مثل ما جاء به موسى عليه السلام؛ من ادخاله يده في جيبه (فخرجت بيضاء من غير سوء. ومثل ما جاء به من انقلاب العصا إلى خلق حيّة)(1)، وغير ذلك من باقي التسع الآيات، وغير ذلك مما كان يأتي به من الدلائل المعجزات والعلامات.
ومثل ما جاء به عيسى صلى الله عليه؛ من التكلم في المهد، ومن إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص بإذن الله، وغير ذلك من علاماته، مما نكره التطويل بذكرها، وقد يجزي ذكر قليلها عن كثيرها.
ومثل ما جاء به محمد صلى الله عليه وآله وسلم من معجزاته الهائلات، وأموره الناطقات، وأسبابه الشاهدات؛ بالنبوة والرسالات. مثل: مجيء الشجرة إليه ورجوعها إلى موضعها، وإنباء الناس بما في صدورهم، وإعلامهم بما في ضميرهم، وذلك من إنباء الله له بذلك، وإعلامه إياه به. ومثل ما كان من فعله في شاة أم معبد ،وما كان منه من الفعل في التمرات من غداء جابر بن عبد الله، وذلك أنَّه أخذ كفاً من تمر، فوضعه في وسط ثوب كبير، ثم حرّكه ودعا فيه؛ فزاد ورَبَا، حتى امتلأ الثوب تمراً. وما كان منه في عشاء جابر بن عبد الله، صاع من شعير وعناق صغيرة أكل منها ألف رجل. وما كان منه في الوشل الذي ورده هو والمسلمون في غزوة تبوك )) فوضع يده تحت الوشل، فوشل فيها من الماء ملؤها، ثم ضربه ودعا فيه، فانفجر بمثل عنق البعير ماءً، فشرب العسكر كله معاً، وتزودوا ما شاؤا من الماء. وغير ذلك مما نكره التطويل من معجزاته(2)؛ لأنَّه مفهوم معروف عند أهل العلم.
فكانت هذه المعجزات مع ما ذكرنا من أسباب الإستحقاق من عَلَم النبوة، والدليل على نبوة الأنبياء، وبَعْث الله لهم في البريَّة تبارك وتعالى.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ج): من معجزاته.(2/106)


وكذلك الأوصياء فلا تثبت للخلائق وصية الأنبياء إليهم إلاَّ باستحقاق لذلك، والعَلَمِ والدليلِ. فأما الإستحقاق منهم لذلك المقام الذي استوجبوا به من الله العَلَم والدليل؛ فهو فضلهم على أهل دهرهم، وبيانهم(1) عن جميع أهل ملتهم؛ بالعلم البارع، والدين، والورع، والإجتهاد في أمر الله. وَعَلَمهُم ودليلهم؛ فهو العلم بغامض علم الأنبياء، والإطلاع على خفي أسرار الرسل، وإحاطتهم بما خصَّ الله به أنبيائه، حتى يوجد عندهم من ذلك ما لا يوجد عند غيرهم من أهل دهرهم، فيستدل بذلك على ما خصهم به أنبياؤهم، وألقته إليهم من مكنون علمها، وعجائب فوائد(2) ما أوحى الله به إليها؛ مما لا يوجد أبداً عند غير الأوصياء.
من ذلك ما كان يوجد عند وصي موسى، وعند وصي عيسى عليهم السلام ما لا يوجد عند غيرهم، من أهل دهرهم.
ومن ذلك ما وجد عند وصي محمد صلى الله عليه وآله وسلم علي بن أبي طالب رحمة الله عليه، من ذلك ما أجاب به في مسائل الجاثليق، ومن ذلك ما كان عنده من علم كتاب الجفر، وما كان عنده من علم ما يكون إلى يوم القيامة، مما أطلع الله عليه نبيه، وأطلع نبيه وصيه، لم يعلمه من رسول الله صلى الله عليه أحد غيره، ولم يقع عليه سواه.
فهذا الذي لم يوجد عند غير الأوصياء من أهل مللهم؛ فهو عَلَم الأوصياء المبين لها، والدليل الدال بالوصية عليها.
وكذلك الأئمة الهادون، الداعون إلى الله المرشدون؛ بانَتْ إمامتهم، وثبت عقدها من الله لهم، بخصال الإستحقاق، وبالعَلَم والدليل الذي بانوا به من غيرهم، وامتازوا به عن مشاكلة أهل دهرهم.
__________
(1) يعني تميزهم.
(2) في (ج): فوائدها.(2/107)


فأما الإستحقاق فهو: ولادة الرسول، والعلم، والورع، والزهد، والدعاء إلى الله، وتجريد السيوف، وخوض الحتوف، وفَضِّ الصفوف، ومجاهدة الألوف، ورفع الرايات، ومنابذة(1) الظالمين، وإقامة الحدود على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وردها في سبلها التي جعلها الله لها وفيها، مع الرأفة والرحمة(2) بالمؤمنين، والشدة والغلظة على الفاسقين، والشجاعة عند البأس(3)، والمجاهدة للكافرين والمنافقين.
فهذا باب الإستحقاق للإمامة.
والعَلَم والدليل فهو: توفيق الله، وتسديده لوليّه وتأييده، وإيتاؤه الحكمة، {وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً} [البقرة: 269]، {ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الفَضْلِ العَظِيمِ} [الحديد: 21].
ودليل ذلك وعَلَمه الذي يدل على أنَّه قد آَتَى وليّه الحكمة؟ ما يظهر من الإمام من الأمور المعجزات لأهل دهره، من حسن علمه، ودقائق فهمه، وحسن تعبيره وتمييزه، والمعرفة بالتأني لتعليم رعيته، وتفهيمها بما تحتاج إلى فهمه، حتى يكون معه من الشرح لما يسأل عنه، والتبيين لما يأتي به، والإحتجاج فيه وعليه بالحجج البالغة، والبراهين النيّرة التي لا توجد عند غيره، ولا يَنَال شرحَها، والإحتجاج بها سواه، مع التأتي لقبول عقول العالمين(4)، لما به يأتي من الحق المبين، والأمر المستبين(5)، مع استنباطه لعلم دقائق الكتاب، ودقائق الحلال والحرام في كل الأسباب؛ التي لا يقع عليها إلا من تولى الله اللطف به، وتوحد بالهداية لقلبه، ممن قلده أمر رعيته، وحكم له بالإمامة على بريته.
__________
(1) في (ج): ومباينة.
(2) في (أ): مع الرحمة والزلفة.
(3) في (أ، ج): عند حين البأس.
(4) في هامش (ج): المعلمين.
(5) في (أ، ج): المنير.(2/108)


