قال الهادي إلى الحق عليه السلام: واعلم أن السخط، والرضى، والولاية، والمحبة، كما ذكرنا من صفات الأفعال، والسخط: اسم لكراهية الفعل إذا وقع، لوجود المكروه، وكذلك الرضى هو: اسم لإرادة الفعل؛ إذا وقع من العبد من الوجوه(1) المرادة، وكذلك يوصف من أراد فعل غيره، ووقع على مراده وعلى ما أراد، لأنه(2) راض عنه، ويوصف من كره فعل غيره، ووقع على ما كرهه؛ بأنه ساخط له، وكذلك يوصف العبد بما دخل تحته من الأفعال، وقد يقال في الفعل الواحد: إن زيداً راض به، وعمراً ساخط له؛ إذا أراده زيد وكرهه عمرو. وإذا لم يكن حقيقة السخط والرضى ما ذكرنا؛ لم يمتنع أن تكون هذه الصفات(3) من صفات الذات، وإذا كانت(4) كذلك فكان من علم أنه يطيعه مرضياً عنه وهو في حال كفره، وإذا كان العلم هو الموجب للطاعة والمعصية؛ فلا يخرج(5) العبد إذاً من ذلك.
قال الهادي عليه السلام: وقد يكون العبد في المعاصي الجليلة؛ فيكون الله ساخطاً عليه، معادياً له؛ ثُمَّ ينتقل إلى الطاعة، فينتقل عليه ضد ذلك، من الرضى والولايه، والمحبة والمعونة له، وقد يكون في طاعة الله عز وجل فيكون الله راضياً عليه؛ ثُمَّ ينتقل إلى المعاصي؛ فينتقل عليه ضد ذلك الرضى، وهو السخط.
__________
(1) في (ج): على الوجوه.
(2) في (ج): بأنه.
(3) في(أ) و (ج): الصفة.
(4) في (ب): وكذلك.
(5) في (أ): فلا مخرج للعبد إذاً.(2/71)


واعلم أن الرضى بالفعل، هو غير الرضى عن الفاعل، وإنَّما يرضى عن الفاعل إذا أتى كمال مراده منه، ولأن العبد قد يرضي الله في جميع أفعاله، ويسخطه في وجهٍ، يبين ذلك أن الصغيرة الواقعة من الأنبياء عليهم السلام مسخطة لله، وإن كان سائر أفعالهم مرضية له. ويبين(1) ذلك أيضاً أن الواحد منا قد يكون مرضياً لغيره في وجه، ومسخطاً له في آخر. وكذلك في طاعة الكافر وكفره، فإذا صح ذلك لم يجز متى رضي تعالى ببعض أفعال المكلف، أن يكون راضياً عنه، لأن الرضى هاهنا معلق بالفعل، وإنَّما يتعلق الرضى بالفاعل إذا أرضى الله عز وجل في أفعاله، على قولنا في استحقاق المدح والثواب، فإذا كان العبد مسخطاً لله في وجه، ومرضياً له في وجه؛ قيل: إن الله راض ببعض فعله، ساخط لبعضه، ولم يتعلق السخط والرضى هاهنا بالفاعل، فإذا عُلق بالفاعل كان محالاً أن يوصف الله بأنه راض على من هو ساخط عليه.
فأما الولاية من الله تعالى للمؤمنين؛ فإنما يتولى تعظيمهم ومدحهم، ويأمر بذلك بعد استحقاقهم لذلك بأفعالهم.
وأما العداوة فحقيقتها إنزال المضار بالعاصي، واستعمال العداوة لله من الكافر مجاز؛ لأن الكافر لا يقدر على إنزال المضار به تعالى، وإنَّما يوصف بذلك من حيث كان عدواً لأوليائه، والمحبة من الله للمؤمنين فإنما المراد بها منه إيصال المنافع إليهم تفضُلاً واستحقاقاً.
__________
(1) في (أ): ويبين مهملة.(2/72)


واعلم أن هذه الصفات إرادة من حيث كان عدوّاً لأوليائه(1)، والمحبة من الله للمؤمنين، فإنما يجوز أن يريد الأفعال ويكرهها. والإرادة فقد صح أنها من صفات الفعل، وإنَّما يجب أن لا يجيز هذه الأوصاف على الله عز وجل من لا يثبته مريداً على الحقيقة ولا كارهاً، فإذا صح أنها من صفات الفعل؛ وجب القضاء بأنه إنَّما سخط ورضي بعد وجوب ما يوجب ذلك، وذلك لا يجوز إلاَّ بعد التكليف، وبعد تصرف المكلفين بالطاعة والمعصية؛ لأن جميع ذلك منه تعالى جزاء على الأفعال، ولا يحسن مجازاة الفاعل قبل إقدامه على الفعل، وذلك بين لا يحتاج(2) فيه إلى إطناب.
فأما ما ذكر عن سليمان بن جرير فإنما أُتي فيه من قبل قوله بأنه يقول: إن الله تعالى لم يزل مريداً، ويثبت ذلك من صفات الذات؛ فقال ما قاله، وقد دللنا على بطلان(3) ذلك؛ ببطلان أصله الذي يتعلق به في أن الإرادة من صفات الذات.
ومما يبين فساد ذلك أن الساخط إنَّما يحسن منه أن يسخط على من فعل قبيحاً من [حيث] علمه فاعلاً لذلك القبيح، لا لعلمه بأن الفعل المسخط له سيقع. ألا ترى أن ذلك يقبح قبل وقوع القبيح، كما يقبح منا أن نعاقب بالضرب والإيلام من لم يأت ما يستحق ذلك منه. فإذا ثبت ذلك؛ لم يجز منه تعالى أن يسخط على المؤمن من حيث علم أنَّه سيكفر في آخر أمره، ولو حُسن ذلك منه؛ لحسن أن يسخط عليه ويعاقبه، ويحرمه(4) في حال إيمانه؛ لعلمه بما سيقع منه، لأنَّه بعلمه عاقبه لا بفعله، لأنَّه لم يقع منه فعل يوجب عقابه، لكن بعلمه عاقبه ولو حسن ذلك منه لحسن أن يعاقبه، وأن يقدره على الطاعة، ويحسن(5) أيضاً أن يعاقبه مع أنَّه المانع له من الطاعة، وفساد ذلك ظاهر، وهذه طريقةٌ ما سلكها أحد من الأئمة،ولا من العلماء من غيرهم، سوى هذه المجبرة فاعلم ذلك.
تم والحمدلله وصلى الله على سيدنا محمد وآله.
****
__________
(1) كذا في النسخ.
(2) في (ب): أبين مما.
(3) في (ج): إبطال.
(4) في (أ) ويخترمه.
(5) في (أ): ولحسن.(2/73)


