وسألته صلوات الله عليه عن محمد صلى الله عليه، ما كان عمله قبل أن يتنبأ؟ وهل كان على شريعة عيسى صلى الله عليه أم لا؟ فقال: سألت عن أمر محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان على ما كان عليه الأنبياء من قبله، منذ خلق الله آدم إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه؛ من الإقرار بالله، والتوحيد له، والتعظيم، والإجلال، والمعرفة به، وبعدله ، وأنه ليس كمثله شيء، وأنه خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وكان مقراً بالأنبياء كلهم، غير جاحد لنبوتهم. وكان صلى الله عليه ينظر ما يأتي به أهل الكتاب من عظيم محالهم، وقبيح فعالهم؛ الذي ذكره الله سبحانه عنهم، وذمهم عليه، فكان ينكر فعلهم، ويذم جرأتهم على ربهم، ولم يكن صلى الله عليه يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ولا يحسن ترجمتهما، وكان يعيب أفعال الذين يقرأونهما؛ لما يأتون به من الأمر الذي لايرضاه الله، ويستنكره عقله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن معهم على شريعتهم،وكان في أصل المعرفة بالله كمعرفة عيسى صلى الله عليهما، مقراً عالماً بأن كل ما جاء به موسى وعيسى حق صلى الله عليهم جميعاً.
[تفسير: لاحول ولاقوة إلا بالله]
وسألته عن تفسير: {لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ}.
[وتفسيرها] فهو: لا حول ولا محال، ولا إدبار ولا إقبال، إلاَّ بالله. ومعنى إلاَّ بالله؛ فهو: إلاَّ بتمكين عباده، وذلك الحول بما جعل فيهم من الاستطاعة(1)، ولا مقدرة على شيء من الأشياء؛ إلاَّ بما جعل الله من ذلك في تلك الأعضاء، وأعطى خلقه في كل ذلك من الأدوات والأشياء؛ التي تكون فيهم بها القوة والحول، وينالون بوجودها ما يحبون من فعل وطول.
[تفسير العرش والكرسي]
وسألته عن تفسير العرش والكرسي.
__________
(1) في (ب): بما جعل من استطاعة.(2/101)
فقال: معناهما واحد، وهو الملك الذي علا كل شيء ملكه واقتهاره، ألاتسمع كيف يقول سبحانه، إن كل شيء من الأشياء، من الأرض والسماء؛ في عرشه وكرسيه؛ فقال: {وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255]؟ فأخبر أن الكرسي الذي هو العرش واسع على السموات والأرض، وإذ قد وسعهما بشهادة الله سبحانه فقد دخلتا فيه، وحازهما وأحاط بهما، فإذا كان ذلك بقول الله سبحانه؛ فهما فيه لا هو فيهما، وهو المحيط بهما لا هما المحيطان به.
وإذ قد كان ذلك كذلك فقد بطل ما يقول الملحدون، وزال ما يصف المشبهون، وثبت ما يقول الموحدون؛ من أن العرش هو الملك، والإحاطة من الله سبحانه، فنفاذ (1) الإرادة، ومضي المشيّة؛ في السموات والأرض وما فيهن، وأن ملكه المحيط بهن وعليهن، والمحيط بهن فهو كرسيه وعرشه.
[الرجل يدعي معرفة ما يكفيه من العلم]
وسألته عن الرجل يقول: قد فهمت وعرفت ما افترض الله علي، فأنا أكتفي باليسير، ولا أتعب نفسي بتعليم الكثير، وأنا أقوم بحلال الله وحرامه، فهذا يجزيني عن طلب غيره من العلم.
الجواب في ذلك: أن الله عزَّ وجل لم يغفر لأحد بالجهل، فالواجب عليه أن يكون عمره كله في طلب الخروج من الجهل إلى العلم، وفي ذلك ما يقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( اغد عالماً، أو متعلماً، ولاتكن الثالث(2) فتهلك ))؛ يعني الممسك عن طلب العلم.
[تسليم الجباية للظالم قسراً مع عدم التمكن من الهجرة عن بلده]
وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد تولى أمر البلد سلطان ظالم، والسلطان يقتضي (3) منه جباية بغير طيبة من نفسه، وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه التلف.
__________
(1) في (ب، ج): ونفاذ.
(2) في (أ، ج): الآخر.
(3) في (أ): يقبض.(2/102)
الجواب في ذلك: إن كانت مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض، أويعرى، أو يتلف إذا خرج من تلك البلدة؛ فليس هذا له بعذر؛ لأن الله عزَّ وجل يرزقه في بلده وغيرها.
وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ولم تكن له حيلة في الإنسلال عنه، وكان لا محالة واقعاً في يده إن خرج؛ فله في ذلك العذر، إلى(1) أن يأتيه الله عزَّ وجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن لا يَعْمَل عملاً يأخذ منه فيه السلطان فليفعل.
[معنى قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء.. الآية]
وسألته عن قول الله سبحانه: {تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [آل عمران: 26].
