فَضَّلَ اللّهُ الْمُجَاهِدِيْنَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ دَرَجَةً وَكُلاً وَعَدَ اللّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِيْنَ عَلَى الْقَاعِدِيْنَ أَجْراً عَظِيْماً دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيْماً} [النساء:195 ـ 196]، ثم قال سبحانه فيما أمر به عباده من النفير في سبيل الله، والإحياء لشرائع دينه: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِيْ سَبِيْلِ اللَّهِ ذَلِكَمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [التوبة:41]، ثم قال تخويفاً للقاعدين، وإعذاراً وإنذاراً للمتربصين، واحتجاجاً على المتخلفين؛ عن واجب ما أوجب أحكم الحاكمين، وتبييناً لفضل المنابذين؛ لمن نابذ شرائع الدين، وجهد في إبطال الحق واليقين، وكان ضداً مدافعاً للحق، وكهفاً وسنداً للفسق: {إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعْذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيْماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ} [التوبة:39]، ثم ذكر سبحانه فذم ذا التَّعِلاَّتِ(1)، وأهل التأويلات الباطلات، فأخبر أنه لاعذر لهم فيما به يعتذرون، ولاحجة لهم فيما فيه يتأولون، من التعلق بالشبهات، والتسبب لمنال (2) الفكاهات، والتلذذ بمقاربة الأولاد والزوجات، وجميع الأموال من التجارات، فقال سبحانه تحذيراً لهم، وتنبيهاً عن وسنتهم، وتيقيظاً (3) لهم من رقدتهم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبآاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيْرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلِيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٌ فِيْ سَبِيْلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى
__________
(1) يعني أصحاب الأعذار الكاذبة.
(2) في (ب): والتسبب لمثال.
(3) في (ب): وتيقظاً.(2/151)
يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقْيْنَ} [التوبة:24]،سمى من كان كذلك، أو ضرب لنفسه (1) تأويلاً (2) في ذلك فاسقين، وأوجب لهم ما أوجب على الفاجرين، من عذاب الجحيم، والخلود في العذاب الأليم. ثم قال سبحانه ترغيباً لعباده المؤمنين، وإخباراً لهم بما أعد لهم على الجهاد من الثواب المبين: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِيْ سَبِيْلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِيْ مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِيْ جَنَاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيْمِ وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللهِ وَفَتْحٍ قَرِيْبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِيْنَ} [الصف:10 ـ 13]، صدق الله سبحانه إن ذلك للتجارة الكبرى، والكرامة الجليلة العظمى، والحظ العظيم، والأمر الجسيم؛ الذي جل ذكره وعظم قدره، وحسن عند الله مآب فاعله، وجل لديه سبحانه خطر القائم به، جعله له سبحانه مؤتمناً على خلقه، ومرشداً إلى أمره، خصه بخواص الكرامة الكاملة، وأعطاه العطية الفاضلة، وجعله حجةً شاملة، ونعمةً على الخلائق دائمة. نسأل الله إيزاع شكره، وبلوغ ما نؤمل من طاعته، فإن ذلك أفضل ما أعطى الخلق من العطاء، وأعظم ما بلغه بالغ من الرجاء، ونسأل الله أن يصلي على محمد عبده ورسوله المصطفى، وأمينه المرتضى، وخيرته من خلقه، وأمينه على وحيه، وصفوته من بريته، صلى الله عليه وأهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيراً.
__________
(1) في (أ) و(ج): ثم سمى.
(2) في (ب): تأولاً.(2/152)
ثم نقول من بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وآله وسلم: أما بعد، فإنا نظرنا في أمور هذه الأمة وأسبابها، وقلبنا ما قلبنا من حالها وأخبارها، وافتراق أقاويلها، وفساد تأويلها، وقلة ائتلافها؛ فوجدنا أمورها تدل على أنها ضيعت ما به أمرت، حتى صعب قيادها، وكثر حيادها؛ فقلَّ(1) فهمها، (وقل احتياطها)(2)، وكثر تخليطها، وصار لكلها قول مقول، وعمل فادح معمول، ينفر منه القلب الجهول، فضلاً عن أهل المعرفة والعقول.
__________
(1) في (أ،ج): وقل.