رسائل وكتب
في
النبوة
إثبات النبوة
m
سألت أكرمك الله(1) فقلت: إن سألني ذمي عن اثبات نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم من أين تثبت؟ فقلتَ: ما أقول له؟
الجواب في ذلك أن يقال له: ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم وصحت؛ من حيث ثبتت نبوة موسى وعيسى صلوات الله عليهما، والذي ثبتت به نبوتهما في بني إسرائيل، ووجبت طاعتهما؛ فَبِه ثبتت نبوة محمد صلى الله عليه وآله وسلم سواءً سواء.
فإن قال: وما ذلك الذي ثبتت به نبوتهم؟
قيل له: هي: المعجزات التي أتوا بها، والآيات التي أظهروها، التي لا ينالها مخلوق، ولا تكون إلاَّ من الخالق، ومعجزات كل واحد منهم معروفة عند أهل العلم، وقد شرحنا ذلك في مسائل ابني أبي القاسم(2)، التي في إثبات النبوة والوصية والإمامة.
والجواب في مسألتك هذه للمسلم والذمِّي سواء.
ويقال: إن كانت معجزات موسى وعيسى أثبتت نبوتهما (على أممهما، فقد أثبتت نبوةَ محمد معجزاته على جميع الخلق، وإن لم تكن معجزاتهما أثبتت نبوتهما) (3) عندك؛ فأخبرنا: بم تثبت نبوتهما مما هو غير ذلك؟ حتى نأتيك في محمد صلى الله عليه وسلم بحجج تقطعك وتقمعك.
فلا تجد بداً إن شاء الله أن تقول: إن المعجزات من الآيات هن اللواتي يثبتن ويصححن النبوة، ويقمن لله ولرسوله الحجة على الأمة.
__________
(1) لا نعرف من هو السائل ولعله من الطبريين أو من أهل اليمن والله أعلم.
(2) هو الإمام محمد بن يحيى المرتضى عليه السلام.
(3) سقط من (ب).(2/74)


فإذا أقر بنبوة محمد لثبات الحجة عليه، ووضوحها لديه، ولزومها له ـ إذ إقراره بها يثبت نبوة نبيه، ومكابرتُه فيها وقولُه بالدفع لها؛ يُبطِل قوله في نبيه ـ قيل له: اتق الله، وأجب محمداً داعياً إلى الله ورسُوله إليك وإلينا. فإن قال: قد أثبتم علي الحجة بما لم أقدر أن أدفعه في إثبات نبوته؛ إلاَّ أن أدفع نبوة نبيي؛ فقد أقررت لكم بنبوته حين اضطررت إلى ذلك؛ فهو نبيكم ورسولكم، وليس إلينا برسول.
قيل له: بل هو رسول إليك وإلى آبائك من قبلك(1)، بإقرارك لا بإنكارك، فقد أقررت بذلك ولزمك؛ من حيث ثبتت عليك الحجة في الإقرار بنبوته، وإن كنت لم تعقل ذلك ولم تفهمه، ولم يحط به عقلك فيعلمه.
فإن قال: ومن أين حكمت عليّ بذلك، وجعلتني في الحكم كذلك؟ أَبِنْ لي بذلك قولاً صواباً، وأزح لي به شكاً في قلبي وارتياباً.
قيل له: ألست قد أقررت بأنه رسول الله ونبيه؟ فلا يجد بداً من أن يقول: نعم. فيقال له: هل يجوز على الأنبياء صلوات الله عليهم أن تأتي بشيء من أنفسها؛ ثم تزعم أنَّه من الله دونها، وفي ذلك مالا يخفى عليك من الكذب على الله، وحاشا لرسل الله صلوات الله عليهم من ذلك. فلا يجد بداً من أن يقول: لا يجوز ذلك في الأنبياء صلوات الله عليهم والرسل.
فإذا قال ذلك، قيل له: أفليس القرآن الذي جاء به محمد من الله، وذكر أنَّه من الله؛ هو من الله، فلا يجد بداً أن يقول: نعم، هو قرآن بعث به إليكم دوننا. فإذا قال ذلك، قيل له: قد أقررت بنبوءته صلى الله عليه، وأقررت بالكتاب الذي جاء به أنَّه حق من الله؛ فقد وجدنا في هذا الكتاب تصديق إرسال محمد إليكم.
فإن قال: وأين ذلك؟
__________
(1) في (أ، ج): من قبل.(2/75)

115 / 209
ع
En
A+
A-