والملك ها هنا الذي يؤتيه من يشاء؛ فهو جبايات الدنيا وأموالها، والذين يشاء أن يؤتيه إياهم؛ فهم: الأنبياء، ثم الأئمة من بعدهم، والذين يشاء أن ينزعه منهم؛ فهم: أعداؤه؛ من جبابرة أرضه. ومعنى: {تُؤْتِي الْمُلْكَ}؛ فهو: الحكم بالملك لهم صلوات الله عليهم، فمن حكم الله له بالنبوة أو بالإمامة حكماً، وأوجب له الطاعة على الأمة باستحقاقه لذلك الموضع إيجاباً؛ فقد أتاه الملك؛ لأن الملك هو: الأمر والنهي، والجبايات والأموال التي تقبض، التي بها قوام العساكر، واتخاذ الخيل، والرجال، والسلاح، من جميع أداة الملك، فمن أجاز الله له قبض جبايات الأرض، وإقامة أحكامها وحدودها، وأوجب له الطاعة على أهلها؛ فقد آتاه الله الملك حقاً، أولئك هم السابقون بالخيرات صلوات الله عليهم، ومن لم يحكم له بشيء من ذلك، ولم يجزه له، ولم يطلق يده، ولم يوجب له الطاعة على أحد من خلقه، فقد نزع الله ملك أرضه منه، وأبعده عنه، أولئك أعداؤه، وجبابرة أرضه، الحاكمون بغير حكمه، المغتصبون لما جعل الله سبحانه لأوليائه المنفذين لما حكم به في خلقه وبلاده، أولئك يأكلون في بطونهم ناراً وسيصلون سعيراً.
__________
(1) في (ب): إلا.(2/103)
فسبحان من لم يقض بشيء من ذلك لأعدائه، ولم يؤثر غير أوليائه.
وفي نفي الحكم منه بشيء من ذلك لأعدائه، ما يقول لنبيه إبراهيم صلى الله عليه: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}[البقرة: 124]، والعهد فهو: العقد بالإمامة، والحكم لهم بالطاعة. ومعنى: {لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ}؛ فهو: لا يبلغهم، ولا يجيزهم (1).
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنَّه قال: (( اللوح علم الله، وكرسيه علمه، اللوح علم الله الذي وسع كل شيء؛ مما كان(2) أو سيكون )).
تم ذلك والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وعلى آله وسلم تسليماً.
****
__________
(1) في (أ): تم ذلك وصلى اللّه على محمد وآله وسلم.
(2) في (ج): ما كان.
(3) في (أ): بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمدلله رب العالمين، وصلى اللّه على محمد النبي وآله وسلم.(2/104)
جواب مسألة النبوة والإمامة
m (3)
قال أبو القاسم محمد بن الهادي إلى الحق رضي الله عنه:
سألت أبي صلوات الله عليه عن الحجة والدليل على نبوءة الأنبياء، وإرسال الله لهم تبارك وتعالى، وعن الدليل على إقامة الأوصياء أوصيا الأنبياء، وثبات حجتهم على الأمة، وعن ثبات الإمامة لمن ثبتت له من الأئمة، وبأي سبب ثبتت بها طاعته، وعلى البرية وجبت؟
فقال: سألت يا بني حاطك الله وهداك رشدك ووفقك؛ عن مسألة هلك فيها خلق من المتكلفين، وحار عن فهمها كثير من المتكلمين؛ فقال من ضل عن الحق، وتكمه في ذلك عن طريق الصدق: إن إمامة الإمام تثبت بإجماع الناس عليه، وحسن رأيهم فيه. وليس ذلك كذلك، بل تثبت الإمامة لمن حكم الله له بها، وقلده بحكمه إياها.
وكذلك القول في الأنبياء، فالنبي من تنباه الرحمن، وبعثه بالهدى والإحسان؛ إلى جميع الإنسان، فأقام معه الشرائع والبرهان.
وكذلك الأوصياء، لا تثبت وصاة نبي إلى وصي حتى تثبت له في ذلك حقائق الصدق، ودلائل براهين الحق.
قلتُ: وما هذه البراهين والدلالات؛ التي حار فيها كثير من أهل المقالات، وتكلم فيها بالأمور العظيمات المعجبات؟
قال: قد سألت فاستقصيت، فافهم ما نقول، وما إليه قولنا يؤول.
ثم اعلم أنَّه لا تثبت نبوءة نبي في قلوب العالمين، ولا يستدلّ عليها أحد من التابعين، ولا تثبت وصية الوصي، ولا حجة بحق(1) مضي، ولا تثبت إمامة إمام، ولا تجب طاعته على أهل الإسلام؛ إلاَّ باستحقاق وعلامات، وشرائع ودلالات، وعَلَم قائم، ودليل يدل على أنَّه هو صاحب ذلك المعنى، والمتولي لجميع هذه الأشياء.
فأما استحقاق الأنبياء صلوات الله عليهم للنبوَّة؛ فهو بالطاعة منهم لله، والاجتهاد منهم في مرضاة الله، والنصح لعباد الله(2)، فإذا علم الله من ضميرهم أنهم إن بعثوا كانوا كذلك، وإن أمروا قاموا لله بذلك؛ أمرهم سبحانه حينئذٍ ونهاهم، وبعثهم واجتباهم، ثم أبان معهم العَلَم والدليل، الذي يدل على أنهم رسل مبعوثون برسالته إلىخلقه، مبشرين، ومنذرين، مخوفين لعذابه، مبشرين بثوابه، هادين إلى طريق سبله(3)، {لَيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} [الأنفال: 42].
وعَلَم الأنبياء ودليلها فهو ما جاؤا به من المعجزات، وأظهروه للخلق من العلامات؛ الشاهدات على أنهنَّ من عند الرحمن؛ اللواتي لا ينالهن ولا يطيق إيجادهنَّ أحد من الإنسان.
__________
(1) في (أ، ج): لحق.
(2) لعل من ظاهر هذا الكلام أخذت (المطرفية) ما ينسب إليها من القول بأن النبوة تأتي جزاء على العمل، وليس لهم فيه مأخذ؛ إذ هو في سياق بيان أن النبوة والإمامة لاتكون بالإختيار من الناس، وإنما تكون بالاختيار من اللّه لمن سبق في علمه أنه يطيعه إذا بعثه، وذلك واضح.
(3) في (أ): سبيله.(2/105)