الموفين(1) إذا وعدوا، والصادقين إن نطقوا، والعادلين إن حكموا.
فإن قال السائل عن الخِلْفة، المتكلم في الفرقة. أفتقولون: إنهم لو قصدوا هذا المعدن(2) في علمهم، واقتبسوا منه في حلالهم وحرامهم لم يضلوا، ولم يفترقوا، ولم يقع اختلاف بينهم فيما به تكلموا؟!
قيل له: نعم كذلك نقول، وإليه معنانا يؤول.
فإن قال: فكيف لا تقع الفرقة، ولا يكون بين أولئك صلوات الله عليهم خِلْفة؟
قيل له: لأنهم أخذوا علمهم من الكتاب والسنة، فلم يحتاجوا إلى إحداث رأي ولا بدعة، تكلموا بالكتاب الناطق، واعتمدوا على الوحي الصادق، فكان الكتاب والسنة لهم إماماً يحتذون حذوه، ويقتدون في الأمور قدوه، فثبت لهم به الإلفة، وزالت عنهم الفرقة.
فإن قال السائل: فخبرونا عما عنه نسألكم، وأنبئونا عما(3)نسمع من قولكم، أتقولون: إنَّ جميعَ ما يدور بين الناس من الحلال والحرام، وما يرد من أحكام هذه الأمة على الحكام، وما يجري بينها من القضايا والأحكام، في قليل القضاء وكثيره، وقديمه وحديثه، وصغيره وكبيره؛ هُوَ كُلُّه في الكتاب موجود، وفي قلوب الحكام من آل رسول الله ثابت غير مفقود؛ فكلما ورد عليهم سبب من الأسباب؛ وجدوه عند وروده مُبّيَّناً في الكتاب، وكان في صدورهم محفوظاً، موجوداً معلوماً مصححاً؟
__________
(1) في (أ)، و(ج): الوافين إن.
(2) في (ب): أهل المعدن.
(3) في (أ): نسئل.(2/176)
قيل للسائل عن ذلك: إن الأصولَ كلها، والفروعَ المحتاج إليها؛ في الكتاب والسنة، فإذا علم العالم ذلك وأتى على معرفته، وعرف مجمله ومحكمه، وفروعه ومتشابهه، ونظر في ذلك كله بقلبٍ فَهِمٍ، سالم من الجهل، بريء من الخطل، بعيد من الزلل؛ ثُمَّ وردت عليه مسألة استدرك علمها ساعة ترد عليه؛ إما بآية ناطقة، أو شريعة باسقة(1)؛ تنطق له بالحكم فيما ورد عليه، وتبين له ما يحتاج من ذلك إليه، أو بقياس يصح من السنة، ويثبت في الايات المحكمة، وتشهد له الشرائع المشروعة؛ يكون هذا القياس فرعاً من فروع الحق، ثابتاً ونوراً شاهداً على ما فيه من الصدق. فيكون القياس ممن علم ما قلنا، وتفرع فيما ذكرنا وفهم ما شرحنا؛ قياساً واحداً، إذ كان ذلك له أصلاً مؤصَّلا، تخْرجُ هذا القياس وتبينه، وتشرعه وتوضِّحه، وتَدلُّ عليه وتُفرعه؛ حُجَجُ الله التي في الصدور، المركبة للتمييز بين الأمور؛ من هذه العقول المجعولة لما ذكرنا، المركبة لما شرحنا؛ من التمييز بين الباطل والحق، والفرق بين البِرِّ والفسق.
__________
(1) في (ج): ناسقة.(2/177)
فإذا علم الحاكم ما يحتاج إليه من الأصول والفروع؛ لَمْ يَخْرُج كلما يرد عليه من أن يكون حكمه وقياسه في أصول الكتاب وفروع السنة؛ إما شيئاً ناطقاً قائماً قد حكم به المجُمْل المؤصَّل، وبَيَّنَهُ الفرع المفصّل، فيحكم فيه بحكمهما، ويحتذي العالم فيه بوجههما(1)، فإن عدم لفظ ما يأتي من الحكم(2) والفتيا، من أن يكون في المجمل أو المفصل منصوصاً مفسراً؛ لم يعدم قِيَاسَه والدليل عليه، حتى يَقِف بالمثل على مثله، ويَعرفَ الشكل في ذلك بشكله، ويقيس ما أتى من ذلك على أصله؛ لأن أصلَ كلِّ حق وهدى، وقياس كل حكم أبداً؛ فَفِيْ الكتاب والسنة موجودٌ، يستخرجه العالم بعقله(3)، ويستدل على قياسه بمركب لبه، حتى يتبين له نوره، وتشرع له طريقه، ويصح له قياسه على الحق الذي في الكتاب، تشهد له بذلك شواهد(4) القرآن، وتنطق له بالتصديق السنة في كل شأن. فَيَكُونُ العالمُ في علمِهِ، واستخراجه لما يحتاج إليه من حكمه، من كتاب الله وسنته؛ على قَدْرِ ما يكُونُ من صفاءِ ذهنه، وجودةِ تمييزه، واستحكام عقله، وإنصافه لِلُبِّه، وجودةِ تمكن علم الأصول في قلبه، وثبات علم الكتاب والسنة في صدره، الذين عليهما يقيس القايسون، (وبهما يحتذي المحتذون، وإليهما يرجع الحاكمون، ومنهما يقتبس المقتبسون)(5)، وإليهما عند فَوَادِحِ النَّوازِلِ يلجأ العالمون.
__________
(1) في (ج): بموجبهما.