(2) زيادة من (أ).(2/153)
كان من أنكر قولها، وأعظم جهلها؛ ما قالت به في الله سبحانه، ورمت به بجهلها رسوله، فزعمت لعظيم غفلتها وغامر(1) رقدتها؛ أن دينها الذي به تعبدها ربها كتاب ناطق مضيء، وسنة جاء به من نفسه النبي، شرعها من ذاته، وتخيّرها للعباد بنظره، لم يأمر بها الرحمن، ولم تنزل عليه في آي القرآن، فزعمت بذلك من قولها، ولزمها في أصل مذهبها، وحاق بها في جميع قولها؛ أنها(2) زعمت فيما ذكرت وقالت: أن الله سبحانه وكل نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في الدين إلى نفسه، ولم يشرع له كلما يحتاج إليه من فرضه، كأن لم تسمع الله سبحانه يقول، فيما نزل على نبيه من القول: {مَا فَرَّطْنَا فِيْ الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} [الأنعام:38]، ويقول سبحانه: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِيْنَ} [النحل:89]، وكأن لم يسمعوا قوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِيْ ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [العنكبوت: 51]، فأخبر سبحانه بقوله: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ} أن فيما نزل من تبيانه، ونوره وبرهانه؛ كفاية لهم في كل ما افترض عليهم، ولو كان ترك شيئاً مما يحتاجون إليه لم ينزله على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم في القرآن وعلى لسان جبريل؛ لم يقل: أولم يكفهم، فدل بما شهد به من الكفاية لهم على أنه لم يكل نبيهم صلى الله عليه وآله وسلم؛ إلى استخراج شيء مما افترض عليهم وعليه، وإنه لم يترك شيئاً من فرائضه، ولا شرائع دينه؛ إلا وقد أوحى به إلى رسوله وحياً، ونزل عليه به نوراً وهدىً، فلم يكف هذه الأمة؛ ما نزل الله فيما ذكرنا من الحجة؛ حتى قالت: إن كل فرع مفرع مما فرعه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو منه اختياراً وتمييزاً من نفسه، وأن ذلك ليس هو من ربه.
__________
(1) في (ب): لعظيم غفلتها وغامرة.
(2) في (ب): أنما.(2/154)
من ذلك ما قال الله سبحانه في الصلاة الموجبة والزكاة المفترضة؛ حين يقول: {أَقِيْمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة:43، وغيرها]. فزعمت هذه الأمة فيما ذكرت، وبه على الله سبحانه اجترأت، أو من قال بذلك منها؛ أنه لم يكن من الله جل جلاله وعظم عن كل شأن شأنه في الصلاة غير ما أمر به من إقامتها، وأنه لم يحد لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم شيئاً من حدودها، ولم يوقفه على ما به كمالها؛ من ركوعها وسجودها وعدد ركعاتها، وأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم اخترع ذلك من نفسه، وسنه لأمته، وجعله ديناً لها من ذاته. وأن شرائع الزكوات وما به تجب الزكاة في الأوقات المفروضات المؤقتات، وما يؤخذ من الأموال الصامتة والأنعام السائمة والأطعمات، وما يجب في التجارات من الأعشار وأنصافها، وما حدد في ذلك كله من الحدود المعروفة، وأوقف عليه في كل ذلك من الأفعال المفهومة؛ من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا من الله؛ وأن ذلك شيء فعله برأيه، واختاره بتمييزه(1)، وفعله باجتهاده، وفرضه على أمته، دون خالق المخلوقين، وإله العالمين.
وكذلك قالوا في جميع الفرائض(2) المفروضة، والفروع المفرعة(3).
فزعمت هذه الأمة، أو من قال بذلك منها: أن ما كان في الكتاب ناطقاً موصولاً؛ فهو من الله فرض مفترض، وما كان من تفريع الأصول، وتمييز ما ميز صلى الله عليه وآله وسلم من الفصول؛ فإنه منه لا من الله، وأنه فعله لا فعل الله، ثم سموا ذلك الفرع سنة، وأخرجوا معنى السنة من الفريضة، وتوهموا أن ذلك كما قالوا، ولم يعلموا ما عليهم في ذلك، حتى حكموا به وسموه كذلك.
__________
(1) في (ب): لتمييزه.
(2) في (أ): قالوا جميعاً في الفرائض.
(3) في (أ،ج): المتفرعة.(2/155)