ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قوله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ وَلاَ وَصِيلَةٍ وَلاَ حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِيْنَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} [المائده: 103]، أفتقولون فيما فعلوه: إن الله فعل(1) ذلك، وقضى به وبفعله على من فعله من مشركي قريش؟ فقد صح لنا أن أول من فعل ذلك (( قُصي بن كلاب )). فإن قالوا: إن الله جعله(2)، وقضى به، وأدخله فيه؛ فقد صدَّقوا قول قريش: إن الله قضى بذلك وفعله بهم، وأكذبوا قول الله؛ لأن الله قد نفى ذلك عن نفسه، وأخبر أنَّه لم يقض به، وأكذبهم فيما قالوا به عليه من ذلك وفيه؛ حين يقول: {مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلاَ سَآئِبَةٍ}، والقدرية تقول: هو فعل(3) الله وقضاؤه، ولولا أن الله قضى به ما فعلته قريش ولا أطاقته، أَقَوْلُ اللهِ أصَدَقُ عند من عَرَفَ الله أم قولُ قريش القدرية؟ بل قول الله أصدق، وقولَ(4) قريش باطل.
__________
(1) في (أ،ج): جعل.
(2) في (ج): فعله.
(3) في (أ،ج): جُعْل اُلله.
(4) في (أ،ج): وقول من سواه.(2/51)


ومما يسألون عنه مما لا يستطيعون رده من كتاب الله قول الله سبحانه: {إِنَّ الَّذِيْنَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ} [آل عمران: 155]، فيقال لمن زعم أنَّه لا يقدر عبدٌ على فعلٍ إلاَّ بعد قضاء الله به عليه، وإدخاله إياه فيه، بالقضاء اللازم: أما تجد الله سبحانه يخبر أن توليهم عن النبي صلى الله عليه وآله كان من استزلال الشيطان؟ وأنه منهم ومنه، وأنتم تزعمون أنَّه من الله، وأنه قضى به عليهم وبالتولي، (ما تقولون: أقول الله أصدق (1)، أم قولكم؟ فإن زعموا أن قول الله أصدق؛ رجعوا عن قولهم وصاروا إلى العدل. وإن قالوا: إن قولهم أصدق) (2)؛ فقد كفروا بالله، وكذبوا على الله؛ لأن ربنا قد ذكر أن ذلك من عدو الله الشيطان، والقدرية تزعم أنَّه من الرحمن، وأن الشيطان منه بريء.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {وَدَّ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدَ إِيْمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ} [البقره: 101]. أفتقولون: إن هذا الحسد من عندالله، قضى به على الكفار أن يحسدوا المؤمنين على الإسلام؟ أم حسداً من عند أنفسهم يعاقبون عليه؟ فإن قالوا: هو من عندالله قضى به عليهم؛ برأوا الكفار من الذنب المذموم، وجعلوه لله دونهم، وقد قال الله تعالى خلاف ذلك، فقد كذبوا الله في قوله وكفروا به. وإن قالوا: هو من عند أنفسهم ومنهم لا من الله كما قال الله؛ خرجوا من الباطل (إلى الحق) (3)، ورجعوا إلى العدل.
***
__________
(1) في (ب): أصدق القائلين.
(2) سقط من (أ).
(3) ليس في (أ).(2/52)


ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله تعالى: {إِنَّ الَّذِيْنَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ} [محمد: 25]، أفتقولون: إن الشيطان بريء من ذلك، وإنه لم يسول لهم منه شيئاً؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا الله، وخرجوا بذلك من الدين. وإن قالوا: بل هو كما قال الله سبحانه (من الشيطان) (1) لا من الرحمن؛ فقد صدقوا، ورجعوا إلى الحق، وقالوا بالعدل، وأقروا بأن الإرتداد من المرتدين بتسويل من الشيطان لهم، لا بقضاء الله بذلك عليهم؛ لأن الله لا يقضي بالإرتداد، ولا غير ما أمر به من اتباع دينه، والإئتمار بأمره والانتهاء عن نهيه.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيْبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ} [آل عمران: 165]، أتزعمون أنَّه من عند أنفسهم كما قال الله؟ أم هو قضاء من عند الله قضاه(2) عليهم؟ فإن قالوا: إن ذلك من أنفسهم؛ قالوا بالحق، وتعلقوا بالصدق. وإن قالوا: هو من عند الله، وهو قضاؤه. قيل لهم: أفقولكم(3) أصدق، أم قول الله سبحانه؟ فإن قالوا: قول الله سبحانه؛ صدقوا وأسلموا. وإن قالوا: قولنا كفروا؛ لأن المصيبة لم تكن إلا بمخالفتهم لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أمرهم أن(4) لا يبرحوا من باب الشعب فخالفوا ورجعوا، فوجد الكافرون السبيل إلى دخول الشعب فدخلوا؛ فأصابوا ما أصابوا، ووقعت المصيبة، فكانت منهم بمخالفتهم لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وزوالهم من مواقفهم الَّتِي أوقفهم لانتظار أمره.
***
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): قضي.
(3) في (أ): فقولكم.
(4) في (أ): بأن.(2/53)


ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه فيما حكى(1) عن نبيه يوسف صلى الله عليه من قوله: {مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي} [يوسف: 100]. أفتقولون: إن الشيطان نزغ بينهم كما قال الله سبحانه؟ أم تقولون: إن الله الذي نزغ بينهم، وأدخلهم فيما فعلوا بنبيه صلى الله عليه، وقضى به عليهم فلم يجدوا منه بداً؟ فإن قالوا: إن الشيطان الذي نزغ كما قال الله وذكر يوسف؛ صدقوا، ورجعوا إلى الحق من بعد الباطل، وخرجوا من الجبر إلى العدل. وإن قالوا: بل الله الذي نزغ بينهم؛ بقضائه بذلك عليهم؛ أكذبوا قول يوسف في الشيطان، وردوا الذنب على الرحمن، وقالوا على الله بخلاف قوله في نفسه وقول نبيه فيه. فهل يقول بإكذاب الله سبحانه وإكذاب نبيه يوسف وتصديق المجبرة من دون الله مؤمن يؤمن بالله سبحانه أو يعرفه؟
***
__________
(1) في (ج): يحكي.(2/54)


ومما يسألون عنه من كتاب الله سبحانه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِيْنَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ} [المجادله: 10]، يريد أي بتخلية الله، والتخلية (هاهنا)(1) فهي: ما جعل الله في الشيطان من الإستطاعة الَّتِي أمره أن يطيعه بها ويرضيه، فنهاه عن الوسوسة للعباد والمقاربة لهم. أفتقولون: إن النجوى من الشيطان؛ كما قال الرحمن؟ أم تقولون: إنها من الرحمن، وتبرون(2) منهاعدو الله الشيطان؟ فإن قالوا: بل نقول: إنها من الشيطان، كما قال الله وقوله الحق لا من الله؛ صدقوا، وخرجوا بذلك من الجبر والظلم(3) لله، والكفر به والعدوان. وإن قالوا: بل نقول: إن كل ما جاء من نجوى الكافرين، وتناجيهم بالإثم والعدوان، والتراضي(4) بالعدوان، والمحاربة للنبي صلى الله عليه وآله وسلم قضاء من الله، قضى به عليهم في نبيه وأدخلهم فيه، وأنه من الله لا من الشيطان؛ كفروا بالله وأكذبوا قوله، وخرجوا بذلك من دين محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ورجعوا وتعلقوا بدين الجاهلية الأولى، وقولهم الذي أنكره الله تعالى عليهم وأكذبهم فيه.
***
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (أ): وتنزهون.
(3) في هامش (ج): والتظليم. نخ.
(4) في (أ): والتقاضي. وفي (ب): والتواصي.(2/55)

111 / 209
ع
En
A+
A-