بذلك على الأمة النعم السابغة، لا يجهل فضلهم إلاَّ جهول معاند، ولا ينكر حقهم إلاَّ معطل جاحد، ولا ينازعهم معرفة ما به أَتَواْ عن الله إلاَّ ظلوم، ولا يكابرهم فيما أدوه إلى الأمة عن الله إلاَّ غَشوم(1)، لأنهم أهل الرسالة المبلَّغة، والآتون من الله بالحجة البالغة، الذين افترض الله على الأمة تصديقهم، وأمروا باتباعهم ونُهُوا عن مخالفتهم، وحُضُّوا على الإقتباس من علمهم، ألا تسمع كيف يقول الرحمن، فيما نزل من النور والبرهان، حين يقول: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [الأنبياء: 83]؟ فأُمِرَت الأمةُ بسؤالهم عند جهلها، والإقتباس منهم لمفروض(2) علمها. ثُمَّ قال الله سبحانه: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُوْلِ وَإِلَى أُولي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِيْنَ يَسْتَنْبِطُوْنَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إَلاَّ قَلِيْلاً} [النساء: 83]، فأخبر سبحانه أنهم لو ردوا ما يجهلون علمه، ولا ينالون فهمه إلى الله؛ بالتسليم له في حكمه،وإلى الرسول في معلوم علمه، وإلى الأئمة من عترته فيماالتبس من ملتبسه،واشتبه على الأمة من متشابهه؛ لوجدوه عندالله في كتابه مُثْبتاً، وفي سنة رسوله التي جاء بها عن الله مبيناً، وعند الأئمة من عترته صلى الله عليه نيراً بيناً. ثُمَّ اخبر سبحانه أنَّه لولا فضل الله على الخلق بإظهار من أظهر لهم من خيرته، وتولية(3) من ولَّى عليهم من صَفوته، إذن لاتبعوا الشيطان في إغوائه، ولشاركوه في غيه وضلاله، فامتن عليهم سبحانه بأئمة هادين (مهتدين)(4)، غير ضالين ولا مضلين، صِفْوة الله من العالمين، وخيرته من المخلوقين، نور الأمة، وسراج الظلم المدلهمة، ورعاء البرية، وضياء الحكمة، ومعدن العصمة، وموضع الحكمة، وثبات
__________
(1) في (أ): عن الأمة إلا غشوم.
(2) في (أ): لفروض.
(3) في (ب): وتوليته.
(4) ليس في (أ).(2/186)


الحجة، ومختلف الملائكة، اختارهم الله على علمه، وقدمهم على جميع خلقه، علماً منه سبحانه بفضلهم، وتقديساً لهم على غيرهم، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِيْنَ اصْطَفِيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيْرُ} [فاطر: 32]، فأخبر بما ذكرنا من اصطفائهم على الخلق، ثم ميزهم فذكر منهم الظالم لنفسه، باتباعه لهوى قلبه، وميله إلى لذته. وذكر منهم المقتصد في علمه، المؤدي إلى الله فرضه(1)، المقيم لشرائع دينه، المتبع(2) لرضى ربه، المؤثر لطاعته. ثُمَّ ذكر السابق منهم بالخيرات، المقيمين لدعائم البركات، وهم: الأئمة المطهرون(3)، المجاهدون السابقون، القائمون بحق الله، المنابذون لأعداء الله، المنفذون لأحكام الله، الراضون لرضاه، الساخطون لسخطه، والحجة بينه وبين خلقه، المستأهلون لتأييده، والمستوجبون لتوفيقه، المخصوصون بتسديده، في كل حكم به حكموا، أو قياس في شيء من الأحكام به قاسوا، حجة الله الكبرى، ونعمته العظمى، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {إِنَّمَا يُرُيِدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيْراً} [الأحزاب: 33]. وفي طاعتهم، وما أمر الله من رد الفتيا بين المفتين وما فيه يتنازع المتنازعون إليهم ما يقول الله تبارك وتعالى: {يَا أّيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا أَطِيْعُوا اللهُ وَأَطِيْعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِيْ الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِيْ شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيْلاً}
__________
(1) في (ب): الفرض.
(2) في (ب): المبتغي.
(3) في (أ): الطاهرون. وفي (ج): الظاهرون.(2/187)


[النساء: 59]. وما جاء من الله تبارك وتعالى لآل رسوله من الذكر الجميل، والحض للعباد على طاعتهم، والإقتباس من علمهم؛ فَكَثِيرٌ غير قليل، يجزي قَلِيلَه عن كثيره، ويَسيرَه عن جليله، من كان ذا علم واهتداء، ومعرفة بحكم الله العلي الأعلى. وكل ذلك أمر من الله سبحانه للأمة برشدها، ودلالة منه على أفضل أبواب نجاتها، فإن اتبعت أمره رشدت، وإن قبلت دلالته اهتدت، وإن خالفت ذلك غوت(1)، ثُمَّ ضلت وأضلت، وهلكت وأهلكت، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ} [الأنفال: 42].
وفي أمر الأمة باتباع ذرية المصطفى، ما يقول النبي المرتضى: (( إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن(2) تضلوا من بعدي الثقلين(3): كتاب الله، وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ))، ويقول صلى الله عليه وآله في تفضيلهم، والدلالة على اتباعهم، وما فضلهم الله به على غيرهم: (( النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم من السماء أتى أهل السماء ما يوعدون، وإذا ذهب أهل بيتي من الأرض أتى أهل الأرض ما يوعدون )). وفيما ذكرنا من أمرهم ما يقول صلى الله عليه وآله وسلم: (( مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق وهوى )).
وهذا ومِثْلُه فَكَثيِرٌ عنه صلى الله عليه وآله وسلم فيهم، يفهمه من روى عنه عليه السلام، ونحن نستغني بقليل ذكره عن كثيره.
ثُمَّ اعلم أيها السائل أن الحق لا يؤخذ إلاَّ من أحد ثلاثة وجوه: كتاب ناطق، أو إجماع من الأمة في ما نقلته عن النبي عليه السلام من السنة التي جاء بها عن الله، وَأَمْرٍ بيَّنَتْه وصحّ‍حَتْه العقولُ، وميَّزَتْ وأخرجت حقه، وشَرَعت صدقَه.
__________
(1) في (ب): غويت
(2) في (أ): لم.
(3) في (ب): من بعدي أبداً كتاب الله.(2/188)


