ومن الحجة عليهم أن يقال لهم: أخبرونا عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أكان عندكم رؤوفاً رحيماً، حريصاً على العباد شفيقاً، مريداً لهم أن يطيعوا اللّه ولا يعصوه؟ وعن قول اللّه سبحانه فيه: {لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيْزٌ عَلَيهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ}[التوبة: 128] أكان كذلك؟ أم كان عندكم على غير هذه الصفة، من قلة الرأفة والرحمة والحرص؟. فلن يجدوا بداً من أن يقولوا: كان صلى الله عليه وآله وسلم رؤوفاً رحيماً، كما وصفه الله، فحينئذ يقال لهم: فأين الرأفة والرحمة ممن يأمر العباد بترك طاعة الله، والخروج عن مشيئته ومراده، والرد لقضائه وأمره؟ وكيف يكون عندكم حال من نهى عما ذكرنا، وحال من أطاعه في ترك ما ذكرنا. مما هو لله مشيئة ومراد؟! وأين الرأفة والرحمة ممن يأمر العباد بما لهم فيه الهلاك والغضب عند الله؟ هذا قول ينقض القرآن ويفسده، وهو حجة اللّه العظمى على عباده، وفيه تحريم ما حرم وتحليل ما أحل، فإذا كان المؤدي له ـ في قولكم وعلى مذهبكم ـ ينهى عن طاعة اللّه ومشيئته ، فكيف السبيل عندكم أن يوثق به فيما أدى إلينا من تحليل وتحريم؛ إذ كان ينهى عن قضائه ومراده؟ فقد احتمل ـ إن كان يفعل ذلك بلسانه ـ أن يفعله ومثله في الكتاب الذي أداه، فيحلل الحرام، ويحرم الحلال. تعالى اللّه عما أسند إليه أهل هذه المقالة الحمقاء، من التقلب(1) بعباده، والعبث بخلقه، وجل شأن محمد عليه السلام أن يكون فيه شيء من هذه الصفة، أو يكون على شيء مما يكره اللّه سبحانه. بل لم يزل صلوات اللّه عليه ناهياً عن نهي الله، داعياً إلى أمر الله، مستقلاً في ذلك كله بعداوة الآدميين والناس أجمعين، باذلاً لنفسه، داعياً إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة، حتى قبضه اللّه إليه، وقد غفر ذنبه، وشكر فعله، صلوات اللّه عليه وعلى آله.
__________
(1) في ب: التلعب.(2/36)
فميز يا بني القولين، وفكر فيما بين المنزلتين، تصح لك الحجة، وَيَبِنْ لك الحق؛ لأن الحق غير خفي، على ذي مِرَّة سوي(1).
نسأل اللّه التوفيق والتسديد، ونعوذ به مما أسند إليه المبطلون، وقال به فيه الجاهلون، فكل من قال على اللّه سبحانه شيئاً مما ذكرنا، أو أسند إليه سبحانه ما حكينا؛ من قول أهل الضلالة والردى، والحيرة والعمى، فما عرف الله العلي الأعلى، في شيء من أيام الدنيا، وهو عند اللّه من أجهل الجاهلين، وأكفر الكافرين، وأضل الضالين؛ لأنَّه قد نسبه سبحانه إلى أقبح صفات المخلوقين المستهزئين، العيابين المنهكين لعباد الله(2)، الحاكمين فيهم بغير حكم الله، فتعالى اللّه عن ذلك علواً كبيراً.
تم الكتاب والحمد لله رب الأرباب، وصلى اللّه على محمد النبي وعلى آله الطيبين، وسلم وحسبنا اللّه ونعم الوكيل.
