ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيْهِ اخْتِلاَفاً كَثِيْراً} [النساء: 82]، أفتقولون: إن ما كان من قول الجاهلية ـ من قولهم: إن القرآن الذي جاء به محمد عليه السلام ليس هو من الله، بل هو من عند نفسه، وأنه يكتبه(1) ويكذبه على الله ـ هو كما قالوا، وأن الله قضى بذلك القول عليهم في نبيه، وأنطقهم به عليه، وأنهم لم يقولوا ذلك إلاَّ بقضاء الله عليهم به؟ فإن قالوا: نعم نقول بذلك ونزعمه؛ ردوا الكذب على الله بإكذاب نبيه، وزعموا أن الله أكذب نبيه لا قريش، وفي ذلك الكفر بالله والشرك به.
وإن قالوا: بل هو من عندهم لا من عند الله؛ رجعوا إلى الحق، وقالوا له ولرسوله بالصدق، وصاروا من أهل القرآن.
***
__________
(1) في (أ): تكهنه وتكذبه.(2/56)
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله الرحمن، فيما نزل من النور والفرقان: {وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيْقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسِبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ ويَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِاللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 78]، أتقولون أن لَيَّهم بالكتاب، وتمويههم على المؤمنين بذلك وفيه من أنفسهم؟ فإن قالوا: من الله قضاء قضى به عليهم. قيل لهم: فإنا نجد الله يقول بخلاف قولكم، ويبطل ما لفظتم به؛ لأنَّه يقول: {وَمَا هُوَ مِنَ الكِتَابِ}، {وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} فذكر انهم يكذبون عليه فيما قالوا: إنَّه منزل هذا الباطل وجاعله، فشهد عليهم سبحانه بالكذب عليه في ذلك، وأنتم(1) تشهدون لهم بالصدق في قولهم(2)؛ لأنكم(3) تزعمون أن كل فعل منهم فمن الله لا منهم، وبقضائه لا بفعلهم، وفي ذلك والقول به ما به الكفر بالله والشرك.
وإن قالوا: هو كما قال الله من عندهم، وهو كذب منهم والله منه بريء؛ رجعوا إلى الحق، وقالوا في الله سبحانه بالعدل.
***
__________
(1) في (أ): وأنهم.
(2) في (أ،ج): قولكم.
(3) في (أ): إنكم.(2/57)
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: { لاَتَكُوْنُوا كَالَّذِيْنَ آذَوا مُوْسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيْهاً} [الأحزاب: 69]. أفتقولون: إن موسى عليه السلام كان بريئاً مما قالوا به فيه وكذبوا عليه سبحانه بأنه شهد لموسى(1) بالبرآة ـ وقالوا هم: ليس ببريء، ومن شهد بالبرآءة ـ لغير بريء؛ فهو فاسق غوي، والله عن شهادة الزور فمتعال علي. وإن قالوا: إن موسى عليه السلام بريء من ذلك، وإن الله صادق فيما شهد له به؛ (آمنوا) (2) ورجعوا إلى الحق، وقالوا في الله بالصدق والعدل. وإن قالوا: بل الله (الذي) (3) قضى عليهم بأذية موسى عليه السلام؛ فقد زعموا أن الله المتولي أذية نبيه موسى صلى الله عليه وسلم، وقضى عليهم(4) بالقذف له، وفي هذا إبطال ما قال الله وشهد به عليهم، وبرأ نفسه ونبيه من هذا الفعل العظيم.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله عز وجل فيما يحكي عن نبيه نوح صلى الله عليه وسلم، إذ يقول: {أَنْتُمْ بَرِيْئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيْءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ} [يونس: 41]، أفتقولون: إن نبي الله صدق في قوله: {أَعْمَلُ} و{تَعْمَلُونَ} فتوجبون له العمل؟ أم تقولون: إنَّه ليس له في ذلك اختيار ولا عمل ولا لهم، وإن ذلك كله من الله دونهم؟ فإن قالوا: بل نقول: عمله و عملهم، وأنه صادق في ذلك فقد برؤوا الله من أفعال العباد، ورجعوا إلى الحق.
وإن قالوا: بل هو فعل الله، لا فعله ولا فعلهم؛ فقد كفروا، وكذبوا قول رسول الله صلى الله عليه.
