قسم.
(3) في (أ): وسألت عن ذلك فافهم.
(4) في (أ): الثمانين الف.(2/275)