(2) في (ب): المحكم.
(3) في (أ): بحكمه.
(4) في (أ): سور.
(5) سقط من (أ).(2/178)
فإذا كَمُلَت معرفةٌ العالم بأصول العلم المعلوم، وصحت معرفته بفهمِ غامضِ الشرائع المفهوم، فكان لعلمه به، واستدراكه لغامضه وجودة دراسته(1)، وإحاطته بباطنه وظاهره قَاهِراً بحول الله وقدرته لما يرد عليه من متشابهه، عارفاً بما يحتاج إليه من قياسه، مضطلعاً بتمييز فروعه، بصيراً بتفريع أموره. فَكُلَّما وَرَدَ عليه من ذلك وَارِدٌ أصْدَره باستدراكه له مَصْدَرَه. فصعْبُ العلمِ على من كان كذلك سَهْلٌ يسير، وغامضه عنده والحمدلله بَيِّنٌ مُنِير، لا يشتبه عليه فيه شبهان، ولا يستوي في الحكم عنده منه ضِدَّان، يميز مميزاته بعقله، ويفرق مفترقاته بِلُبِّه، ويجمع مجتمعاته بفهمه، قد أحْكَمَتْهُ في ذلك التجربة(2)، وأعَانَتْهُ على ذلك الخبرة(3)، فكلما ورد عليه فرع من الفروع ردَّه إلى أصله، وكلما ورد عليه شيء من متشابهه(4) بينه بالرد له إلى محكمه، لا يَغيِبُ عمَّن وهَبَهُ الله عِلْمَ كتابه، وفهَّمه(5) معاني سنته؛ مَوْضِعُ حاجته، ولا مكان فاقته؛ من حلاله وحرامه، وما يرد عليه من مفترق القضاء عند ورود مزدحمات المسائل على قلبه، ومتراكمات النوازل على فهمه. فكُلمَّا وَرَدَ عليه من ذلك وَارِدٌ فادح، أو قدح في قلبه منه عظيم قادح؛ اعتمد في (فصله، و)(6)قطع مشتبهات أمره؛ على الأصول المحكمات في قلبه، والفروع المتفرعات في صدره؛ من الكتاب والسنة، فأَنَارَ(7) له بعون الله وفضلِهِ نورُ الحقَّ وصدقُه، وصَحّ(8) له برهانُ الحكم وحقُّه، فقال في ذلك بقولٍ أصيلٍ، واستدل منه على الحق بأفضل دليل.
__________
(1) في (أ): رساخته.
(2) في (ب): تجربته.
(3) في (ب): خبرته.
(4) في (أ، ج): المتشابه.
(5) في (ب): في فهم معاني. والمعنى: مع فهم.
(6) سقط من أ .
(7) في (أ): فأبان. ولعلها بمعنى: بان.
(8) في (ج): ووضح.(2/179)
فَمَثَلُه ـ فيما يرد عليه من الفروع والفصول، مما يحتاج إلى قياسه على الأصول، ـ كَمَثَلِ رجل اتخذ أرضاً فجعل في كل جانب منها نوعاً من أنواع الأشجار، (ثُمَّ)(1) غَذَّاها وسقاها، وقام عليها وذراها(2)، حتى ثَبَتَتْ أصولها، وتَفرَّعت فروعها، وخرجت ثمارها، فهو بمكان(3) كل نوع منها عارف، وفَهِمٌ (عالم)(4) غير جاهل، فكُلَّما سُئِل عن شجرة، أو طُلِبَ منه من ثمارها ثمرة؛ قَصَدَ لموضِعِ تلك الشجرة، فأَخذ ما يحتاج إليه من ثمرها، فَأَسْرَع به إلى طالبها، ولم يحتج ـ لمعرفته بموضع حاجته ـ إلى الدَوَرَان في جوانب أرضه، والتفتيش عن حاجة سائله، كما يعمل الجاهل بمواضع تلك الأشجار، وأماكن تلك الثمار.
فالعَالِمُ في علمه، وعند قياسه وحكمه، والمَعْرِفةِ بما يرد عليه من شرائع دينه؛ كصاحب هذه الأرض المهتدي إلى ما يطلب منها، العالم بمواضع ثمارها، الخَابِر بنواحي أشجارها. فحال العالم في عِلْمِ ما دَارَسَ من(5) حكمه، وحَفِظَ وأَحاط به مِنْ علمه؛ كَحَالِ معرفة صاحب هذه الأرض بأرضه. فاسْتِدْلاَلُ العالم واهتداؤه إلى قياس العلم والأحكام؛ فيما يرد عليه من الحلال والحرام؛ كاستدلال صاحب الأرض إلى أشجاره، ومعرفته بما يبتغيه من ثماره(6)، لا فرق بينهما، ولا اختلاف عند ذي عقل فيهما. بَل اهْتِدآءُ من هداه الله إلى علمه، واسْتِدْلاَلُ من دلَّه اللهُ على غوامِض حُكمِه؛ أَبْيَنُ تبياناً، وأَنْوَرُ في العقل برهاناً؛ من اهْتِدآء صاحب الأرض في أرضه، ومعرفته بما غرس من شجره. والحمدلله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين.
__________
(1) ليست في (أ).
(2) في (أ): ودارها. يعني أدارها.
(3) في (أ، ج): بأماكن.
(4) سقط من أ.
(5) في (ب): فحال العالم في علمه ما داوس في.
(6) في (ب): إلى أشجارها، ومعرفته إلى ما يبتغيه من ثماره.(2/180)