ومن لم يعرف ـ يرحمك الله ـ أمراً أنكره، ومن لم يقف على معنى شيء دفعه، ولوحسن يقين من أنكر فعل الإمام لم يعجل بالعيب في ذلك عليه، غير أن وسواس الشيطان، يتمكن في قلوب أهل الشك والريب من الإنسان. والشك والريب فلا يثبت معهما محض إيمان، ألا تسمع كيف يقول في ذلك الواحد الرحمن: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ}[الحجرات: 15]؟ فلم يحكم بحقائق الإيمان؛ إلاَّ لمن بعد منه الارتياب في وجوه الدين والإحسان. فنسأل الله الثبات على دينه، والتوفيق لما يرضيه برحمته.
[الزيادة على الحد للتأديب]
ذكرت ضَرْبَنَا من نضربه من بعد الحد الذي ألزمه الله تعالى إياه؛ فقلت: ما سبب هذه الزيادة من بعد تمام الحد؟
واعلم أكرمك الله أن الله سبحانه حكم على الأئمة وافترض عليهم حسن النظر للبرية، وأن تفعل في كل معنى مما ترجوا به الصلاح للرعية.
وهؤلاء القوم الذين ترانا نضربهم بعد الحد في أرجلهم ثلاثين وأربعين وعشرين؛ فهم قوم قد با يعوا على الحق، وأعطونا عقودهم(1) على الصدق، وعلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، ثم نكثوا بعهودهم، وحنثوا في أيمانهم، فعملوا المنكر في أنفسهم، ورفضوا المعروف الذي يأمرون به غيرهم، وردوا الفسق بعد موته، وأحيوا المنكر في دار الحق بعد خموله.
فكان أقل(2) ما يجب على من نكث عهده، وحنث في يمينه التي أقسم فيها باسم ربه؛ أن يكون عليه في نقضه لعهده، وحنثه بقسمه؛ أَدَبٌ لما اجترأ به على ربه، وتمرد به في ذلك على خالقه، فأدبناه كما ترى غضباً لله، وانتقاماً لدين الله، وتنكيلاً له عن نقض العهود المعقدة، ورد الفاحشة بعد خمولها في دار الحق، وإظهار الكبائر والفسق.
__________
(1) في أ: عهودهم.
(2) في ب، ج: أول.(2/266)
فهذا سبب أدبنا لمن نؤدبه بعد حد الله، وذلك الواجب على كل إمام في دين الله؛ أن يفعله بمن نقض عهده، ونكث بعد قسمه بالله. ألا تسمع كيف يقول الله سبحانه: {وَلاَ تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأَيْمَانِكُمْ}[البقرة: 224]؟ أن يحلف المرء بالله كاذباً، أو ينقض لله عقداً. وما نهى الله عنه، ومنع عباده منه؛ فلا بد لكل من اجترأ عليه وفعله من الأدب، وإلا فلم يكن لنهي الله عنه معنى، ولا سبب.
فهذا حجتنا فيما عنه سألت من ذلك، فتدبر القول فيه يصح لك جوابه(1)، ويزول عنك شكه وارتيابه.
وكذلك ما ذكرت، وعنه سألت؛ من خرص النخل وحزرها(2)، وهذا أمر(3) لا ينكره مسلم، ولا يدفعه من كان لأحكام رسول الله صلى الله عليه وآله مسلماً؛ لأن الأمة كلها بأسرها ـ إلاَّ أن يكون الشاذ الضعيف العلم منها ـ مجمعة على أن رسول الله صلى الله عليه خرص وحزر ثمار المدينة وثمار خيبر، وكان يرسل في كل سنة عبدالله بن رواحة الأنصاري (4) فيخرص الثمار كلها، ثم يأخذهم بخرصها، ويحكم عليهم بما حزر فيها.
__________
(1) في أ، ج: صوابه.
(2) الخرص والحزر: التقدير.
(3) في (أ): وهذا الأمر.
(4) هو عبد اللّه بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الخزرجي الأنصاري الشاعر، أحد السابقين، شهد بدراً، وكان ثالث الأمراء في غزوة مؤتة، وبها استشهد في جمادى الأولى سنة ثمان.(2/267)
ونحن فكذلك فعلنا، وبه صلى الله عليه في ذلك اقتدينا، ثم احتطنا من بعد ذلك باستحلاف من أمرناه بخرص الثمار، فإذا أردنا أن نوجه قوماً يخرصونها من ثقات من نعلم، وأبصر من يفهم ويخرص الثمار، ممن قد جرب فهمه، وامتحن في ذلك نفسه، ثم امتحنه فيه غيره، حتى صح أنَّه أقرب أهل بلده إلى المعرفة بما وجهناه له من حرز التمر فيخرصه، ثم نستحلفه بأوكد ما يحلف به لتنصحنَّ، ولتجتهدنَّ، ولتحرصنَّ، ولتقصدنَّ الحق بجهدك، ولتحرَّيَنَّه بطاقتك، ولا تعمَّدنَّ لمسلم غشاً، ولا لمال الله وَكْسا (1)، ولئن شككت (2) في شيء من ذلك، أو التبس عليك، لتجعلن الحمل على أموال الله دون أموال عباده، ثم ننفذه فيما به أمرناه، فيجتهد ويحرص، ويكتب ما يحزر، ويخرص (3)، فإن شكا أحدٌ من الناس بعد ذلك غبناً فيما خرص عليه وحزر؛ استحلفناه على ما أتى من ثمره وصدقناه، وأخذنامنه على ما حلف عليه وتركناه.
