فإن سألتني عن ذلك، قلت لك: إنما عوقب آدم صلوات الله عليه في استعجاله في أكل الشجرة، وذلك أن الله سبحانه لما نهاه عن أكل الشجرة ـ وهي البر ـ وأمره بالشعير ولم يحظرها عليه، فكان يأكل من شجرة الشعير وهي ورق، ولم تحمل ثمراً، فلما صار فيها الحب والثمر أشكل عليه أمرها، فلم يدر أيهما نهي عنه،فأتاه اللعين بِخِدَعِهِ وغروره، فقاسمه على ما ذكره الله في كتابه؛ فقال: {مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَا مَلَكَينِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ}[الأعراف: 20]، فاستعجل آدم فأكل من الشجرة، ولم ينتظر الوحي في ذلك من عند الله، فعوقب في استعجاله في أكلها، وقلة صبره لانتظار أمر ربه.
قلتُ: فكيف كان كلام إبليس وخدعه إياه؟ هل كان تصور له جسماً، ورآه عياناً؟
فقال: إنما سمع آدم كلامه، ولم يره جسماً. وقد رويت في ذلك روايات كذب فيها من رواها، وكيف يقدر مخلوق أن يخلق نفسه على غير مركب خلقه، وفطرة جاعله؟ هذا ما لا يثبت ولا يصح عند من عقل وعرف الحق.
قلتُ: فقد كان محمد النبي صلى الله عليه يخاطب جبريل، ويعاينه على عظيم خلقه، وجسيم مركبه!(2/81)


فقال: إنما كان جبريل عليه السلام ينزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم على صورة(1) لطيفة يقدر على رؤيتها وعيانها. وصح عندنا أن النبي محمداً عليه السلام رأى جبريل في صورة (( دِحْيَة الكلبي (2) ))، وإنما ذلك خلق احدثه الله فيه، وركبه عليه؛ لما علم من ضعف البشر، وأنهم لا يقدرون على النظر إلى خلق الملائكة؛ لعظيم خلقهم، وجسيم مركَّبهم. فلما علم الله تبارك وتعالى من محمد صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ـ ولم يكن جبريل عليه السلام يقدر على تحويل صورته ومركَّبه من حال إلى حال؛ لضعف المخلوقين وعجزهم عن ذلك ـ نقله الله سبحانه على الحالة التي رآه محمد عليه السلام فيها، نظراً منه سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وما فعله الله فليس من فعل خلقه. فلك في هذا كفاية إن شاء الله.
قلت: فهل كان آدم صلى الله عليه طمع في الخلود؛ لما قاسمه (عليه)(3) إبليس على النصح؟ قال: إنما كان ذلك منه صلوات الله عليه طمعاً أن يبقى لطاعة الله ولعبادته، فأراد أن يزداد بذلك قربة من ربه.
قلت: فما معنى قوله: {فَأَكَلاَ مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}[طه: 121]؟
قال معنى قوله: {بَدَتْ لَهُمَا سَوآتُهُمَا}؛ فهو سوء فعلهما، لا كما يقول من جهل العلم، وقال بالمحال: إن اللّه كشف عورة نبيه وهتكه. وكيف يجوز ذلك على الله في أنبيائه؛ والله لا يحب أن يكشف عورة كافر به؟ فكيف يكشف عورة نبيه؟
__________
(1) في (أ): في خلقةِ صورةٍ.
(2) هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة الكلبي، صحابي جليل، نزل المِزَّة، ومات في عهد معاوية.
(3) ليس في (ج).(2/82)


قلتُ: فقوله (1): {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}[الأعراف: 27] فقال: قد اختلف في ذلك، ورويت فيه روايات. وأصح ما في ذلك عندنا، والذي بلغنا عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم أن لباسهما هو لباس التقوى والإيمان، لا ما يقول به الجاهلون من أنَّه لباس ثياب، أو ورق من ورق الشجر. فهذا معنى قول الله: {يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا}، وإنما أراد بذلك من قوله: {لِبَاسَهُمَا} أي لباس التقوى، بما سوَّل ووسوس لهما من الكذب والمقاسمة التي سمعها منه.
قلت: فقوله: {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ}[الأعراف: 22] قال: إنما كانا في الجنة في ظلها وتحت أشجارها، فلما أخرجا منها(2) وأصابتهما الشمس بحرها ورمضاء(3) الأرض، فأرادا أن يجعلا لهما موضعاً يكون لهما فيه ظلال، كما يفعله من خرج من منزله في سفر ونيته إلى غيره من البوادي وغيرها، فلا يجد ظلالاً(4) ولا مسكناً، فلا يجد بداُ من أن يعرش عريشاً يُكنّه، ويستره من الحر، ويقيه من شدة البرد. فهذا معنى قوله: {يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا}.
قلتُ: فالجنة التي كانا فيها، أفي السماء كانت، أم في الأرض؟
قال:هي جنة من جنان الدنيا، والعرب تسمي ما كان ذا ثمار وأنهار جنة.
قلت: فقوله: {اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً}!
قال: ذلك جائز في لغة العرب ، ألا ترى أنك تقول: هبطنا نجران، وهبطنا اليمن، ونريد أن نهبط الحجاز. فلما كان ذلك معروفاً في اللغة؛ جاز أن يقول: {اهْبِطُوا مِنْهَا}.
وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ}[البقرة: 37]، ما الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؟
__________
(1) في (أ): فكيف ينزع.
(2) في (أ، ج) خرجا.
(3) في (أ، ج): ورمضِ.
(4) في (أ، ج): ظلاً.(2/83)