***
__________
(1) كذا في النسخ، وهو غير مستقيم، ولعل العبارة: فإنه سبحانه شهد لموسى بالبراءة، وقالوا..
(2) سقط من (أ).
(3) سقط من (أ).
(4) كذا في النسخ.(2/58)
ومما يسألون عنه عن قول الله سبحانه: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيْءٌ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3]. فما قولكم فيما برئ(1) الله منه من المشركين؟ هل هو خَلْقُ أبدانهم وما فطر من صورهم؟ أم هو أفعالهم وما يأتون به من كفرهم وعصيانهم؟ فإن قالوا: إنَّه تبرأ من أن يكون خلقهم وجعلهم، وأوجدهم وفطرهم؛ كفروا بالله، وأشركوا في الخلق معه (غيره) (2)؛ تعالى الله الكريم. وإن قالوا: تبرأ من أفعالهم وعصيانهم؛ فقد أقروا أنَّه بريء من أفعال العاصين، متعال عن القضاء بفساد المفسدين، وتركوا قولهم بالإجبار، وصاروا من القائلين على الله بالعدل والإحسان.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنِّي بَرِيْءٌ مِمَا تَعْمَلُونَ} [الشعراء: 216]، أتقولون: إن الله عز وجل أمر نبيه أن يتبرأ (مما تبرأ(3) الله منه؟ أم تقولون : إن الله أمره أن يتبرأ مما لم يتبرأ) (4) منه؟ فإن قالوا: بل أمره أن يتبرأ مما تبرأ منه؛ فقد صدقوا، وإلى الحق رجعوا، وقالوا: إن الله لم يقض بما برئ منه، ولم يدخل فيما نهى عنه. وإن قالوا: إن الله أمره أن يتبرأ مما لم يتبرأ هو منه؛ فقد زعموا أن الله أمر نبيه بمخالفته، وبأن يتبرأ(5) مما لم يتبرأ منه مما تولى هو جل جلاله، وهذا فاكفر الكفر (بالله) (6) وأبين الشرك به، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
***
__________
(1) في (ج): مما تبرأ.
(2) سقط من (أ).
(3) في (ج): يتبرأ.
(4) سقط من (أ).
(5) في (أ،ج): وبأن يتبرأ هو منه، ويتبرأ مما تولى.
(6) سقط من (ج).(2/59)
ومما يسألون عنه قول الله سبحانه فيما يحكي عن أهل النار: {رَبَّنَا هَؤُلاَءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَاباً ضِعْفاً مِنَ النَّارِ} [الأعراف: 38] أتقولون: إن الله سبحانه الذي أضلهم؟ وأن أهل النار ظلموا هؤلاء الذين ادعوا عليهم، وإن الله حكى باطلاً من قولهم، وإنه مضل لهؤلاء المعذبين دون من ذكروا؟ أم تقولون كما قال الله سبحانه وحكى؛ إن الكافرين بعضهم أضل بعضاً؟ فإن قالوا: بل الله أضلهم لا هؤلاء؛ كفروا وردوا ما حكى الله من الحق.
وإن قالوا: بل هؤلاء أضلوهم دون الله، لإإن الله لم يضل عباده عن طاعته؛ صدقوا وآمنوا، ورجعوا إلى الحق.
***
ومما يسألون عنه قول الله سبحانه: {فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ اَخِيْهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِيْنَ} [المائدة: 30]، فيقال لهم: خبرونا ألله سبحانه طوع له ذلك(1) وقضى عليه؛ أم نفسه كما قال الله؟ فإن قالوا: بل نفسه طوعت له ذلك، ولم يقضه الله عليه، ولم يدخله فيه؛ فقد أصابوا وتركوا قولهم، وما كانوا عليه من كفرهم. وإن قالوا: بل الله طوع له ذلك بقضائه عليه، وإشقائه له به؛ فقد خالفوا الله وكذبوه في قوله. فالمجبرة تقول: إن الله طوع له ذلك، وقضى به عليه، وأدخله فيه، ولولا أنَّه قضى بذلك عليه لم يفعله، والله يتبرأ عن ذلك، ويخبر أن نفسه طوعت ذلك له، وأنه برئ من ذلك سبحانه.
***
__________
(1) في (أ): ولم يقضه الله عليه. وهو خطأ.(2/60)