فلما عظم الأمر، وجل الخطر، ورأينا الهلكة واقعة بهم، والضلالة شاملة لهم؛ رأينا أن نفسر قول القائل: (سنة)، ونشرح ما السنة؟ وكيف كان تفريع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما فرع من الأصول المنزلة، التي جاءت في كتاب الله سبحانه مجملةً.
فقلنا: إن رسول الله عليه السلام لم يكن ليخترع أمراً دون الله سبحانه، وأنه كما قال صلى الله عليه وآله وسلم حين يقول: {إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ مَا يُوحَى إِليَّ} [الأحقاف:9]، وكما قال عليه السلام: {وَمَا أَنَاْ مِنَ الْمُتَكَلِّفِيْنَ} [ص:86].(2/156)
ونقول: إن الله سبحانه لم يكل شيئاً من ذلك إلى نبيه يبتدعه ولا يشرعه، ولا يفرضه ولا يثبته، إذاً لقد كلفه شططاً من أمره، وألزمه معوزاً من فعله، بل القول في ذلك المبين، والحق النير اليقين؛ أن الله سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه؛ أصَّل(1) أصول فرائضه في الكتاب المبين، ونزله على خاتم النبيين، فجعل في كتابه أصل(2) كل ما افترضه من الدين، وبينه لجميع العالمين، فكانت أصول الدين في الكتاب كلها، وجاءت الفصول مفصولة، والفروع المفرعة؛ إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله ذي الجلال والإكرام؛ على لسان الملك الكريم؛ جبريل الروح الأمين، فنزل شرائع(3) الدين، وتفريع أصول القرآن المبين، على محمد صلى الله عليه وآله وسلم كما نزل عليه السلام بالأصول إليه، وكان نزوله بالفروع مفرعةً؛ كنزوله بالأصول المجملة المجتمعة، وأدى جبريل الروح الأمين، إلى محمدٍ خاتم النبيين؛ فروع شرائع الدين، عن الله رب العالمين؛ كما أدى مجملات أصول القرآن المبين. والسبب في تفريق ذلك من الله، فنظر من الله لبريته، وعائدة على خلقه، ولطف في فعله وصنعه، وتقوية لمن أراد حفظ كتابه، وجعل(4) ما نزل من وحيه وبيانه. فخفف عنهم في الكتاب، وأعانهم بذلك في كل الأسباب، ففرق بين الأصول الموصلة، والفروع المفرعة، فجعل الأصول في الكتاب مجملة جاء بها جبريل، وجعل الفروع في غير الكتاب جاء بها أيضاً جبريل، وكل من الله(5) وحي مبين وتفصيل، وفرضاً منه سبحانه وتنزيل، بعث بهما كليهما رسولاً واحداً، ملكاً عند الله مقرباً، أميناً مؤتمناً، فأدى إلى الرسول ما به أرسل، وتلا عليه من ذلك ما أمر بتلاوته عليه، فكان ذلك من الله فرضاً مميزاً، وديناً من الله مفترضاً، لم يكن من رسوله فيه اختيار، ولم يشرع لأمته من دين الله إلا ما
__________
(1) في (ب): أنزل.
(2) في (أ،ج): أصول.
(3) في (ج): بشرائع.
(4) كذا في النسخ وظنن في هامش (ج) بـ وحمل.
(5) في (ب): فكان من الله.(2/157)
شرع الله، ولم يأمرها إلا بما أمرها الله، ولم ينهها إلا عما نهاها الله.
من ذلك ما قلنا به من قول الله: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43، وغيرها]، فنزلت هاتان اللفظتان في القرآن موصلتين، وجاءتا فيه مجملتين، فاحتملت الصلاة أن يصلى كثيراً أو قليلاً، إذ جاء ذلك مجملاً، ثم فسر الله ذلك على لسان جبريل، كما نزل على لسانه القرآن الجليل، فجعل الله الظهر أربعاً، والعصر أربعاً، والمغرب ثلاثاً، والعتمة أربعاً، والصبح اثنتين، فبين لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم تفسير ما جاء في كتابه مجملاً؛ من أمره بالصلاة جزماً، ولم يكله إلى أن يتكمه في ذلك تكمهاً، ولا أن يتخبط فيه صلى الله عليه وآله وسلم تخبطاً. وكذلك لمَّا أن قال سبحانه(1): {وَآتُوا الزَّكَاةَ}، احتمل أن تؤخذ من كل دينار ودرهم، وشاة وجمل، ومدّ ومكوك(2)، ومن الغني والفقير، ومالك ألف شاة، ومستغل ألف مد، ومستغل مد، وصاحب ألف دينارٍ وصاحب دينار؛ لأنه سبحانه يقول: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيْهِمْ بِهَا} [التوبة: 103]، ولم يفسر فيما أنزل من القرآن، كم يأخذ من كل إنسان، مالك الحقير والقليل، ومالك الكثير والجليل. ثم فسر سبحانه على لسان الملك الذي نزل بالقرآن، من عند الواحد الرحمن؛ ما يجب في الأموال، وما يؤخذ من أهلها في كل حال، وما يجب على المالك المؤسر، وفي كم تسقط عن المالك المعسر، وكم هي؟ وكيف هي؟ حتى سنن أسنان مواشيها، فجعلها سناً سناً، في عدد معروف معلوم، وكذلك فيما يكال ويوزن من الوزن والكيل المفهوم.
