{هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف: 108] فإن يطعني من بلغته دعوَتي يرشدوا، وحظهم يأخذوا، والفوز العظيم يرتجوا، وإن يتخلفوا عني، ويعصوا أمري، ويُسَوِّفوا طاعتي، ويتثاقلوا عن إجابتي، ويركنوا إلى الدنيا الغارة لهم، كما غرت من قبلهم ممن مضى؛ أكن قد قدمت لله بما يجب(1) عليَّ، وأكن عند الله إن شاء الله من الناجين، وأكن قد ثبتُّ له عليهم الحجة إلى يوم الدين، وما كان علي إلاَّ ما كان على جدي من قبلي محمد صلى الله عليه وآله وسلم الرسول الأمين، من التبليغ والاجتهاد في الدين، {وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ البَلاَغُ الْمُبِينُ}[النور: 45].
__________
(1) في أ: ما يجب.(2/131)
فرحم الله من نظر في أمره، وقاس شبْرَه بِفِتْرِه، فقد أسفر الحق عن وجهه قناعه، ونادى بأعلى صوته أتباعه، وقامت الحجة للرحمن، على كل من خلق من الإنسان، {فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ}[يونس: 32] ولا دون المعتدل إلاَّ المائل، ولا بعد الجدة والشدة والقوة والشباب؛ إلاَّ الضعف والإنبتات والزوال والذهاب، ولا بعد دار الدنيا الفانية؛ إلاَّ الآخرة الدائمة الباقية، وما بعد العمر إلاَّ انقطاع الأجل، وما بعد الموت إلاَّ البلاء والإمحاق، ولا بعد الإمحاق إلاَّ يوم التلاق، {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالعِبَادِ}[آل عمران: 30] ذلك يوم وقوع الجزاء؛ على ما تقدم من العمل في الدنيا، فيفوز المحقون بأعمالهم، ويخسر المبطلون ويهلك المسرفون بأفعالهم، {وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً}[الفرقان: 23]، {مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلاَ يُجْزَى إِلاَّ مِثْلَهَا وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ}[الأنعام: 160]، ذلك يوم الحسرة والندامة، وطلب الإقالة حين لا إقالة: {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيراً يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ} [الزلزلة: 6 ـ 7]، ذلك يوم تشخص فيه الأبصار، وتظهر فيه الأسرار، ويحكم فيه بالحق الجبار، {يَوْمَ لاَ يَنْفَعُ مَالٌ وَلاَ بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلمُتَّقِينَ وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ} [الشعراء: 88 ـ 91]، وهم فيها يصطرخون نادمين، يقولون: {رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}[المؤمنون: 107]، فيقول لهم(2/132)
الجبار: {اخْسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ}[المؤمنين: 108]، فيطلبون حينئذ الرجوع إلى ما كانوا فيه من الفناء(1)، ويتمنون الموت والبلاء، ويقولون: {يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}[الزخرف: 77] فحينئذ تقطع قلوبهم حسرات، وتتراكم عليهم الغُموم والندامات، على ما فرطوا فيه من العمل بما أمرهم الله به ، والقيام بأكبر فرائضه، من الجهاد في سبيله، والمعادات لأعدائه، والموالاه لأوليائه.
فليعلم كل عالم أو جاهل، أو من دعي إلى الحق والجهاد فتوانى، وتشاغل، وكره السيف والتعب، وتأول على الله التأويلات، وبسط لنفسه الأمل، وكره السيف والقتال، والملاقاة للحتوف والرجال، وأثر هواه على طاعة مولاه، فهو عند اللطيف الخبير، العالم بسرائر الضمير؛ من أشر الأشرار، وأخسر الخاسرين، إن صلاته وصيامه، وحجه وقيامه بُور، لا يقبل الله منه قليلاً ولا كثيراً، ولا صغيراً ولا كبيراً. وأنه ممن قال الله سبحانه فيه حين يقول: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ خَاشِعَةٌ عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً}[الغاشية: 2ـ 4]. وكيف يجوز له الإقبال على صغائر الأمور من الصالحات، وهو رافض لأعظم الفرائض الواجبات(2)؟! وكيف لا يكون الجهاد أعظم فرائض الرحمن؛ وهو عام غير خاص لجميع المسلمين؟!