وكذلك قد نخير من خرصنا عليه نخله؛ فنقول: إن شئت فخذ بما قد خرصنا، وإن شئت أخذنا وأوفيناك حقك على ما خرصنا وقسمنا. فهل على من فعل ذلك حيف وجور، أو تحامل في شيء من الأمور؟ أم على من اقتدى برسول الله صلى الله عليه مطعن في مقال من المقال، أو تعنيف (4) في فعل من احتذى به فيه كائناً ما كان من الأفعال؟ كلا وفالق الإصباح، ومجري الرياح؛ أن من كان كذلك لبعيد من الخطأ في كل ذلك. وليس يلزم أهل العلم فيما يفعلون من الفعال(5)؛ إنكار من لا علم له من أهل الجهل، وإنما قول العلماء؛ هو الحاكم على أقاويل الجهلاء، وليس أقاويل الجهلاء بأهل أن يحكم بها على العلماء. والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
[أخذ المال غير الواجب للاستعانة في الجهاد]
__________
(1) الوكس: النقص.
(2) في ب: ولاسلكت.
(3) في ب: من يحزر ويخرص ثمره.
(4) في أ: أو تعسف.
(5) في ب: من الأفعال.(2/268)
ومما سألت عنه وأحببت الجواب فيه؛ ما كان من مجيء كبراء أهل صنعاء إلينا ومشائخهم، وما سألونا من التقدم إليهم والمصير إلى بلدهم، فاخبرناهم بقلة ذات اليد، وأنا لا نطيق الإنفاق على العسكر(1)، ولا نجد إلى ذلك سبيلاً، فذكروا أنهم يعينون ويجتهدون، وأن أهل البلد على ذلك مجمعون.
فلما صرنا إليهم كتب على الناس على قدر طاقتهم، بل دون طاقتهم ودونها ، فكتب على صاحب العشرة آلاف مائة، وعلى صاحب العشرين ألفامائتان، وعلى صاحب الخمسين ديناران، وعلى صاحب الثلاثين دينار. وشبيهاً بذلك. فكلهم إلى ذلك مُسارع، وكلهم رأى فيه المنفعة لنفسه في ماله وحرمته.
وقد علمت كيف كان فعل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب صلوات الله عليه حين دخل البصرة بعد حرب طلحة والزبير، فوجد في بيوت الأموال من أهل البصرة مالاً كثيراً؛ من الفيّ الذي هو للصغير والكبير، والمرأة والرجل، والطفلة والطفل، فدعا كبراء البلد ووجوه أهله؛ ثم قال لهم: إن في بيت مالكم مالاً، وبأصحابي حاجة شديدة، فأَطْلِقُوا لي حتى أقسمه على أصحابي دونكم، ففعلوا وأطلقوا له قسمه على أصحابه دونهم، فقسمه على أصحابه؛ فوقع لكل إنسان منهم خمسمائة درهم قفله. ولم يدع أوساط الناس، ولا النساء ولا الصبيان، ولا كل من يملكه، واجتزى برأي كبرائهم، إذ كان في ذلك صلاح لهم، ومنفعة لبلدهم، وعايدة في العاقبة عليهم، فافهم هذا المعنى.
وسنشرح لك في ذلك حجة أخرى قوية، نيَّرة بينة عند أهل العلم والفهم واضحة.
__________
(1) في ب: العساكر.(2/269)
نحن نقول وكل ذي فهم وبصيرة من العلماء: إن الإمام المحق، العادل المستحق، له أن يأخذ من المسلمين العفو من أموالهم، اليسير الذي لا يضرهم، فيرده على صلاحهم وصلاح بلدهم، ويدفع العدو الفاجر عن أموالهم وحرمهم ودمائهم، أحبوا أم كرهوا، أطاعوا أم أبوا، ثم نقول: إن ذلك من حسن النظر لهم، الذي لا يجوز له عند الله غيره، إذ لا يجد منه بداً، ولا عن أخذه مندفعاً، وإلا لم يكن إلاَّ انفضاض عسكره، وهلاك المجاهدين الذين معه، أو أخذ ما يأخذ من رعيته؛ لأنَّه إن قصر في ذلك انفض العسكر، وافترقت الجماعة، فذل الإمام والمؤمنون، وهلكت الرعية المستضعفون، وقوي عليهم الأعداء الفاجرون، وملكتهم الجبابرة الطاغون، فأخذوا الأموال، وقتلوا الرجال، وأهلكوا الأطفال، (واصطلموا الأموال) (1)، ومات الحق، وظهر الباطل والفسق. هذا ما لا يحل(2) لإمام الحق أن يفعله، ولا يجوز هذا إلاَّ لإمام حق، مستحق بموضع الإمامة، نافذ حكمه في الأمة، حاكم بالكتاب والسنة؛ لأن في فعله ذلك نجاة للمسلمين، وفي تركه له هلاك جميع المؤمنين.
وإذا كان ذلك كذلك، فأَخْذُ جزء من أموال المسلمين فرض عليه في ذلك، فإن قصر فيه فقد شرك مهلكهم في هلكتهم، ولم يحسن النظر لهم، وكان قد تحرى في تركهم صلاحاً ورشداً، فوقع من ذلك في هلكة وارتكب إدّاً (3).
وسنضرب لك في ذلك أمثالاً(4)، ونقول فيه بالصواب إن شاء الله مقالاً؛ يصح رشده لكل ذي لُبِّ وعلم، ويتبين صدقه لكل ذي تمييز وفهم.
__________
(1) سقط من (أ، ج).
(2) في (أ): ما يحل. وكلاهما صحيح مع توجيه اسم الإشارة.
(3) الإدُّ: الداهية، والأمر الفظيع.
(4) في أ: مثالاً. وفي ج: الأمثال.(2/270)