ثُمَّ اعلم أيها السائل أن القياس يخرج على معنيين: أحدهما ثابت صحيح، والآخر باطل قبيح.
فأما المعنى الباطل منهما فهو قول القائل: قَاسَ فُلاَنٌ ويَقِيسُ فُلاَنٌ، يريد بذلك قياساً على غير الكتاب، يضرب بعض القول ببعض، ويقيس براي نفسه على رأي غيره، ويشبه مذهبه في القياس بمذهب غيره، فيخرج قياسه قياساً فاسداً، لا يجوز هذا القياس في الدين، ولا يثبت في أحكام المسلمين، بل من تعاطى قياساً على ما ذكرنا، أو قولاً مما(1) شرحنا؛ كان مُحِيلاً مبطلاً، فاسد(2) المذهب جاهلاً.
والمعنى الذي يثبت في كل معنى، ويكون دليلاً على النور والهدى، فهو: أن يكون العالم المتبحر في علمه، المتمكن في فهمه، إذا ورد عليه أمر قاسه على كتاب الله، وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومعنى قولنا: قاسه، فهو دبَّره ونظره، وفكر فيه وميزه، واستعمل في استخراجه ـ من كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ـ عقله، فغاص عند نزول النازلة، في بحور الكتاب والسنة، حتى استخرج باستدلاله علم حاجته من كتاب ربه، وسنته التي أنزلها على نبيه. فهذا المعنى هو القياس الصحيح.
ومعنى اسم القياس هاهنا من قول القائل: قاس؛ فإنما هو استدل، وأصاب وميز، فاستخرج بقياسه وتمييزه؛ الصوابَ من كتاب ربه، ووقف بجودة تمييز قياسه(3)، وغَوَصَان لُبِّه على طلبته، وَجَال(4) بما ركب الله في صدره من ثابت لُبِّه، إذ أجاد استعْمَالَهُ في حاجته؛ ما طَلَب من علم نوازل الأحكام، ووقف بذلك على معرفة أصول دين الإسلام، فكان بقياسه وتمييزه؛ راداً لفروع دينه إلى أصوله، فالتأم له ـ بالتمييز والنظر، وجودة إنصاف العقل والفكر ـ ما افترق، وارتتق له بذلك في الأحكام ما انخرق.
__________
(1) في (ب، ج): فيما.
(2) في (أ): باطل.
(3) في (أ): ووقف بجودة قياسه.
(4) كذا في النسخ، ولعلها: وحاز.(2/189)


فافهم هديت معنى قول القائل: قاس ويقيس، واستعمل لبك في معرفة الفرق بين المعنيين الذين ذكرنا، حتى تقف(1) فيهما على الهدى، وتكون من ذلك في قولك كله على الإستواء، والحمدلله العلي الأعلى، وصلى الله على محمد المصطفى، وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار.
ثم اعلم من بعد كل علم ومن قبله، وعند استعمالك لعقلك في فهمه(2)، أن الذين أَمَرنا باتباعهم من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وَحَضَضنَا على التعلم منهم، وذكرنا ما ذكرنا من أَمْرِ الله برد الأمور إليهم؛ هُم الذين احتذوا بكتاب الله من آل رسول الله، واقتدوا بسنة رسول الله الذين اقتبسوا علمهم من علم آبائهم وأجدادهم، جداً عن جد وأباً عن اب، حتى انتهوا إلى مدينة العلم، وحصن الحلم، الصادق المصدَّق، الأمين الموفق، الطاهر المطهر، المطاع عندالله المُقّدَّر، محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فَمَنْ كَانَ علمه من آل رسول الله صلى الله عليه وآله على ما ذكرنا، منقولاً إلى آبائه، مقتَبساً من أجداده، لم يزغ عنهم، ولم يقصد (في ذلك)(3) إلى غيرهم، ولم يتعلم من سواهم؛ فَعِلْمُهُ ثابت صحيح، لا يدخله فساد ولا زيغ، ولا يحول أبداً عن الهدى والرشاد، ولا يدخله اختلاف، ولا يفارق الصحة(4) والائتلاف.
فإن قلت أيها السائل: قد نجد علماء كثيراً منهم، ممن ينسب إليه علمهم؛ مختلفين في بعض أقاويلهم، مفترقين في بعض مذاهبهم، فكيف العمل في افتراقهم، وإلى من نلجأ منهم، وكيف نعمل في اختلافهم، وقد حَضَضْتَناَ عليهم، وأعلمتنا أن كل خير لديهم، وأن الفرقة التي وقعت بين الأمة هي من أجل(5) مفارقة الأئمة من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟
__________
(1) في (ج): تستدل.
(2) في (ب): فهمك.
(3) سقط من (أ).
(4) في (ب): ولا تفارقه الصحة.
(5) في (ب): بين الأمة فمن أجل.(2/190)

138 / 209
ع
En
A+
A-