فإن قالوا: هو أمان الطريق، وإمكان الزاد والراحلة، وصحة البدن؛ (قيل لهم) (1): أفرأيتم رجلاً كثير المال كثير الأبل، صحيح البدن، آمن الطريق؛ جلس ولم يحج، وقال: لم يُقْضَ ليْ بالحج، ماذا تقولون له؟ أتقولون إن فرض الله(2) قد لزمه، أو لم يلزمه؟ فإن قالوا: قد لزمه، وعليه أن يحج؛ تركوا قولهم. وإن قالوا: لا يمكنه الحج حتَّى يُقْضى عليه به؛ ردوا كتاب الله، ونقضوا قوله، وخالفوا كل الأمة.
***
ثُمَّ يسألون فيقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {وَالَّذِيْنَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيْرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا ذَلِكُمْ تُوْعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَآسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّيْنَ مِسْكِيناً} [المجادلة:3 ـ4] أرأيتم من حنث في ظهاره، وكان موسراً، كثير الرقيق، صحيح البدن، قوياً على الصيام؟ فقال: لا أعتق رقبة ولا أصوم، ولكني أُطْعِم. فقيل له: هذا لا يجوز لك؛ لأن الإطعام لمن لا يجد عتقاً، ولا يقوى على صيام. فقال: أنا غير مستطيع لذلك؛ لأن الله لم يقض لي به، فلست أفعل إلاَّ ما قضى الله لي به من الإطعام، ما تقولون له؟ فإن قالوا: نقول له: أطعم، ولا تعتق ولا تصم؛ لأن الله لم يُقدِّره عليك ولم يقض لك به؛ ردوا كتاب الله، وخالفوا رسوله. وإن قالوا: (بل نقول له) (3): هذا لا يجوز لك، وقد أوجب الله عليك العتق فاعتق؛ تركوا قولهم، ورجعوا إلى الحق.
***
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (أ): فرض الحج.
(3) في (ج): يقولون له.(2/41)


ومما يسألون عنه يقال لهم: أخبرونا عن قول موسى عليه السلام للخضر: {لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً} [الكهف: 77]، أتقولون: إنَّه قال: لو شئت وهو لا مشيئة له؛ فتخطئون موسى عليه السلام؟ أم تقولون: إنَّه لم يقل إلاَّ الحق، وأن الخضر قد كان يقدر أن يفعل؟ فإن قالوا: لا مشيئة له ولا استطاعة؛ خطَّؤا نبيَّ الله وجَهَّلوه. وإن قالوا: قد كانت له مشيئة واستطاعة؛ تركوا قولهم، ورجعوا إلى الحق.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله عز وجل: {يُرِيْدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيْدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيْداً} [النساء: 60]، أفتزعمون أنهم أرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت، أم الله أراد ذلك وقضى به عليهم؟ فإن قالوا: إن الله أراد ذلك وقضى به عليهم؛ ردوا كتاب الله وخالفوه؛ لأن الله سبحانه قد نسب ذلك إليهم، وذكر أنهم (الذين) (1) أرادوا ذلك، والمجبرة القدرية يزعمون أن الله أراد منهم أن يتحاكموا إلى الطاغوت دونه ودون رسوله(2) صلى الله عليه وعلى آله. وإن قالوا: بل هم أرادوا ذلك، والله لم يرده؛ خرجوا من الباطل ورجعوا إلى الحق، وقالوا على الله بالصدق. فيقال لهم: قد نسمع الله سبحانه يقول ويذكر أن الشيطان هو الذي أراد أن يضلهم ضلالاً بعيداً. والمجبرة تزعم(3) أن الله أضلهم، والله أولى بالصدق منهم، والله سبحانه أصدق الصادقين، وأبعد الأبعدين من إضلال الضآلين، والمجبرة والقدرية فأكذب الكاذبين(4). على الله رب العالمين.
***
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (أ): رسول الله.
(3) في (أ): يزعمون.
(4) في (أ): الأكذبين.(2/42)


