وسالت عن الرجل يتزوج امرأة(1) لا تعرف الدين، ومذهبها على خلاف مذهبه، وهي في فنٍّ سوى فنّه، فعلمها ما يجب عليها من دينها، وما هو الحق اليقين عند ربها، فلا تتعلم، ولا تقبل ولا تفهم، فقلت: هل يجوز له أن يمسكها على ذلك؟
فالواجب عليه أن لا يبقي غاية في نصيحتها(2)، والتأني بها، وتعريفها وتفهيمها؛ فإن عرفت وفهمت، وتابت ورجعت؛ فذلك الواجب عليها، وإن أبت الدين، ولجَّت في مخالفة اليقين؛ فلا يجوز له إمساكها، ولا يسعه الإفضاء إليها، حتى ترجع إلى الحق الذي افترضه الله عليها الواحد الخلاق، أو يوقع عليها إن غَلَبته بينه وبينها ـ الواجب على مثلها من الفراق.
[معنى: ويحمل عرش ربك]
وسالت عن قول الله سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَومَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ}[الحاقة: 17].
ومعنى {العَرْشِ} فهو: المُلك، والملك فهو ما خلق الله وذرأ، من الآخرة كلها والأولى، وما فيهما من جميع الأشياء.
ومعنى {ثَمَانِيَة} فهو لا يخلو من أن يكون ثمانية أصناف من الملائكة، أو ثمانية آلاف، (أو ثمانية أملاك)(3). وحملها للعرش الذي هو الملك فهو: قيامها فيه ونهوضها، وقيامها به فهو: أمرها ونهيها، وإنفاذ أمر ربها، وإيصال الثواب إلى المثابين، والعقاب إلى المعاقبين، وما يكون من فعل الله في ذلك اليوم في المخلوقين.
فأخبر الله سبحانه أنَّه يقوم بحساب الخلق في ذلك اليوم، وإيصال ثوابه وعقابه إليهم، وإنفاذ جميع أمره فيهم؛ هذه الثمانية التي ذكرنا أوَّلاً، كانت من الملائكة آلافاً أو أصنافاً (أو أملاكاً) (4).
__________
(1) في (أ): مرأة.
(2) في (أ): في نصحها.
(3) سقط من (أ) و (ب).
(4) سقط من (أ) و (ب).(2/256)
ومعنى قوله: {فَوقَهُمْ} فهو: منهم، غير أن (فوق) قامت مقام (من)؛ لأنها من حروف الصفات، فهما يعتقبان. أراد سبحانه: {وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ} منهم ثمانية، ومعنى {مِنْهُمْ} فهو: من الملائكة. فأخبر أن الثمانية هم القائمون بأمر الله في ذلك اليوم ونهيه، وجميع ما يكون من فعله في خلقه، دون غيرهم من الملائكة المقربين.
وقد شرحنا تفسير هذه الآية في كتاب على حدة شرحاً مبيناً مفسراً، مستغنياً(1) بما مضى في الكتاب عن تكراره، في هذا الموضع(2)، من شرح ذلك كفاية لمن فَهِمَ، واهتدى لمعرفة ربه فعلم.
[الصلح مع نصارى تغلب]
وسالت عما ذكر أن النبي(3) صلى الله عليه وآله وسلم صالح أهل الكتاب على أن يكون أولادهم مسلمين، لا يعلمونهم اليهودية ولا النصرانية، وقلت: قد نقضوا العهد، فهل للإمام أن يبدأهم؟ وقلت: إنَّه يقال: إنهم الذين عناهم الله بقوله: {قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] دون غيرهم.
واعلم هداك الله أن اليهود ليسوا في شيء من هذا، وإنما أولئك الذين صالحهم رسول الله صلى الله عليه على أن لا يصبغوا(4) أولادهم، ولا يدخلوهم في شيء من أديانهم؛ هم نصارى (بني تغلب) دون غيرهم من النصارى.
__________
(1) في (أ): مستغنىً.
(2) كذا في النسخ، ولعل الصواب: وفي هذا الموضع.
(3) في (أ): أن رسول الله.
(4) الصبغة: الملة والدين، وماء أصفر يصبغ به النصارى الطفل ويسمى التعميد.(2/257)
وذلك أن بني تغلب عرب، وليسوا من بني إسرائيل، فأنفوا حين أخذ رسول الله صلى الله عليه الجزية من جميع أهل الذمة؛ فطلبوا من رسول الله صلى الله عليه أن يأخذ منهم ـ كما يأخذ من العرب ـ العشر، فأخبرهم صلى الله عليه وآله وسلم أن العشر لا يكون إلاَّ صدقة، وأن الصدقة لا تؤخذ إلاَّ من أهل الصلاة؛ لأنها تطهرة لهم وتزكية، فسألوه أن يأخذ منهم ضعفي ما يؤخذ من المسلمين على طريق الصلح؛ لسلامة أنفسهم، ونجاة رقابهم، لا على طريق الزكاة والتطهرة، فصالحهم صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وعلى أن لا يصبغوا أولادهم، وأن يكون أولادهم من بعدهم مسلمين، فأخذ منهم من أموالهم في كل أربعين شاة شاتين، وفي كل ثلاثين بقرة تبيعين أو تبيعتين، وفي الإبل في كل خمس(1) شاتين، وفيما يكال (ويوزن)(2) الخمس مما يسقى سيحاً أو بماء السماء، أو العشر فيما سقي من السواني والدوالي والخطَّارات، وفي النقد من الذهب في كل عشرين مثقالاً مثقال، وفي (الدراهم في)(3) مأتي درهم من الفضة عشرة دراهم، نصف العشر من الذهب والفضة، وأضعف(4) عليهم ما يجب على المسلمين من الزكاة المفروضة، وشرط عليهم أن لا يدخلوا أولادهم في شيء من اليهودية والنصرانية، وعلى ذلك أعطوا العهد.
