وهذا الأمر فأبين ما يكون، ولن يخلط في الفرق بين الاسم والمسمى، حتى يقول: إن الاسم هو المسمى إلاَّ جاهل عمي، وضال غوي، لا يفرق بين علامة ولا معتلم(1)، ولا دلالة ولا مستدل عليه، ولا عرض ولا جسم. فافهم ما قلنا به في ذلك و شرحناه؛ بين لك إن شاء الله صدق ما قلناه.
[معنى: كل نفس بما كسبت رهينة]
وسألت عن قول الله سبحانه: {كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ}[المدثر: 38].
فمعنى قول الله سبحانه: {رَهِينَةٌ} أي مرتهنة، ومعنى مرتهنة: مأخوذة، ومعنى مأخوذة هو: مجازاةٌ بعملها، مكافأة على فعلها. فأخبر سبحانه أن كل نفس بِكَسْبِها مأخوذة، وكسبُها فهو عملها، وأخذه لها سبحانه بعملها، فهو إنفاذ وعده ووعيده لها، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَومَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَونَ إِلاَّ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ}[النمل: 89 ـ90]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[الأنعام: 160].
[وسوسة إبليس]
وسألت عن وسوسة إبليس كيف تكون منه إلى الآدمي؟
والوسوسة منه فإنماهي المقاربة والمداناة، والموالفة والمساواة.
__________
(1) في (ب): متعلم.(2/226)
وذلك أن إبليس اللعين بني على الفطنة والذكاء، والسرعة والمعرفة بمعاني الأشياء، التي ربما عرفها الآدميون، واستدركها منهم الفطنون، فيعرف إبليس اللعين في حركات الإنسان ووجهه؛ دلائل يستدل بها على ما أضمر في قلبه، من المعاصي لربه، فإذا رأى تلك الدلائل والعلامات في وجهه؛ استدل بهن على بعض ضميره، فإذا رأى في وجهه علامات إضمار المعصية، وتبين له أنَّه قد هم بغير الطاعة، واستبان ذلك من شواهد(1) حركات الآدمي، كما استدرك(2) كثيراً من ذلك الآدميون بعضهم من بعض، بما يرون(3) من شواهد ذلك ودلالاته وعلاماته، حتى ربما فطن الإنسان لصاحبه ما يريد منه، وما يريد في كثير من أمره، وكذلك يستبين منه الغضب والرضى، والسرور والغم، يتبين كل واحد من هذه الأشياء في وجه صاحبه، حتى يعرفه أهل الفطنة والفهم بما يظهر من شواهده في وجه مضمره، وكل يتبين الفَزَع والرُّعب في وجه المرعوب والفِزَع لمن كان ذا فطنة.
فكذلك وعلى ذلك، وبالشواهد في وجوه أولئك، يعرف إبليس اللعين ما أضمره صاحب المعصية والخطيئة، فإذا أيقن إبليس بذلك من الآدمي دانى قلبه وقاربه ولاصقه. وإبليس فَهَمَّهُ وإرادته ومعناه: المعصية واللعنة، فإذا قارب هذا الشكل من إبليس اللعين زيادة شكل المعصية التي هي في قلب الآدمي؛ قويت نيَّة الآدمي بالمعصية بمقاربة ما في قلبه من المعصية لشكله وهو إبليس؛ فيقوى الشكل بمقاربة شكله، والجنس بمقارنة جنسه، كما يقوى كل شيء بمداناة مثله، ومقاربة شكله.
فهذا معنى وسوسة إبليس، هو بالمقاربة والمداناة، لا بالمكالمة والمناجاة.
__________
(1) في (ج): منه بشواهد.
(2) في (ج): يستدرك.
(3) في (ب): بما يأتمرون.(2/227)
ومثل قوة المعصية في قلب الآدمي؛ بمداناة شكلها من هذا اللعين الجِنِّي؛ مثل الجمر جَعَلْتَ منها في بيت جماعة(1) خمسين رطلاً جَمْراً متوقداً يَقِدُِ بَعْضُهُ في بعض؛ ثم أتيت بمائة رطل أخرى جمراً متوقداً، و القيته إلى جنب ذلك الجمر الأول، فقوي عمل الأول بعمل الآخر، وقوي عمل الآخر بعمل الأول، واشتد عملهما، وصَعُبَ أمرهما، حتى لا يُطيق من في البيت أن يجلس فيه ولا يقوم مع شدة ما فيه من حرِّ النار وتلهبها، وقوة بعضها ببعض، فقوي عمل الجزئين بمقاربة أحدهما لصاحبه؛ إذ هما شكل واحد ومعنى واحد، ولو أفرد كل واحد منهما وفرق بينهما؛ لم يكن عملهما متباعدين كعملهما متقاربين.
فعلى هذا ومثله، من قوة الشكل بشكله، تكون وسوسة إبليس لصاحبه الآدمي، المضمر لما أضمر إبليس، المشاكل له بالإضمار في عمله، والمقارب بإضماره له في فعله.
فافهم ما ذكرنا من معاني الوسوسة، وفطنة إبليس لما يفطن به(2) في الآدمي من المعصية.
وقد قال غيرنا في ذلك بأقاويل، فزعموا أنَّه يجري في الآدمي مجرى الدم، (في الأبشار)(3)فاستحال ذلك عند من فهم؛ لأنَّه لا يجوز أن يدخل جسم في جوف جسم، فيجري في عروقه، ويجتمع في بدن واحد روحان، روح ساكن، وروح متحرك، هذا محال أن يستجن(4) في جسم واحد روحان، ولا يدخل في جسمٍ جسمٌ؛ لأن هذا لا يعرف في الأجسام، ولا يتهيأ ولا يثبت في العقول، فلما لم تقبله العقول(5) استحال أن يكون شيئاً معقولاً.
