فأما ما تقول به الإمامية، الضالة الهالكة العمية، وتجتري به على الله الواحد الجليل، فيما تذكر وتصف من العَلَم والدليل؛ فقول لا يَلْتَفت إليه عاقل، ولا يشك في بطلانه إلاَّ عم أحمق جاهل، وذلك أنها زعمت وقالت؛ فيما به تكلمت وذكرت: أن الدليل والعَلَم في إمامها خلاف ما كان في نبي من أنبياء الأمم، وأنه يأتي بما لم يأت به الأنبياء؛ من بدع محالات في كل الأشياء، ومن قال بمحال؛ فليس يثبت له قول في حال من الحال، فزعمت أنَّه يختم بخاتمه في الصفا ويؤثر، فيقرأ نقش خاتمه فيها كما يقرأ في الشمع والطين، وينادي فيما زعمت الإماميَّة في السماء مناد: إن فلان بن فلان (بن فلان)(1) إمامكم الهادي المهدي، بُوراً في قولها، وتعدياً في أمرها، وإحالة في حجتها، وغلواً في دينها. ولو كان ذلك يكون لأحد من العالمين؛ لكان لمحمد خاتم النبيين، ولو نادى من السماء مناد بنبوة النبي؛ لما اختلف فيه من فراعنة قريش منصف ولا غوي.
وقولُهَا ـ قُبِّحت أقوالُها ـ قولٌ شاهد بالزور عليها في كل أحوالها، لا يلتفت إليه أحد، ولا يُوجد لمُتعلق به ملتحد، فضيحة على من دخل فيه، ومهتكة هاتكة لمن نسب إليه. ولا دليل ولا علم ولله الحمد أدل مما به قلنا، من دلائل الإمامة، وشرحنا؛ من معجزاتها التي فسرنا.
فاعلم ذلك علماً يقيناً، وليثبت في قلبك ثباتاً مبيناً، يبن لك به الصواب، وينجل عنك الإرتياب إنشاء الله، والقوة بالله وله.
تم والحمد لله وصلواته علىخير خلقه محمد وآله وسلم.
*****
__________
(1) سقط من (ج).(2/111)


رسائل وكتب
في
الإمامة
تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب
صلوات الله عليه
m
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
تثبت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رحمة الله عليه من كتاب الله عزَّ وجل، ومن قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
إن سأل سائل، أو تعنت متعنت جاهل، عن تثبيت إمامة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قيل له: أيها السائل المتكلم، المسترشد المتعلم؛ تثبت له بقول الله سبحانه، وقول رسوله المصطفى محمد عليه السلام.
فإذا قال: أوجدونا في الكتاب ما قال الله، وبينوا لنا كيف قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
قيل له: قال رسول الله صلى الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلاَّ أنَّه لا نبي بعدي ))، ثم قال: (( (أيها الناس)(1) إنَّه سيكذبُ علي من بعدي، كما كذب على الأنبياء من قبلي، فما جاءكم عني (من حديث)(2) فأعرضوه على كتاب الله، فما شاكل كتاب الله فهو مني وأنا قلته، وما لم يشاكل كتاب الله فليس مني ولم أقله )). فلما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى )) علمنا أنَّه لم يقل ذلك محاباة، ولا اختياراً منه ولا مصافاة، إلاَّ بأمر من الله واجب، وحق مبين ثاقب، فلما قال صلى الله عليه: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى ))؛ وجدنا تصديق قوله صلى الله عليه مُثْبتاً في الكتاب، وهو قول الله عزَّ وجل: {أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَاماً وَرَحْمَةً} [هود: 17] ، فلما قال الله: {وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ}؛ صدق قول اللّه سبحانه قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم: (( علي مني بمنزلة هارون من موسى ))، لقول الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ}، فلما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( علي مني (بمنزلة هارن من موسى)(3) ))، وقال الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ} كان رسول الله من علي وعلي منه، بقول الله وبقول رسوله عليه السلام؛ كرهنا أو احببنا، شِئْنا ذلك أو أبينا، لا ننظرفي ذلك إلى قول محب مريد، ولا نلتفت إلى قول مبغض مكابر عنيد، ولا نأخذ في ذلك بتصديق محب، ولا ننظر أيضاً في تكذيب مبغض؛ لأن الله سبحانه قد حكم في ذلك بما حكم، واختار سبحانه ما اختار، فقال تبارك
__________
(1) ليس في (أ).
(2) ليس في (أ).
(3) سقط من (أ، ج).(2/112)