__________
(1) في (ج): في خمس.
(2) ليس في (أ) و (ج).
(3) سقط من (أ).
(4) في (أ): أضعف، والمعنى أخذ منهم ضعف ما يأخذ من المسلمين.(2/258)
فواجب علىأهل الحق إذا أعلى الله كلمتهم، أن تُسبى نساؤهم، وتقتل رجالهم وتؤخذ أموالهم، إلاَّ أن يدخلوا في الإسلام كلهم فيرى رأيه(1)؛ لان القوم(2) الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفوا له بعهده، فانتقضت عهودهم، ووجب ما ذكرنامن الحكم عليهم. غير أن الباطل قد شمل وظهر، والمنكر قد علا وقهر، وعطلت الأحكام، ودَرَس الإسلام، وظهر الفسق، ومات الحق، فإلى الله في ذلك المفزع والمشتكى، عليه توكلنا وهو العلي الأعلى.
فأما ما ذكرت من أنهم الذين قال الله سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الكُفَّارِ}[التوبة: 123] فغيرهم أولى بهذه الآية منهم، من هو أقرب إلى الإسلام، وأَضّرَّ على دين محمد عليه السلام، من أولئك الكفرة الطغام.
__________
(1) أي الإمام.
(2) في (أ): لأن العرب.(2/259)
و{الَّذِينَ يَلُونَكُمْ} فهم: الذين بينكم ومعكم ممن يدعي الإسلام، وهو كافر بالله ذي الجلال والإكرم، كاذب فيما يدعيه، ثابت من الكفر فيما هو عليه،(1) من جبابرة الظالمين، وفراعنة العاصين، الذين قتلوا الدين، وخالفوا رب العالمين وأحلوا حرام الله، وحرموا حلاله، وانتهكوا محارمه، ولم يأتمروا بأمره، ولم ينتهوا(2)عن نهيه، وحاربوه في آناء الليل وأطراف النهار، فراعِنَة ملاعين، جوَرَةٌ متكبرون(3) لا يحكمون بكتاب الله، ولا يقيمون شيئاً من شرائع دين الله، قد قتلوا الإسلام والمسلمين، وأضاعوا الأيتام والمساكين، واستأثروا عليهم بأموالهم، فمات الخلق(4) هَزَلاً في دولتهم، لا في أمور المسلمين ينظرون، ولا إلى الله يرغبون(5)، ولا عذابه يخافون، ولا ثوابه يرجون، معتكفين على اللهو والمزامير، والضرب بالمعازف والطنابير(6)، هممهم(7) هِمَمُ بهائمهم ما واروه في بطونهم، أو باشروه بفروجهم، أو لبسوه(8) على ظهورهم؛ بغيتهم إذلال الحق والمحقين، وشأنهم إظهار الفسق والفاسقين، ومعتمد أمرهم مكايدة(9) رب العالمين، فهؤلاء يرحمك الله ومثلهم، وأعوانهم وخدمهم، وأصحابهم وشكلهم؛ أولى بالمجاهدة والقتال؛ من نصارى بني تغلب الأنذال؛ لأن هؤلاء أضر بالإسلام وأهله وأنكى، ومن كان كذلك من العباد؛ فهو أولى بالجهاد لضرره على المسلمين والعباد.
فافهم ما ذكرنا من تفسير خبرهم، واجتزينا بالقليل من ذكرهم، فإن لك في ذلك كفاية وشفاء، ودليلاً على ما سألت عنه وجزاء.
[المعراج في اليقظة أو المنام]
وسالت عما روي من صعود رسول الله صلى الله عليه إلى السماء.
فقلت: أكان نائماً، أو يقظاناً؟
__________
(1) في (ب): في الكفر مما هو عليه.
(2) في (أ): ولم يأمروا.. ولم ينهوا.
(3) في (ب): متكبرين.
(4) في (أ): فمات الحق.
(5) في (أ): يرتجون.
(6) الطنبور: من آلات اللهو، معرب.
(7) في (ج): همتهم.
(8) في (أ): ولبسوه.
(9) في (أ): مكابرة.(2/260)