وعَمَلُ من عمل به شاملٌ لنفسه ولغيره من المؤمنين؛ لأن الجهاد عزٌ لأولياء الله، مخيف لأعداء الله، مشبع للجياع(3)، كاس للعراة النّياع(4)، ناف للفقر عن الأمة، مصلح لجميع الرعية، به يقوم الحق، ويموت الفسق، ويرضى الرحمن، ويسخط الشيطان، وتظهر الخيرات، وتموت الفاحشات.
والمصلي فإنما صلاته وصيامه لنفسه، وليس من أفعاله شيء لغيره. وكذلك كل فاعل خير فعله لنفسه لا لسواه.
__________
(1) في ب: الفداء.
(2) في (ج): الزاكيات.
(3) في ب: للجائع.
(4) النايع: المائل.(2/133)
فأين الجهلة العمين، أو العلماء المتعامين؟ كيف يقيسون شيئاً من أعمال العباد؛ إلى ما ذكر الله سبحانه من الجهاد؟! هيهات هيهات بعد القياس، ووقع على الجهلة الإلتباس، وحبطت بلا شك أعمال المختلفين، وخسر الراكنون إلى الدنيا، المؤثرون لما يزول ويفنى، المتشبثون بالأموال والأولاد والأهلين، وهم ـ أَحَدَ اليومين ـ لذلك مفارقون، ولما تشبثوا به تاركون، وعما أثروه على ربهم والجهاد في سبيله رائحون. وفي أولئك، ومن كان من الخلق كذلك؛ ما يقول الرحمن الرحيم، فيما نزل من الفرقان العظيم: {قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَونَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَونَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الفَاسِقِينَ}[التوبة: 24].(2/134)
فمهلاً أولئك مهلاً، عن التخلف عن الله والإجتراء، هلموا إلى الأمر بالمعروف الأكبر، والنهي عن التظالم والمنكر، هُلَمَّ إلى قسم فيّكم عليكم، وإحياء كتاب الله وسنن رسوله فيكم، هلموا إلى غناء فقرائكم، والأخذ بالحق في أغنيائكم، هلموا إلى أخلاق المسلمين، والإقتداء بمن مضى من الأئمة المجاهدين، هلموا إلى الطلب بكتاب الله، والإنتصار من أعدائكم، هلموا إلى نصر الله، ونصر الحق والمحقين، هلموا إلى جهاد الفسقة الظالمين من أهل قبلتكم من جبابرتهم، من الأشراف وغيرهم. ألستم ترون ـ عبادَ اللّه المخلصين، والقايلين في الله بالتوحيد، المقرين بما ذكر الله في الوعد والوعيد إلى دينكم مقتولاً، وإلى الحقِ الذي أنزله على نبيكم مخذولاً؟ وحُكِم الكتاب معطلاً بينكم، وأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معدوم فيكم، يرتع أعداء الله في جنى أموال المسلمين، قد أمنوا من تغييركم عليهم، ويئسوا من نكايتكم فيهم، وبسطوا أيديهم عليهم، وحكموا بحكم الشيطان فيهم، يذبحون أبناءهم، ويستحيون نساهم، وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم. حرموهم فيَّهم، واصطفوا مع ذلك أموالهم، وأجاعوا بطونهم، وأعروا ظهورهم، وأضاعوا سبيلهم، وأخافوهم على أنفسهم، يحتفون أموالهم، ويقتلون رجالهم، يمنعونهم النصف، ويسومونهم الخسف، هتكاً للحريم، وتمرداً على الله العظيم.(2/135)