ويسألون عن قول الله سبحانه؛ فيقال لهم: أخبرونا عن قول الله سبحانه: {إِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ} [المائدة:91]، أتقولون إن ذلك من الشيطان كما قال الله؟ أم تقولون إنَّه من الرحمن؟ فإن قالوا: هو من الشيطان كما قال (الله)(1)، وهو قضاء منه وتزيين لا من الله؛ تركوا قولهم، ورجعوا إلى الحق، وإلى قول أهل العدل. وإن قالوا: هو من الله لا من الشيطان؛ خالفوا في ذلك وردوا قول الله؛ لأن الله يقول: {إِنَّمَا يُرِيْدُ الشَّيْطَانُ}، وهم يقولون: إنَّما يريد الرحمن، وكفى بهذا لمن قاله كفرا(2).
***
ومما يسئلون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله عز وجل: {وَمَا اللَّهُ يُرِيْدُ ظُلْماً لِلْعَالَمِينَ} [فصلت: 46]، وعن قوله: {وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِلْعَبِيدِ} [فصلت: 46]، فهل تقولون: إن الله يريد ظلماً لأحدٍ من عباده؟ فإن قالوا: لا؛ تركوا قولهم الذي يقولون به: إن الله أدخلهم في المعاصي؛ ثُمَّ يعذبهم عليها ويُشقيهم بها. وإن قالوا: إن الله يريد ظلمهم؛ ردوا كتابه وكفروا به.
***
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (ب): وكفى بهذا القول لمن قال به كفراً.(2/43)


ومما يسألون عنه في محكم كتاب الله أن يقال لهم: أخبرونا(1) عن قول الله سبحانه: {يُرِيْدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيْمٌ حَكِيْمٌ وَاللَّهُ يُرِيْدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيْدُ الَّذِيْنَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيْلُوا مَيْلاً عَظِيْماً} [النساء: 26ـ 27]، أفليس إنَّما أراد الله البيان والتوبة والهدى، وأراد الكافرون الزيغ والردى؟ فإن قالوا: نعم؛ رجعوا إلى الحق وتركوا قول الباطل. وقالوا بقول أهل العدل. وإن قالوا: بل الله الذي أراد الميل وقضى به عليهم؛ خالفوا الله في قوله، واستوجبوا منه العذاب.
***
ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا عن قول الله عز وجل: {تُرِيْدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيْدُ الآخِرَةَ} [الأنفال:67]، أليس قد أخبر الله تبارك وتعالى أنهم يريدون غير ما أراد، وأنهم يفعلون غير ما يشاء؟ فإن قالوا: نعم؛ تركوا قولهم ورجعوا إلى العدل.
وإن قالوا: إنهم لا يشاؤن إلاَّ ما شاء(2) الله، ولا يريدون إلاَّ ما أراد الله خالفوا الله في قوله؛ لأن الله قد أخبر أنهم يريدون الدنيا وأنه يريد الآخرة، والدنيا غير الآخرة؛ فكذلك إرادة الدنيا غير إرادة الآخرة. ومن زعم أنهم أرادوا ما أراد الله؛ فقد زعم أنهم أرادوا الاخرة، وفي ذلك رد كتاب الله؛ لأن الله يقول: {تُرِيْدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيْدُ الآخِرَةَ} [الأنفال: 67].
***
__________
(1) في (أ): خبرونا.
(2) في (أ): ما يشاء.(2/44)


ومما يسألون عنه أن يقال لهم: أخبرونا(1) عن قول الله تعالى: {يُرِيْدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ}[البقرة: 185]، أتزعمون أن الله أراد ما يريد(2) كثير من الناس من العسر أم لم يرده؟ فإن قالوا: بل الله يريده ويقضي به على من (فعله من الناس) (3)؛ ردوا كتاب الله صراحاً. وإن قالوا: إن الله لا يريده، تركوا قولهم ورجعوا إلى الحق.
***
ومما يسئلون عنه أن يقال لهم: خبرونا عن قول الله سبحانه: {وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيْرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِيْنَهُمْ} [الأنعام: 137]، أتقولون: إن شركاءهم هم الذين زينوا لهم قتل أولادهم؛ ليردوهم بقتل أولادهم؟
فإن قالوا: نعم، هم المزينون لهم دون الله؛ رجعوا عن قولهم، وقالوا بالحق في ربهم. وإن قالوا: بل الله قضى بذلك عليهم، وزينه لهم؛ فقد ردوا كتاب الله بذلك.
ثُمَّ يقال لهم: كيف يزين الله لهم ذلك ثُمَّ(4) يرمي به شركاؤهم، وهو الفاعل له دونهم؟!! أما تسمعونه سبحانه يقول: {وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيْئَةً أَوْ إِثْماً ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيْئاً فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً} [النساء: 112]؟ فكيف يعيب سبحانه شيئاً، ثُمَّ يفعل مثله؟! تبارك وتعالى عن ذلك علواً كبيراً.
***
__________
(1) في (أ،ج): خبرونا.
(2) في (أ): ما أراد.
(3) بياض في النسخ، وما أثبته نخ، وفي هامش ج: وفي نخ: من شاء، وظنن بـ أراده.
(4) في (ج): ثُمَّ يرم.(2/45)

109 / 209
ع
En
A+
A-