وتعالى في كتابه المنزل على نبيه المرسل: {وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ}، ثم قال: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} [القصص: 68]، (فحكم الله على من اختار سوى خيرته بالشرك، لقوله عزوجل: {سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ})(1). فنسمع الله قد اختار علياً بعد محمد؛ لقول الله: {شَاهِدٌ مِنْهُ}، ولقول الرسول: (( علي مني ))، وذلك لعلم الله تبارك وتعالى في علي؛ لأن علياً سبق الخلق إلى الله وإلى رسوله، لا يشك في ذلك عاقل، ولا ينازع فيه جاهل؛ لأن الله سبحانه يقول: {وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُوْنَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ فِيْ جَنَّاتِ النَّعِيْمِ} [الواقعة: 10 ـ 12]. فلما أن شهد الله تبارك وتعالى للسابق بالجنة، أجمع الخلق أن علي بن أبي طالب رحمة الله عليه أسبق الخلق إلى الله وإلى رسوله، فشهدنا لعلي بن أبي طالب بما شهد الله له به ورسوله، لا باختيارنا، بل من أصل أذاننا(2)، {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً} [الكهف: 29]. صدق الله سبحانه وبلغت رسله، وأنا على ذلك من الشاهدين، والحمد لله (رب العالمين) أولاً آخراً، وصلى الله على سيدنا محمد المصطفى، وآله النجباء وسلم تسليماً كثيرا.
__________
(1) سقط من (أ، ب).
(2) كذا في النسخ.(2/113)


كتاب دعوة وجه بها إلى أحمد بن يحيى بن زيدومن قِبَلِه (1)
m
الحمد لله الأول القديم، الآخر الواحد الكريم، الذي لا تراه العُيون عيون الناظرين، ولا تحيط به ظنون المتظننين، ولا تقع عليه أوهام المتوهمين، ولا يصفه أحد من الواصفين، إلاَّ بما وصف به نفسه، من أنَّه هو، وأنه بائن عن الأشياء، وبائنة عنه الأشياء، فلم يَبِنْ منها سبحانه غائباً عنها، ولم يَخْفَ منها في بينونتها خاف عليه منها، بل إحاطته بأَسَر سِرِّهَا كإحاطته بأَعْلَن علانيتها، العادل في قضايه، المعز لأوليائه، المذل لأعدائه، الناصر لمن نصره، الخاذل لمن خذله، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، داحي الأرض ذات المهاد، رافع السماء بغير عماد، الموفق المسدد لكل رشاد، الزاجر الناهي عن الفاحشات، الحآضِّ الآمر بالحسنات.
وأشهد أن لا إله إلاَّ اللّه وحده لا شريك له، الذي لا تواري عنه ساترات متكاثفات الستور، ولا يستجن عنه بمتراكم أمواجها قعور البحور.
__________
(1) لم أقف له على ترجمة والذي يظهر أنه كان من أشراف الحجاز ذا سعة في المال والجاه، ومن أهل الرأي والمكانة الاجتماعية كما يتبين من خلال خطاب الإمام له في هذه الدعوة المباركة والذي يدل على ذلك اختصاص الإمام له بتوجيه الدعوة. والله أعلم. وهذه الدعوة ليست في (أ)، وأثبتناها من ب، ج.(2/114)


وأشهد أن محمداً عبده ورسُوله، أرسله برسالته، وانتجبه لأمانته، فبعثه في طامية طخياء، ودياجيج(1) ظلمة عمياء، وأوائل فتنة دهماء(2)، ودروس من الصالحات، وظهور من المنكرات، فدعا إلى ربه، وأظهر ما أمر ربه، وفتح فينق(3) الفسق، وأظهر دعوة الصدق، وأعلن كلمة الحق، وأرغم أنف الشيطان، وأدحض عبادة الأوثان، وأخلص التعبد للرحمن، ونهى عن الظلم والعصيان، وأمر بالتواصل والإحسان، وأماط أفعال الجاهلية، ونفا عنهم ظلمة الحمية والعصبية، وبسط لأمته كنفي الرحمة الواسعة، وأكمل اللّه به على البرية النعمة السابغة، فمضى عليه السلام في أمر اللّه قُدُماً، وجرد في أمر اللّه سبحانه مصمماً، حتى أثبت له على عباده الحجة، بالتبيين لهم جميع ما افترض عليهم، والإعذار في ذلك والإنذار، والتوقيف لهم على معالم دينهم، وجهاد من عند عن سيرته منهم، حتى إذا اعتدل عمود الدين، وتعلق به جميع المسلمين، وسطع نوره، ووضحت وشرعت أموره، ، وتقشع عن الحق الثبج، وكملت به وبرسوله الحجج؛ اختار الله لنبيه صلى الله عليه دار النعيم والسرور، ونقله من دار التعب والنصب والغرور، فقبضه الله سبحانه سعيداً، قد بين للأمة ماله خلقوا، وأوضح لهم ما إليه دعوا، وأوقفهم على ما به أمروا.
__________
(1) كذا، ولعلها: دياجير.
(2) في (ج): دهياء.
(3) كذا في ب، وفي ج: ومسح، وفي هامشه: وقمع.(2/115)

123 / 209
ع
En
A+
A-