والذي افترض طاعته(1) ذو الجلال والإكرام، من أهل بيت محمد صلى الله عليه وآله سلم على جميع من خلق وذرأ من الأنام، وبنى على طاعته وموالاته دعائم الإسلام: الورعُ الفاضل، التقي الكامل، الباذل(2) لنفسه العالم، الذي لا تأخذه في الله لومة لائم، الفَهِم بمعاني الكتاب، المتفرع فيما يحتاج إليه من الأسباب، المجرد في أمره، الداعي إلى سبيل ربه، المباين للظالمين، الناهض بحجة رب العالمين، الكاشف لرأسه، المجرد لسيفه، الرافع لرايات الحق، المظهر لعلامات الصدق، الزاهد في حُطام الدنيا، الراغب في الآخرة التي لا تفنى، والحافظ للرعية المواسي لهم، المتحنن عليهم، المقرب غير المُبَعِّد، المُهَوِّن غير المُجْهِد، القارن لهم بنفسه في جميع أمره، الشفيق عليهم، الآخذ لمظلومهم من ظالمهم، المستوفي لحق الله من أيديهم، والرَّاد له في مصالحهم، والمفرق لفَيِّهم فيهم، المُسلِّم له إليهم، العادل في قسمه، المساوي بين رعيته في حكمه، الطارح الجبريَّة والتكبر، البعيد عن الخيلاء والتجبر(3) والباسط لكفه(4)، المنصف لأهل طاعته، المتفَقِّد لجميع معائشهم، الحامل لهم على ما أمروا به من أديانهم، الممضي لأحكام الله فيهم، القائم بقسط الله عليهم، الرؤف الرحيم بهم، العزيز عليه عنوتهم، المُتَعَنِّي بالجليل والدقيق من أمرهم(5)، المشبه في ذلك لجدّه، ولما ذكر الله من أمره، حيث يقول سبحانه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 128] الشجاع السخي، الفارس الكَمِي.
__________
(1) في (ج): طاعتهم.
(2) في ب: الدال.
(3) كذا، ولعلها: التبختر.
(4) في (ج):لكنفه.
(5) في (ج) من أمورهم.(2/121)
فإذا كان كذلك ثم دعاهم إلى نفسه، والقيام لله بحقه، وجبت على الأمة طاعته، وحرمت عليهم معصيته، ووجبت عليهم الهجرة إليه، والمجاهدة بأموالهم وأنفسهم معه وبين يديه(1)، وكانت طاعته والهجرة إليه، والمجاهدة بأموالهم معه، والتجريد في أمره، وبذل الأموال والأنفس، والمبادرة إلى صحابته، والكينونة تحت كنفه؛ فرضاً من الله على الخلق، لا يسعهم التخلف عنه ساعة، ولا التفريط في أمره فينة، إلاَّ بعذر نافع(2) مبين عند الله سبحانه، من مرض أو عرج، أو عمى، أو فقر مدقع، عن اللحوق به مانع، وفي ذلك ما يقول اللّه سبحانه: {انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}[التوبة: 41] فمن كان على واحدة من هذه الأربع الخصال، جاز له التخلف عند الواحد ذي الجلال، ومن لم يكن كذلك وجب عليه فرض المهاجرة والمقاتلة، وفي ذلك ما يقول الله سبحانه: {لَيْسَ عَلَى الأَعْمَى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ نُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ نُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيْماً}[الفتح: 17] ويقول سبحانه: {وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيهِ تَوَلَّوا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ}[التوبة: 92] فجعل الله لمن كان على مثل هذه الحال من الفقر؛ في تخلفه عن الجهاد مع المحق من آل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العذر، فأما من سلم من ذلك، ولم يكن في شيء من أحواله كذلك، ثم تخلف عنه، من بعد أن تبلغه دعوته، وتنتهي إليه رسالته، أو يقع إليه خبره؛ فهو غادر، في دين الله فاجر، ولرسوله معاند، وعن الحق والصراط المستقيم
__________
(1) في (ب): والمجاهدة معه بأموالهم وبين يديه.
(2) في (ج): قاطع.(2/122)
عاند، مشاق لله محارب، إلى النار عادل وعن الجنة مجانب، قد بآء من الله باللعنة، وجاهره بالمعصية، ووجب على الإمام إن حاربه حربه، وقتله وإهلاكه، وإن لم يحاربه، وتخلف عن نصرته، وجب عليه إبعاده وإقصاؤه، وإبطال شهادته، وإزاحة عدالته، وطرح اسمه من مقسم الفي، ووجب على المسلمين منابذته في العداوة والاستخفاف به، والاستهانة بكل أمره، لا يسعهم غيره، ولا يجوز لهم فيه سواه. ألا تسمع كيف يقول العزيز الكريم، فيما نزل على نبيه من القرآن العظيم؛ إذ يقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيْلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ أَرَضِيْتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآَخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ قَلِيْلٌ إِلاَّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلاَ تَضُرُّوهُ شَيْئاً وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ}[التوبة: 38 ـ 39].(2/123)
ومن الدليل على ما قلنا به من هلاك من تخلف من دعوة الحق، أو تثاقل عن إجابة محق، قول الله سبحانه لرسوله: {فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}[التوبة: 83 ـ 84] فأمر الرسول بالرفض لهم، ولم يأذن في الخروج لهم ثانية أخرى(1)، عقاباً عن التخلف عنه، والتربص به، وحرمهم الخروج وسهام الغنائم، والسهام(2) لا تقع إلاَّ لمن حاما عليها، ولا تقسم إلا لمن كان حاضراً لها، وحرمهم ولاية الرسول وتوليته، وأوجب عليه(3) العداوة لهم. وبأقل من ذلك ما يقول الله سبحانه: {سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاَمَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ}[الفتح: 15] يريد بقوله: {قَالَ اللَّهُ}؛ أي حكم الله عليكم، وأمرنا به فيكم.
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (ج): إذ السهام.
(3) في (ج): عليهم، وهو سهو.(2/124)
وفيما ذكرنا من هلاك المتخلفين(1)؛ عن دعوة الحق والمحقين، ما يقول أصدق الصادقين، فيمن قال لإخوانه وتأَخَّر: {لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ}، فقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {وَقَالُوا لاَ تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرّاً لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ}[التوبة: 81]. وفي إهلاك الله وإخزائه للمتخلفين عن الحق والمحقين؛ ما يقول لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم: {وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَداً وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ}. فنهى رسوله عن الصلاة عليهم، والوقوف على قبورهم، وحرم عليه الاستغفار لهم، ولم ينه عن ذلك إلاَّ في غوي، هالك عنده معذب شقي. ثم أخبر أن المرتابين الذين هم في ريبهم يترددون، والتردد فهو: الشك، والشك فلا يكون في حَقٍّ؛ إلا من أهل الفجور والفسوق.
__________
(1) في (ج): المخلفين.(2/125)