ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله سبحانه: {وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسٍ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ} [الأنفال:48]، أتقولون: إن الشيطان زين لهم أعمالهم، وقال لهم ما قال مما ذكر الله عنه؟ أم تزعمون أن الله الذي قال(1) وزينه لهم؟ فإن قالوا: بل الشيطان زينه لهم وقاله؛ تركوا قولهم، وخرجوا من الباطل، وإن قالوا: إن الله الذي زينه لهم؛ لزمهم أن يقولوا: إن الله (الذي) (2) زين لهم الخروج إلى قتال النبي صلى الله عليه واله وسلم، وأنه هو الذي قال للمشركين: {لاَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ اللَّهِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ}، وهذا إكذاب الله والكفر به.
ومما يحتج به عليهم ويسئلون عنه؛ أن يقال لهم: أخبرونا(3) عن قول الله سبحانه: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} [الزخرف: 45]، فيقال لهم: هل الله الذي جعل آلهة تعبد من دونه وقضى بذلك فيها؟ فإن قالوا: إن الله جعل ذلك وقضى به؛ ردوا كتاب الله وكفروا به. وإن قالوا: لم يجعله ولم يقض به؛ تركوا قولهم، وخرجوا من الباطل(4) إلى الحق.
***
ويقال لهم: أليس الله {(هُوَ) (5) أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةُ} [المدثر: 56]، كما قال وذكر إنَّه أهلهما؟ فإن قالوا: نعم؛ قيل لهم: فهل يجوز أن يكون الظلم والمعصية من الله؛ كما كانت التقوى والمغفرة منه؟
فإن قالوا: نعم. كفروا وخالفوا الكتاب، ونسبوا إلى الله غير الصواب. وإن قالوا: لا يكون الظلم والمعصية من الله؛ تركوا قول المبطلين، ورجعوا إلى قول المحقين.
***
__________
(1) في (أ،ج): قال لهم وزين.
(2) سقط من (ج).
(3) في (ج): خبرونا.
(4) في (أ،ج): من الظلم.
(5) سقط من (أ،ج).(2/46)
ومما يسئلون عنه: أن يقال لهم: أخبرونا(1) عن قول الله سبحانه: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} [الإنسان: 29]، وعن قوله: {فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِيْنَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا} [الكهف: 29]، أمن شاء أن يفعل خيراً فعله، أم ليس(2) هو عندكم كما قال الله؟ فإن قالوا: ليس هو كما قال الله؛ كفروا، وإن قالوا: هو كما قال الله؛ رجعوا إلى الحق، وقالوا على الله سبحانه بالصدق، وأقروا أن العباد ممكنون من العمل، وأنهم يفعلون ما شاؤا بما جعل الله فيهم، من الاستطاعة الَّتِي ركبها فيهم. فإن قالوا: ليس هذا كذلك؛ ردوا كتاب الله وكذبوه، ومن فعل ذلك فقد كفر.
***
ومما يسئلون عنه من محكم كتاب الله أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلاَ آبَاؤُنَا وَلاَ حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ تَخْرُصُونَ} [الأنعام: 148]، أفتقولون: إنهم صدقوا في قولهم: إن الله لم يشأ إيمانهم. فإن قالوا: صدقوا، كذبوا الله في قوله(3)، وكفروا بالله. وإن قالوا: لا بل كذبوا على الله في قوله(4)، وقد شاء منهم الإيمان ودعاهم إليه، ولم يشاء منهم الشرك؛ رجعوا عن قولهم، وصاروا إلى القول بالحق.
***
__________
(1) في (أ): خبرونا.
(2) في (ب): وليس.
(3) في (ب): في قولهم له.
(4) في (أ): قولهم.(2/47)
ومما يسألون عنه قول الله سبحانه: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ} [الزخرف: 20]. يقال لهم(1): أليس قد أخبر الله أن قوماً قالوا: لو شاء الرحمن ما عبدنا غيره؟ فإذا قالوا: نعم؛ يقال لهم: أليس قد قال الله: {مَالَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20]، والخرص فهو: الكذب؟ فما(2) تقولون في ذلك؟ فإن قالوا: صدق الله، إنهم لكاذبون فيما ادعوا(3) عليه؛ تركوا قولهم، ورجعوا إلى الحق، وقالوا بالعدل. وإن قالوا: هم كما قالوا: لو شاء الله ما عبدوا غيره؛ فقد صدَّقوا قول الفاسقين، وردوا قول رب العالمين، ومن قال بذلك كان بالله من الكافرين، ولعذابه من المستوجبين.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {يُرِيْدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ} [الصف: 8]، أفتقولون: إن الكافرين هم الذين أرادوا أن يطفئوا نور الله من دونه؟ أم هو الذي أراد أن يحملهم على إطفاء نوره(4)؟ فإن قالوا: أراد إتمام نوره؛ تركوا قولهم، ورجعوا إلى الحق، وقالوا بقول الله في ذلك.