وهذه الأشياء التي ذكرنا ـ من حسن البيان والشرح، وإيضاح ما يُحتاج إليه من دقائق حسن التعبير، وجيد التمييز؛ الذي لا يوجد في سواه؛ فهي العَلَم والدليل (على إمامته، وعقد الله سبحانه ما عقد له منها. وذلك يا بُنَيّ العَلَم الأكبر، والدليل) (1) الأوفر، على عقد الله الإمامة لمن كان ذلك فيه، وعنده ولديه.
والحجة فيما قلنا به من أن هذا أكبر الأعلام والدلائل: أن الله تبارك وتعالى تعبد الخلق بمسموع، ومعقول، فالمعقول: ما أدرك بالنظر والتمييز بالعقول(2). والمسموع فهو: ما يسمع بالأذان من الْمُسمِع المؤدي من نبي، أو وصيّ، أو إمام مهتدي، وإذا كان فرض الله ومتعبده لخلقه بالمسموع؛ كانت حاجة السامع إلى تأدية المسمَع لازمة؛ إذ كانت حجة الإستماع على المستمع واجبة، وإذا كان ذلك كذلك؛ احتاج الإمام المسمع للرعية إلى أن يكون ـ في الكفاية والفهم، والمعرفة بالشرح والتبيين، ودقائق حسن التعبير وجيد التفصيل، ومبين التفهيم، والمعرفة بالتأتي لتعليم الرعية، وتفهيم البرية لما يحتاجون إليه ـ على غاية ما يكون؛ لأن ذلك كله تأدية عن الله لما افترض على الخلق من المسموع، فإذا كمل في هذه الأشياء؛ فقد أكمل(3) في التأدية عن الله لفرائضه المسموعة في كل معنى. فلذلك قلنا: إن حسن التأدية بلطائف التعبير، وحسن الإسماع للسامعين في التأدية والتفسير؛ أكبر أعلام الإمامة، وأدل الدلائل على الحكمة التي يؤتيها الله أولياءه؛ لأن من أتاه الله الحكمة؛ فهو عند الله من أهل الولاية والمحبة، ومن تولاه الله وأحبه؛ فهو آهَلُ الناس من الله بالإمامة، وأولاهم منه سبحانه بالكرامة.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ب): بالمعقول.
(3) في (ب): كمل.(2/109)


فمن كان كذلك من ولد رسول(1) الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهو الإمام المفترض الطاعة، الذي لا يجوز(2) لأحد خذلانه، ولا يسع رفضه، ولا يؤمن بالله خاذله، ولا يوقن بالوعد والوعيد تاركه.
فافهم يا بني هداك الله ما شرحنا لك من أعلام النبوة ودلائلها، وأعلام الأوصياء ودلائلها، وأعلام الأئمة ودلائلها؛ التي تدل على عقد الله الإمامة لمن عقدها لهم، والحكم منه سبحانه بها فيهم، فقد شرحت ذلك لك شرحاً مجملاً، وفسرت لك بعض ما تحتاج إليه تفسيراً كاملاً.
فلا تلتفت إلى غير ما قلنا من أقاويل الهزّاجين(3)، وتعبُّث العباثين، وزخاريف كلام المتكلمين، وافتراق أقاويل الجاهلين؛ ممن يقول: إنّ الإمامة بإجماع الرعية، وقول من يقول: بل هي لما يوجد من الآثار المروية في الملاحم المذكورة، وقول من يقول: بل هي بالوراثة لولد بعد والد، ولا يلتفتون ويلهم لما تستحق به الإمامة من البينات، والشواهد النيرات، همج رعاع، وللجهال أتباع، لم يقتدوا بالحكمة؛ فيعلموا ما به تحق الإمامة لصاحبها على الأمة، قد جعلوا الحكم بها وفيها لغير من حكم الله، وجعلوا الحكم بها إلى غير الله، فركبوا من ذلك مركبا وعراً، واكتسبوا به في الآخرة ناراً وعاراً، اعتمدوا في أكبر أمور الله وفرضه من الإمامة على التقليد، فقلدوا الحكم بها كبراءهم في كل الحالات، وطلبوا إثباتها من أبواب الرِّوايَات(4)، جهلاً بما عظم الله من قدرها، وتصغيراً لما كبَّر الله من أمرها، فتكمهوا بذلك في ظلم العمايات، وغرقوا في بحور الجهالات، {وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ} [الشعراء: 227]، فلا يبعد الله إلاَّ من ظلم، وأساء وغشم، وحسبنا الله ونعم المولى ونعم النصير، ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله العلي القدير.
__________
(1) في (ج) : الرسول.
(2) في (ب): لا يحسن.
(3) في (أ): الهرَّاجين.
(4) في هامش (ج): الرَّويَّات.(2/110)

122 / 209
ع
En
A+
A-