وقال قوم: يَلْقَى إبليس روح الآدمي (عند جولانه في وقت منامه، فيأمره وينهاه، ويزين له ما يريده ويشاه. وقالوا: لا تكون الوسوسة من إبليس إلاَّ من بعد النوم، ويلقى روح الآدمي) (6) عند خروجه من بدنه، وجولانه بعد نومه، فيكون منه إليه ما ذكرنا، ويُلقي إليه ما قلنا.
__________
(1) في (أ): في بيت فيه جماعة.
(2) في (ج): يفطن له.
(3) سقط من (أ) و (ج).
(4) في (ج): أن يسكن.
(5) في (ج): فلما نفته العقول.
(6) سقط من (أ).(2/228)
واستحال(1) هذا من قولهم أيضاً، كما استحال القول الأول؛ لأنا نظرنا في هذا المعنى فوجدناه باطلاً، وبطلانه أنا وجدنا الادميين ربما أتوا من أنواع المعاصي وألوانها في مجلس واحد بألوان وهم أيقاظ(2) غير نيام. فلما أن وجدناهم يعملون في مجلس واحد ألواناً كثيرة من المعاصي التي تخطر على قلوبهم بعضاً بعد بعض(3)، وتحدث في صدروهم حادثاً بعد حادث، وخاطراً بعد خاطر لم يتعملوا(4) قبل ذلك المجلس في شيء منها، ولم يضمروا جنساً من جنوسها، علمنا أن ذلك لوسواس(5) الشيطان ومقاربته، ورأينا من كان كذلك يقظاناً غير نائم، والمعاصي تأتي منه أولاً فأولا في مجلسه ذلك؛ من قذف المحصنات، وشرب خمرٍ، وقتل مسلم، وأخذ مال يتيم ومسكين، وضرب مؤمن، وسفك دمٍ حرامٍ، وشهادة زورٍ، وكذبِ وبهتان، وتشبيه الله سبحانه، وتجويره في فعله، وإكذاب لوعده ووعيده، وغير ذلك من ألوان الفسق، مما يأتي به كَفَرَةُ الخلق؛ فلما رأينا هذه الأشياء تكون من فاعلها في أوقات وساعات لم يدخل بينها منه نوم ولا غفلة، استحال عندنا أن تكون وسوسة إبليس من بعد النوم وخروج الروح؛ لان هذه المعاصي كلها في افتراقها وتشَتّت أصنافها كانت منه في يقظة لا نوم فيها. واستحال عندنا قول من قال بهذا الثاني، كما استحال قول من قال بالقول الأول.
ولم نجد باباً أصح ولا أثبت، ولا أقوى ولا أجدر أن لا يكسره أحد أبداً(6)، مما قلنا؛ من مداناة الشكل لشكله، وقوة الشبيه بشبيهه(7)، ووجدناه ثابتاً عند أهل العقل، لا ينكره ولا يجحده من وهبَ لباً، وفطنةً وفهماً.
[مم خلقت الملائكة والشياطين]
وسألت فقلت: من أي شيء خلقت الملائكة؟ ومن أي شيء خلقت الشياطين؟
__________
(1) في (أ): فاستحال.
(2) في (أ) و (ب): يقاظاً. والصواب: ما أثبته من (ج).
(3) في (أ): بعضها على قلوبهم بعد بعض.
(4) في (ب): لم يتعلموا.
(5) في (أ): بوساوس.
(6) يعني لا ينقضه ويبطله.
(7) في (أ): الشبه لشبهه.(2/229)
الجواب في ذلك أن الملائكة فيما سمعنا وبلغنا والله أعلم وأحكم خلقت من الريح والهوى، وأما الشياطين فخلقت مما قال الله وَحَكَى؛ {مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}[الرحمن: 15]. والمارج فهو خالص لهب النار، والذي هو يمرج من لهبها، ويتقطّع في الهواء منها، عند ارتفاع اللهب وعلوه، فيذهب في الهواء قطعاً قطعاً، ويتفصل من اللهب(1) تفصلاً، يستبان ذلك ويعرف عند تأجج النار وتوقدها، وعظمها وارتفاع لهبها، فعند ارتفاع اللهب وعلوه يخلص خالصه، ويمرج مارجه، ويتقطع المارج من اللهب، ويتفصل مارج النار من لهبها، ويذهب في الهواء متقطعاً، وذلك فهو مارج النار الذي ذكر الرحمن أنَّه خلق منه الجان.
والجان فهو الجن، والجن فهي الشياطين، وإنما سميت جناً وجاناً لا ستجنانها عن أبصار الآدميين، واستجنانها فهو غيبتها، فلما كانت بغيبتها مستجنة سميت باستجنانها جاناً. ألا تسمع كيف قال إبليس في آدم عليه السلام حين يقول: {أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِيْنٍ}[الأعراف: 12 ، ص: 76]. فهذا دليل على ما به قلنا. وأدل منه قول اللّه تبارك وتعالى: {وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ}[الرحمن: 15] وهذا مما لا شك(2) فيه ولا امتراء، والحمد لله العلي الأعلى.
[معنى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسما وات]
وسألت عن قول الله سبحانه: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُِ}[إبراهيم: 48].
__________
(1) في (أ): وينفصل من اللهب.
(2) في (أ): فما لا شك.(2/230)