قال: قد اختلف فيها، والصحيح عندنا أن الكلمات: هو ما كان الله تبارك وتعالى قد أعلمه؛ بخلق من سيخلقه من ذرية آدم ونسله، وأنه سيكون منهم مطيع ومنهم عاص باختيارهم، وأنه سبحانه يقبل التوبة من تائبهم، إذا تاب وأصلح، وأخلص التوبة وراجع. فلما كان منه ما كان من أكل الشجرة؛ ذكر ما كان الله قد أعلمه من القبول للتوبة؛ فقالا {رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.[الأعراف: 23] فهذه الكلمات التي تلقاها آدم من ربه صلوات الله عليه.
[قصة سليمان وخطيئته عليه السلام]
وسألته عن قول الله سبحانه: {وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ}[ص: 34].(2/84)


فقال: معنى قوله: {فَتَنَّا سُلَيمَانَ}، يقول: امتحناه، وإنما كان ذلك من أجل ما سألته مَلِكَةُ سبأ؛ من طلبها حين طلبت منه قرباناً تقرب به على ماكانت تفعل في قديم أفعالها، فسألته صلى الله عليه أن يأذن لها في بقرة فلم يجبها، ثم سألته شاة فكره ذلك عليها، ثم طيراً فأعلمها أن ذلك لا يحل لها، فوقعت في صدرها جرادة؛ فقالت: فهذه الجرادة إئذن لي فيها، فتوهم وظن أنها مما لا إثم عليها فيها؛ إذ كانت مما لا يقع عليه ذَكَاة، فسكت ولم يمنعها عن ذلك؛ فقطعت رأس الجرادة وأضمرت أنها قربان. فلما خرج صلى الله عليه يريد أن يتطهر على جانب البحر؛ نزع خاتمه من يده، وكان لا يتطهر حتى ينزع الخاتم من يده، وهذا الواجب على كل متطهر، إذا أراد أن يتطهر من جنابة أو غيرها للصلاة، أن ينزع خاتمه، أو يديره في إصبعه حتى يصل الماء إلى البشر(1) الذي يكون تحته، وينقى من الدرن ما حوله. فلما نزع الخاتم ومضى لطهوره، خرج حوت من البحر فابتلع الخاتم وذهب في البحر، فلما فرغ سليمان من طهوره؛ نظر إلى الموضع الذي كان وضع فيه خاتمه فلم يجده، فعلم أن ذلك لسبب قد أحدثه، وأن الله سبحانه أراد بذلك فتنته، فدعا الريح فلم تجبه، ثم دعا الطير فلم تجبه، ثم دعا الجن فلم تجبه، لما ذهب عنه الخاتم، وإنما كان الخاتم سبباً من الله لملكه قد جعله الله فيه، وبه كان يطاع؛ فعلم سليمان أن العقوبة قد وقعت، ووثب العفريت الملعون على سريره عند ذلك وهو مُلْكُه، فكان يتكلم على شبه كلام سليمان عليه السلام، وهو من وراء حجاب، لا يظهر ولا يرى له شخص، ودعا فلم يجبه إلاَّ الإنس، ومضى سليمان باكياً نادماً على فعله، وجعل يتبع الصيادين على سواحل البحر يخدمهم ويعينهم، وهم لا يعرفونه، ولا يعلمون أنَّه سليمان، فأقام على ذلك وقتاً اختلفت(2) فيه الرواة، فقال بعضهم: أقام أربعين يوماً. وقال آخرون: بل مكث
__________
(1) في (ج): إلى الشعر، وما هنا نخ.
(2) في (ب): وقد اختلفت.(2/85)

117 / 209
ع
En
A+
A-