كتاب
الرد على المجبرة القدرية الثاني(3)
بسم الله الرحمن الرحيم
قال يحيى بن الحسين صلوات الله عليه:
الحمد لله الذي لا تراه عيون الناظرين، ولا تحيط به ظنون المتظننين، الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، الداني في علوه، العالي في دنوه، الذي أمر تخييراً، ونهى تحذيراً، وكلف يسيراً، وأعطى على قليل كثيراً، البريء من(4) أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، المتقدس عن القضاء بالفساد، الممكن لعباده من العملين، الدال لهم على النجدين، المبين لهم ما أحل لهم، الموضح لهم ما حرم عليهم، المرسل إليهم الأنبياء الداعي لهم إلى الخير والهدى، المخوف لهم بالنيران، المرغب لهم بالجِنَان، الذي لا تحويه الأقطار، ولا تُجِنُّه البحار، ولا تواريه الأستار،…وهو الواحد العلي الغفار.
__________
(1) في ط: استوى.
(2) في ب: المتفكهين بعباد الله.
(3) ليس في (أ،ج): الثاني.
(4) في (أ): عن.(2/37)
وأشهد أن لا إله إلاَّ هو سبحانه شهادةً حقاً، أقولها له جل جلاله تَعبُداً ورقّاً. الذي رفع السماء فبناها، وسطح الأرض فطحاها، {وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ العَلِيُّ العَظِيمُ} [البقرة: 255].
وأشهد أن محمداً عبده ورسوله أرسله بالبينات، ونزل معه الآيات، وأنقذ به من الهلكات، وأكمل به النعم والخيرات، فبلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، وعبد ربه حتَّى أتاه اليقين، ثُمَّ تولى فقيداً محموداً، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطاهرين، الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وجعلهم أمناء على وحيه، ودعاةً لخلقه، أمر العباد بطاعتهم، وافترض عليهم ما افترض من اتباعهم، (اختصهم دون غيرهم بذلك، وجعلهم عنده كذلك، تكريماً منه لهم)(1)، وتعظيماً لما به خصهم؛ من ولادة المصطفى؛ محمد خير الأنبياء، {لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيْعٌ عَلِيْمٌ} [الأنفال:42].
ثُمَّ نقول من بعد الحمدلله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وعلى آله:
أما بعد فإن القدرية المجبرة الغاوية، الضآلة المضلة؛ زعمت أنها إنَّما أُتِيَتْ(2) في ارتكاب سيئاتها، وفعل كبائر عصيانها(3) من ربها، لا من أنفسها، تبارك ربنا عن ذلك وتعالى علواً كبيراً.
ثُمَّ قالوا: إنَّه سبحانه أدخلها بقضائه عليها في كبائر ذنوبها، جَبَرها على ذلك جبراً، وأدخلها فيه قسراً؛ ليُعذبها على قضائه، إشقاء منه لها بذلك، تعالى ربنا أن يكون كذلك، (ولعنة الله على أولئك) (4).
فرأينا عندما قالت وذكرت، وبه على الله من عظيم القول اجترأت، أن نضع كتاباً نذكر فيه بعض ما ذكر الله في منزل الفرقان(5)، مما نزله على محمد خاتم النبيين، في الكتاب من إكذاب القدرية المجبرين.
__________
(1) سقط من (أ).
(2) في (ج): أوتيت.
(3) في (أ): كبائرها.
(4) ليس في (أ).
(5) في (أ): القرآن.(2/38)
***
فكان أول ما نقول لهم من ذلك ونسألهم عنه؛ أن نقول لهم: خبرونا عن قول الله تبارك وتعالى فيما حكى عن الفاسقين الظلمة، المنافقين الفجرة، المتخلفين عن الجهاد مع رسول رب العالمين صلى الله عليه وآله وسلم: {يَحْلِفُوْنَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ} [التوبة: 42].
فقلنا للقدرية: أتزعمون أنهم حين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه كانوا مستطيعين للخروج معه، أو غير مستطيعين له؟.
فإن قالوا: نعم، كانوا مستطيعين له، وأنهم تركوه عنوةً واجتراءً على ذي الجلال والطول، واطرحاً لقول الله وقول رسوله صلى الله عليه وآله؛ تركوا قولهم الذي كانوا يقولون به: من أنَّه لا يستطيع أحد فعل شيء حتَّى يقضي (الله) (1) عليه به، ويدخله الله سبحانه فيه.