وإن قالوا: بل الله الذي أراد إطفاء نور نفسه؛ ردوا قول الله وكفروا به؛ لأن الله يقول في كتابه: {يُرِيْدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُوْرَهُ} [التوبة: 32]، (والله يقول: إنهم يريدون إطفاء نور الله) (5)، والمجبرة القدرية(6) تقول: بل الله يريد إطفاء نور نفسه؛ إذ زعمت أنَّه يقضي على الفسقة بذلك.
***
__________
(1) في (أ،ج): فيقال.
(2) في (أ): فيما ، ولعلها: فبما.
(3) في (أ): ادعوه.
(4) في (ب،ج): نور الله.
(5) سقط سهواً من (ج).
(6) في (أ) و(ج): والمجبرة والقدرية.(2/48)
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله تعالى: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ} [آل عمران: 28]، أتقولون: أن فاعل ذلك فعله بغير قضاء من الله؟ فإن قالوا: نعم، فعله بغير قضاء من الله، وأن فعله ليس من الله في شيء؛ دخلوا في قول المعدِّلين، وقالوا بالحق في رب العالمين. وإن قالوا: فِعْلُ ذلك من الله، وإنه ليس بمعدول عنه، وإنه بقضاء منه؛ فقد ردوا على الله قوله، وخسروا خسراناً مبينا؛ إذ قالوا: هومن الله، والله يقول: ليس هو منه.
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ} [الفتح: 25]، أتقولون: أنهم صدوهم عن المسجد الحرام كما قال الله؟ أم الله صدهم وقضى بذلك عليهم؟
فإن قالوا: الله الذي صدهم؛ ردوا قول الله، وخالفوا تنزيله. وإن قالوا: بل المشركون صدوهم عن المسجد الحرام، والله تبارك وتعالى برئ من فعلهم، ولم يقض به عليهم؛ خرجوا من قولهم، ودخلوا في قول المحقين.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم خبرونا عن قول الله تعالى: {أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ} [النجم:23]، أتزعمون أنهم سموها وآباءهم كما قال الله سبحانه؟ أم تزعمون أن الله سماها دونهم؟ فإن قالوا: إنهم سموها دون الله؛ فقد أصابوا وصدَّقوا قول الله، وخرجوا من الباطل إلى الحق. وإن قالوا: إن الله الذي سماها دونهم؛ خالفوا قول الله، وردوا عليه قوله؛ لأنَّه يقول سبحانه: {سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ}، وهم يقولون: سماها دونهم، وهذا فأكفر الكفر، وأجل الشرك.
***(2/49)
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 9ـ10]، نبئوُنا عن المزكي والمدسي من هو؟ واحد هو أو اثنان؟ فإن قالوا: الله زكاها ودساها؛ قيل لهم: إن الله قد ذم من دساها، أتقولون: إنَّه ذم نفسه، أم ذم غيره؟ فإن قالوا: ذم غيره؛ خرجوا بذلك من قولهم: إن الله جبر العباد على أفعالهم، وقضى بها عليهم؛ إذ أثبتوا أن العبد مذموم على فعله، لا على قضاء ربه. وإن قالوا: بل ذم نفسه؛ إذ هو القاضي على المدسي بالتدسية، فهو الفاعل بالعبد الحامل له على التدسية، لا أن العبد حمل نفسه؛ كفروا بقولهم، ونسبوا إلى الله الذم لنفسه؛ على فعله لعباده.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله سبحانه: {مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ} [النساء: 79]، فيقال لهم: قد نجد الله سبحانه قد أخبر أن السيئات أفعال العباد لا من فعله، أفتقولون: إنَّه كما قال الله سبحانه أم لا؟ فإن قالوا: بل هو كما قال الله؛ خرجوا من الجبر، وتركوا قولهم بالباطل. وإن قالوا: هو على غير (قول) (1) الله كفروا بالله.
***
__________
(1) بياض في (أ).(2/50)