__________
(1) في (ب): قال سبحانه.
(2) المُدّ: مكيال، وهو رطل وثلث عند أهل الحجاز، ورطلان عند أهل العراق، والمكوك كذلك، وهو ثلاث كيلجات، والكيلجة مناً وسبعة أثمان مناً، والمنا رطلان.(2/158)
وكذلك قال تبارك وتعالى في الديات، فقال: {الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنْثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ فِاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيْفٌ مِنْ رَبّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمْنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيْمٌ} [البقرة:178]، (فقال سبحانه: {فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيْهِ شَيْءٌ فِاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ})(1)، فقال: {عَفَي} يريد من القتل(2) إلى الدية، فأمر(3) بأداء الدية إلى من عفى، إذا قبل الدية وأرادها. ثم قال سبحانه في موقع آخر: {فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء:92]، في قتل الخطأ فأوجب الدية. وقال في موضع آخر: {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة:45]، فجعل في جروح العمد القصاص، وجعل القود(4) في قتل العمد، وجعل الديات في جروح الخطأ، فأنزل ذكر ذلك في الكتاب مجملاً، ولم يجعله مشروحاً مفسراً، ثم بينه على لسان نبيه وفسره، وجعل الدية ألف مثقال في أهل الذهب، وعشرة آلاف درهم قفلة في أهل الدراهم، وجعلها ألفي شاة في أهل الغنم، وجعلها مائتي بقرة في أهل البقر، ومائة من الإبل في أهل الإبل، ثم سنَّنَهَا وبيَّنها على لسان نبيه عليه السلام، ثم لم يكن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك شيء إلا البيان، والأداء عن الله بإحسان.
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (ب): فقال عفا، يريد عفا من القتل.
(3) في (أ): ثم أمر.
(4) في (أ): كما جعل القود. والقود هنا: القصاص.(2/159)
وكذلك جميع الفرائض والمواريث، ففسر منها في كتابه ما فسر(1)، وفسر على لسان نبيه(2) باقي ذلك. وكذلك في جميع أحكام الحلال والحرام، فكل ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إنه حلال؛ لا يجوز تحريمه، وما قال إنه حرام؛ لا يجوز تحليله، وكل ما أوقف الأمة عليه، وجعله فرضاً عليها مفروضاً؛ لم يجز لها تعديه، ولم يطلق لها النقصان ولا الزيادة فيه؛ فهو من الله سبحانه لا منه صلى الله عليه وآله وسلم، لم يزد رسول الله عليه السلام فيما أمر به، ولم ينقص منه، بل أدى الأمانة والنصيحة فيه صلوات الله وبركاته عليه.
فمن قال: إن شيئاً من هذه المحصورات(3)؛ من المحرمات والمحللات؛ كان من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنة ابتدعها لم تبين ولم تشرح ولم تشرع؛ فقد جهَّل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وجهَّل في قوله بذلك الله عز وجل، سبحانه عن ذلك، وتعالى علواً كبيراً أن يكون كذلك، أو أن يكل نبيه عليه السلام إلى نفسه، أو أن يجعل إليه شيئاً من فرض دينه، حتى يفرضه دونه.
ومعنى قول القائل: سنه، فإنما هو بينه وأظهره، وذكره عن الله وشرعه، وبينه عنه سبحانه وأعلنه، لا أنه اقترحه ولا اخترعه.
__________
(1) في (ب): المفسر.
(2) في (ب): لسانه.
(3) في (ب، ج): المحظورات.(2/160)