وإن قالوا(2): إن المتخلفين عن الخروج مع الرسول لم يكونوا مستطيعين(3) للخروج معه، وإنهم كانوا غير مستطيعين للجهاد؛ فقد قالوا كما قال المتخلفون، وصدّقوا قول المنافقين، وأكذبوا قول رب العالمين، لأن الله سبحانه قد أكذبهم، وشهد بخلاف ما قالوا من قولهم؛ حين يقول: {وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ}. قالت المجبرة: هم صادقون(4) لا يستطيعون، ولو استطاعوا لخرجوا، وقال الله سبحانه هم كاذبون فيما تقولون، ويشهد أنهم للخروج مستطيعون، وأنهم لو أرادوا الخروج لخرجوا، ولذلك أكذبهم الله في قولهم، لأن الله تبارك وتعالى لا يكذب صادقاً، ولا يصدق كاذباً.
***
ثُمَّ قلنا لهم: أخبرونا عن قول الله تبارك وتعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]، أليس إنَّما أمر العباد أن يتقوا الله ما استطاعوا؟
__________
(1) ليس في (أ).
(2) في (أ): فإن قالوا.
(3) في (ج): بمستطيعين.
(4) في (ب): الصادقون.(2/39)
فإذا قالوا: نعم، قيل لهم: فإن رجلاً لم يُصل ولم يصم من شهر رمضان إلاَّ يوماً واحداً، أو ركعة واحدة في كل يوم وليله، هل كان يستطيع غير ذلك؟
فإن قالوا: نعم، تركوا قولهم. وإن قالوا: لا يستطيع. قيل لهم: أفتأمرونه بالصلاة والصيام وهو لا يستطيع ذلك؟ فإن قالوا: لا نأمره بشيء من ذلك؛ فقد أجازوا له ترك الصلاة والصيام. وإن قالوا: بل نأمره وإن كان غير مستطيع، خالفوا القول، وردوا كتاب الله؛ لأن الله يقول: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [البقره: 286]، ويقول:{لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ وُسْعَهَا} [البقره: 286]، ويقول: {لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا} [الطلاق: 7]، فقد كلفتموه ما لم يؤته ربه.
ثُمَّ يقال لهم: أرأيتم إنساناً قوياً جلداً صحيحاً، قال: لست أقدر على أن أصوم من شهر رمضان غير عشرة أيام(1)؟ ماذا كنتم تقولون له؟ وكذلك إن قال: لست أقدر على الصلاة.
فإن قالوا: نأمره بالصلاه والصوم، ونقول له أنت مطيق لذلك؛ تركوا قولهم؛ لأنَّه يقول لهم: إنَّما أمرني الله أن أعبده ما استطعت، فلست(2) أستطيع غير هذا، وأنتم تأمرونني أن أتعبد لربي(3) بما لا أستطيع، وأعبده بما لا أطيق، فأيكم أولى أن أقبل قوله أنتم أو ربي؟ لأن ربي لم يكلفني إلاَّ ما أستطيع، وأنتم تكلفوني(4) ما لا أستطيع. وإن قالوا له: لا تصم ولا تصل، لأنك لا تستطيع كما قلت، ولو نزل عليك من الله الإستطاعه لفعلت؛ كانوا قد أباحوا للعباد ترك الصلاة والصيام، وهذا كفر بالله وشرك.
***
ثم يقال لهم(5): خبرونا عن قول الله تبارك وتعالى: {وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً} [آل عمران: 97]، ما هو السبيل عندكم؟
__________
(1) في (أ،ج): أكثر من عشرة.
(2) في (أ): ولست.
(3) في (ب): تأمروني أن أعبد لربي.
(4) في (أ): تكلفونني.
(5) في (أ،ج): ويقال لهم.(2/40)